مريم

لحظة من فضلك.

توقفت والقلق يزحف إلى صدري. نظرت إليه في دهشة بينما كانت القاعة كلها تتابع الموقف في صمت مطبق لا يسمع فيه إلا صوت أجهزة التكييف الخافتة.

رأيت المدير يتقدم خطوة ثم خطوتين إلى مقدمة المنصة. ألقى نظرة سريعة على الحضور وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة ثم قال بصوت رخيم يحمل نبرة انفعال صادق

أيها السادة أمامنا اليوم ليست مجرد خريجة نالت شهادتها بل قصة تمشي على قدميها حافية من كل مظاهر الرفاهية لكنها مكللة بالكرامة والجهد والتعب الشريف.

بدأ الهمس ينتشر بين الصفوف. بعض الأساتذة رفعوا رؤوسهم عن أوراقهم والطلاب التفتوا إلي بعيون متسعة. كنت أرتجف لا من البرد بل من المفاجأة.

تابع المدير وهو يخلع نظارته الذهبية ببطء ويمسحها بمنديل أبيض

كم مرة نسينا نحن الجالسين على الكراسي الوثيرة معنى أن يكافح إنسان ليصل إلى هذا المكان كم مرة مررنا على من يسير في الطرقات الترابية دون أن ندرك أن بين أقدامه حلما

ينتظر لحظة التتويج

ثم التفت نحوي مباشرة وقال بصوت خافت لكنه مسموع

آنسة راميريز حين رأيتك تدخلين حافية القدمين أخبروني أنك سرت ثمانية عشر كيلومترا لتكوني هنا اليوم. هل هذا صحيح

ارتفعت نبضات قلبي. شعرت بالحرارة تتجمع في وجهي لكنني تماسكت وقلت بهدوء

نعم سيدي. لكنني مشيت المسافة نفسها ست سنوات لأصل إلى فصولكم الدراسية. اليوم لم يكن مختلفا.

ساد الصمت. حتى الطيور التي كانت تغرد في الخارج بدت وكأنها توقفت لتسمع.

رأيت شيئا يتغير في عينيه شيئا يشبه الفخر الممزوج بالذنب. ثم فجأة فعل ما لم يتوقعه أحد.

انحنى وسط ذهول الجميع وبدأ يخلع حذاءه الجلدي الأسود اللامع. كان المشهد غير معهود في حفل رسمي.

وقف يحمل الحذاء بيديه ثم قال بصوت متهدج من التأثر

هذه الأحذية مشت على السجاد وفي المكاتب المكيفة وفي قاعات الاجتماعات لكنها لم تعرف الطريق الذي عرفته قدماك. هذه الأحذية لم تنل شرف أن تطأ الأرض التي سلكتها. أرجوك تقبليها. ليست هدية بل

تقديرا واحتراما.

تجمدت مكاني وعيناي تدمعان بلا إرادة. شعرت بأن العالم كله قد توقف عند تلك اللحظة.

من بين الصفوف رأيت

أمي كانت تجلس في المقاعد الخلفية ترتدي فستانها القديم المزين بزهور باهتة وقد غطت فمها بيدها لتكتم بكاءها.

اقتربت من المدير ببطء ويدي ترتجف. أخذت الحذاء منه ولم أستطع أن أقول شيئا في البداية. كانت الكلمات تهـ,ـرب من لساني كطيور مفزوعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *