اهلي

الصراخ كان طالع من حنجرتي زي النار اللي بتاكل في جدران الشقة. رجلي مكنتش شايلاني، رميت نفسي على الأرض وبقيت أزحف لحد ما مسكت التليفون تاني، إيدي كانت بترتعش لدرجة إني مش عارفة أتحكم في زراير الشاشة. جمعت كل قوتي واتصلت بالرقم الغريب تاني، والصوت جوايا كان بيدعي ويصرخ: “يا رب يطلع مقلب، يا رب يكون حد بيغلس عليا”.

رد الظابط تاني، وبادرت أنا بالصراخ:

— “يا بيه أنت بتتكلم جد؟ قول وحياة أولادك إنك بتهزر! أبويا وأمي وأخويا معاهم في العربية.. قولي إنهم كويسين!”

جاني صوته الجاد وفيه نبرة أسف:

— “يا مدام أنا مش ههزر في الموت والحياة. الحادثة شديدة، عربية نقل خبطتهم من ورا والعربية اتقلبت كذا قلبة. الإسعاف نقلهم على مستشفى العام، وأنتِ لازم تتحركي فوراً لأن في حالات حرجة وفي وفيات.. مستنيين حد من الدرجة الأولى يستلم ويتعرف على الحالات.”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “وفيات”؟ الكلمة دي شلت حركتي تماماً. قفلت السكة وأنا مش حاسة بالدنيا حواليا. الشيطان اللي كان من ساعة بيوزني وأنا زعلانة ومكسورة منهم، اختفى تماماً، وحل محله رعب حقيقي.. رعب إن العيلة اللي كنت زعلانة منهم يمشوا وميرجعوش تاني، والكسرة اللي حسيت بيها في البلكونة بقت ولا حاجة جنب الكسرة اللي أنا فيها دلوقتي.

قمت زي المجنونة، لبست أول عباية وقابلتني، ولفيت الطرحة من غير ما أبص في المراية. نزلت السلم جري، والشارع كان هادي ومفيش فيه حد في وقت الظهرية ده. وقفت تاكسي وأنا ببكي بهستيريا، الراجل اتخض من منظري وقالي:

— “في إيه يا بنتي؟ مالك؟”

قلتله بصوت متقطع ومنهار:

— “على المستشفى العام.. بسرعة أرجوك.. أهلي عملوا حادثة وبيموتوا.”

الراجل كبس بنزين وبقى يجري بأقصى سرعة، وأنا طول الطريق حاطة إيدي على قلبي وبدعي، بفتكر نظرة أمي المكسورة ليا في البلكونة، بفتكر تنهيدة أبويا وهو بيقولي “المركب سايرة ومش عاوزين عكننة”، وبفتكر ملامح أخويا أحمد وهو شايل الشنط.. حتى شيماء، مكنتش قادرة أكرهها في اللحظة دي، كنت بدعي ليهم كلهم بالسلامة، وعياله الصغيرين اللي ملهمش ذنب في أي حاجة.

وصلت المستشفى بعد نص ساعة كانت أطول من سنين عمري. رميت للراجل الفلوس ونزلت جري، دخلت الاستقبال ولقيت الدنيا مقلوبة.. دكاترة بتجري، وممرضات، وريحة المطهرات والدم مالية المكان.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *