هو إنتِ مستخسرة تساعدي أمي؟ إخواتي لسه عاملين ضوافرهم وجديدة!.. الجملة دي رماها جوزي في وشي قدام الكل وأنا ماسكة الفتونة وجردل المسح وركبي على الأرض. معليتش صوتي، سألته بس في سرّي هما صرفوا كام الشهر ده، وهو اتريق عليا. بعد أسبوعين رجعت، ومعايا سرير حديد، ومفاتيح العربية، وكشوفات الحساب مطبوعة على ورقة بيضا. وساعتها بس فهم إن حوار المسح مكنش هو الحكاية أصلاً. الجزء الأول إنتِ بجد يعني عايزة إخواتي يبوظوا باديكير وأكليريك دافعين فيه ألف وخمسمية جنيه في الكوافير عشان حضرتك تعبانة؟ إنتِ ضوافرك مقصوصة يا نور، مش فارقة معاكي ولا هتخسري حاجة لما تمسحي. نور اتسمرت مكانها، قاعدة على ركبتها على سيراميك صالة حماتها، والفتونة المعصورة بين إيديها بتنقط مَيّة. لثواني حست إن ودنها بتصفر وإنها سمعت غلط. عندها سبعة وتلاتين سنة، شغالة من الأحد للخميس رئيسة حسابات في شركة شحن وتوزيع كبيرة في مصر الجديدة. الأسبوع ده كانت بتقفل ميزانيات، وطالعة عينها في مراجعات وضرايب، ومروحة بيتها تلات أيام ورا بعض بعد تسعة بالليل مهدودة. ورغم ده كله، يوم إجازتها، الجمعة، كانت بتمسح شقة الست نادية، حماتها. قدامها على الكنبة، مأنتخين إخوات جوزها التوأم فريدة ونورهان، عندهم اتنين وتلاتين سنة، الموبايلات في إيديهم، والآيس كوفي على التربيزة قدامهم، وضوافرهم مرسومة وفيها فصوص بتلمع. خدي بالك من تحت نيش السفرة والنبي نورهان قالتها من غير ما ترفع عينها من على شاشة التيك توك ماما بيجيلها حساسية من العفار. نور عصرت الفتونة في الجردل بإيدين بتترعش من الغيظ. طب ماتقوموا تساعدوني؟ إيد على إيد نخلص الشقة في نص ساعة. الأختين بصوا لبعض بنظرة كإن نور بتقول نكتة بايخة ومستغربين الجرأة. في اللحظة دي، طارق دخل من المطبخ، ولسه بيمضغ في المحشي اللي مراته كانت سهرانه تلفّه وتسويّه ليلة الجمعة وجايباه معاها في حلّة عشان حماتها متتعبش. هتبدأي موشح كل أسبوع ولا إيه؟ طارق قالها وهو بيبلع. مش ببدأ موشح. بسأل اتنين ستات شاحطين قاعدين حاطين رجل على رجل ليه، وأنا اللي بمسح شقة أمهم؟ طارق ضحك باستهزاء. عشان لسه خارجين من الكوافير حالا، دافعين دم قلبهم في ضوافرهم، مش منطقي يبوظوا الفلوس دي كلها عشان مسحة أرض يعني. الكلمة نزلت على نور زي المَيّة الساقعة. بقالها شهرين بتتحايل عليه يغير تيل فرامل العربية اللي بيروحوا بيها الشغل سوا، العربية كانت بتصرخ مع كل دوسة فرامل وهي نازلة من كوبري أكتوبر. كل ما تقوله، طارق يرد نفس الرد المحفوظ السيولة مأزمة، مش وقته مصاريف خالص دلوقتي. لكن وقت ضوافر الهوانم، في فلوس. ووقت باقات نت نورهان اللي بتخلص وتتجدد في نفس اليوم، في فلوس. ووقت كورسات التاروت والأبراج اللي فريدة بتشترك فيها، في فلوس. ولطلبات طلبات ومصاريف بيت الست نادية، في فلوس. ولشوزات بتيجي من على النت، واشتراكات منصات، ومكملات تخسيس بيجيبوها ويرموها بعد أسبوعين في الدرج.. في ملايين. نور خدت نَفَس طويل بالعافية. يعني ضوافرهم أغلى من وسطي اللي مكسور ده؟ طارق لوح بإيده وبص في السقف متعمليش دراما بقى وتكبري الموضوع! إنتِ شقيانة وصحتك تشيل، هما رقيقين وميستحملوش البهدلة دي. الست نادية خرجت من الطرقة وهي ساندة بإيدها وبتسبّح الست الأصيلة الجدعة تشيل أهل جوزها على راسها ومتقعدش تعيّر بحسناتها يا نور، دا فضل من عندك يعني؟ نور بصت لكفوف إيدها اللي احمرّت وقشفت من الكلور والمُنظّفات. محكتش. م نطقتش بحرف. كملت المسح في صمت رهيب. في طريق الرجوع، طارق كان سايق وبيصفر مع الراديو ولا كإن في أي حاجة حصلت. أمي قالت الشقة نضفت وراقت رمى الكلمة دي في النص بس كان في شوية تجيير كده جنب الوزرة في الصالة، ابقي خدي بالك المرة الجاية وركزي شوية. نور كانت باصة من شباك العربية على عماير مدينة نصر ونور الشوارع. مش هيبقى فيه مرة جاية. بتقولي إيه؟ مسمعتش. بقولك الفرامل بتسحب، وصوت الصفارة زاد عن حده. طارق نفخ بضيق نور! ما قلنا ألف مرة مفيش سيولة زايدة! فريدة محتاجة تحجز كورس علم الأرقام ده عشان متأخرش عن زمايلها، ونورهان عايزة تلحق بوت في التخفيضات قبل ما الشتا يدخل والأسعار تولع. نور لفت وشها ليه بالراحة وبصتله في عينه غريبة أوي.. لما بيبقى الموضوع فيه مامتك وإخواتك، بيبقى القرش خيرنا لبيتنا كلنا، لكن لما ييجي الدور على حاجة في بيتنا وأماننا، تطلع جملة مفيش وممعيش! دول أهلي وعيلتي! وأنا مش عيلتك برضه؟ طارق مردش، ودور وشه الناحية التانية. الليلة دي، أول ما طارق نام، نور فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل. تحويلات إنستاباي.. مشتريات بالفيزا كارد.. فواتير مدفوعة.. شحن رصيد.. مسكت الآلة الحاسبة وفضلت تجمع، شهر ورا شهر. في أقل من سنة، كان طالع من شقاها ومرتبها ومن الحساب المشترك مبلغ يخض.. أرقام عبيطة كانت بتصرف على حياة تلات ستات قادرين يشتغلوا وينحتوا في الصخر. نور فضلت باصة للرقم على الشاشة كتير، وعينها بتلمع بس مفيهاش دموع. بعدها قلبت في الأسماء، وجابت رقم واحدة صاحبتها من أيام الجامعة شغالة في العقارات. ألو، سارة؟ معلش بتصل بيكي متأخر.. كنت عايزة أسألك، لو حبيت أأجر ستوديو صغير أو شقة أوضة وصالة ليا لوحدي في التجمع أو الشروق، متوسط الإيجار كام دلوقتي؟ وهي بتسمع كلام سارة، نور كانت عارفة ومتأكدة.. هي مكانتش بتدور على شقة مفروشة. هي كانت بتدور على طريق هروب. واللي قررت تعمله في الأسبوعين الجايين، كان حاجة عمر ما طارق، ولا أمه، ولا إخواته الهوانم كان ممكن يتخيلوها في أسوأ كوابيسهم. الجزء الثاني الليل في مدينة نصر مبيسكوتش، وصوت العربيات على طريق النصر كان داخل من شيش البلكونة الموارب زي وشوشة بعيدة. بس جوة الشقة، مكنش مسموع غير صوت شخير طارق المنتظم، وصوت تكتكة خفيفة على شاشة الموبايل. نور مكنتش بتعيط. الدموع دي كانت مرحلة وخلصت من سنتين، لما كانت لسه بتصدق إن الحكاية سوء تفاهم وإن طارق بس مضغوط عشان شايل أهله. دلوقتي، الشاشة كانت منورة وشها بنور أبيض باهت، وهي فاتحة شيت إكسيل على موبايلها، وبتنقل من تطبيق البنك بالأرقام، بالسنتيم، لمحة نيوز بالمليم. كل تحويلة كان ليها تاريخ، وكل تاريخ وراه قصة نور كانت بلعاها وسكتت عشان مركب الحياة تسير. يوم ١٤ مارس تحويل إنستاباي بسبعة آلاف جنيه لكوافير في المعادي.. في نفس الأسبوع اللي طارق حلف لها بالطلاق إنه مش معاه ألفين جنيه يدفع بيهم قسط صيانة العمارة وقالها ادفعيهم إنتِ من مرتبك وهبقى أفك شهادة الشهر الجاي وارجعهم، وطبعاً الشهادة لا اتفكت ولا الفلوس رجعت. يوم ٢ مايو تسعة آلاف جنيه شراء أونلاين من براند شنط حريمي لفريدة بمناسبة عيد ميلادها.. في نفس اليوم اللي نور طلبت فيه تغير نضارة النظر بتاعتها عشان المقاس اتغير وبقت تصدع، فقالها استحملي بس شوية يا نور، العين عليها لود والشركات كلها بتصفي ومش ضامنين بكرة فيه إيه. جمعت الخانات. الأرقام على الشاشة بدت زي صفعة باردة وواعية. المبلغ اللي اتصرف من دخلها المباشر ومن فلوس الجمعيات اللي كانت بتقبضها وتدخلها في مصاريف البيت عشان سيادته يغطي مصاريف عيلته، كان كفيل يشتري شقة تمليك صغيرة في بدر أو حدائق أكتوبر، أو على الأقل يدفع مقدم محترم لشقة باسمها. قَفلت الموبايل بهدوء، وحطته تحت المخدة، وبصت لسقف الأوضة. الحسبة مكانتش بس فلوس؛ الحسبة كانت استنزاف لروحها، طاقة بتتسحب يومياً عشان تلات ستات عايشين في دور الهوانم المستكفيات، وراجل فاكر إن الرجولة هي إنه ينهب مراته عشان يصنع وجاهة اجتماعية كدابة لأمه وإخواته. السبت الصبح، الشمس كانت طالعة حامية. طارق صحي متأخر كعادته، لقى ريحة القهوة قالبه البيت، ونور قاعدة على ترابيزة السفرة، لابسة طقم الخروج، ولابسة نضارتها، وقدامها اللابتوب وفولدرات ورق كتير. صباح الخير.. إيه يا بنتي النشاط ده؟ هو إنتِ وراكي شغل النهاردة برضه؟ قالها وهو بيمط جسمه ورايح ناحية المطبخ يدور على الفطار. صباح النور. لا، مفيش شغل في الشركة. ورايا مشاوير تانية مهمة ردت بصوت هادي وراسي، مفيهوش النبرة المكسورة ولا العصبية بتاعة كل مرة. طارق طلع من المطبخ ماسك مج النسكافيه، وبصلها باستغراب مشاوير إيه؟ مش قايلين هنعدي على أمي النهاردة عشان فريدة عايزة تروح مول العرب تشتري حاجات، وعربيتهم في التوكيل ومستنيين أوديهم؟ نور رفعت عينيها من فوق النضارة، بصتله لثانية واحدة بنظرة باردة خلت الكلمة تقف في زوره لا، مش هينفع. أنا محتاجة العربية النهاردة. ورايا كذا مشوار يخص حسابات قديمة ومحتاجة أتحرك بيها. طارق كشّر، ونبرة التحكم المعتادة بدأت تطلع في صوته يعني إيه محتاجة العربية؟ إنتِ عارفة إن إخواتي مبيعرفوش يركبوا مواصلات، وأوبر في المشاوير دي بيكلف أرقام عبثية، وبلاش عند على الصبح يا نور! أوبر بيكلف أرقام عبثية، لكن صيانة الفرامل اللي هتموتنا بيها مش عبث؟ عموماً، ده اللي عندي. أنا نازلة. قامت، لمت حاجتها في الشنطة، وخدت المفاتيح من على الجزامة ونزلت من غير ما تستنى رده. سمعت صوته وهو بيزعق وراها في الصالة ويقول لما ترجعي يا نور هنشوف حوار الطريقة الجديدة دي!، بس مقفلتش حتى ودانها، نزلت على السلم بخطوات ثابتة ومحسوبة. أول محطة كانت ورشة ميكانيكا في صقر قريش، تابعة لقريب سارة صاحبتها. راجل عجوز بيفهم في الأصول والحديد. يا بنتي دي مش فرامل، دي معجزة إنها مسكت معاكي كل ده! التيل متآكل خالص وواكل في الطنبورة، لو دوستي فرامل فجأة على سرعة ٨٠ على الدائري، كانت العربية لفت بيكي لا قدر الله! نور وقفت تبص للراجل وهو بيطلع القطعة القديمة المتآكلة، سواد وحديد مهروس. طارق كان عارف ده كويس، وكان بيأجل تصليحه عشان نورهان تلحق تشتري البوت قبل ما يغلى. حياتها وحياته مكنتش تسوى عنده تمن جزمة جلد. غير كل حاجة محتاجة تتغير يا أسطى، ونضفها وظبطها على الفرازة، واديني فاتورة مفصلة بكل مليم، ومختومة. من عيني يا أستاذة، ساعتين وتستلميها زيرو. الساعتين دول مكنوش وقت ضايع. نور مشيت على رجليها لحد فرع بنك كبير قريب. قعدت مع موظف خدمة العملاء، وطلبت حاجة كانت مأجلاها من سنين خوفاً من زعل طارق ومن خناقات إنتِ بتخوني العيش والملح. لو سمحت، الحساب المشترك ده، أنا عايزة أسحب نصيبي القانوني والمثبت بتحويلات مرتبي بالكامل، واقفل الفيزا الإضافية اللي معمولة باسم طارق، وافتح حساب توفير منفصل تماماً باسمي، وألغي أي توكيلات أو صلاحيات سحب لأي حد غيري. الموظف بصلها بمهنية وبدأ يراجع الحركات تمام يا فندم، بس الإجراءات دي هتاخد شوية وقت عشان نأكد على التحويلات وتوقيعات الفصل، وكمان هنحتاج نلغي الكريدت كارد المربوط بيه. خدو وقتكم، المهم يخلص النهاردة، ومفيش مليم يتحول برا الحساب ده من الدقيقة دي. لما خرجت من البنك، كانت الساعة داخلة على اتنين الضهر. حست بتقل كبير اتشال من على كتافها، بس الخطة كانت لسه في أولها. الوجع اللي عاشته سنين، مش هيمحيه مجرد قفل حساب بنكي، ولا شوية كلام في قعدة عتاب ملهاش لازمة. الناس دي اتعودت تدوس عشان هي كانت بتوطي راسها وتعدي، واللي بيتعود يدوس مبيفوقش غير لما يدوس على لغم. رجعت استلمت العربية، صوت الموتور كان ناعم، ودوسة الفرامل بقت حاضرة وثابتة تحت رجلها زي ما كانت قراراتها بتبدأ تثبت. المحطة التانية كانت عند سارة. سارة كانت مستنياها في كافيه هادي في شيراتون، وقدامها فايل أزرق كبير. نور، إنتِ متأكدة من الخطوة دي؟ سارة سألتها بقلق وهي بتبص في وشها المشدود طارق مش هيسكت، وأمه هتقلب الدنيا مناحة وعارفين أسلوب الستات الكبار في لعب دور الضحية. نور شربت بؤ مَيّة، وحطت الكوباية بهدوء يسكت ولا ميسكتش، مش فارق معايا يا سارة. أنا قعدت سنين أراعي مشاعر ناس مبتراعيش حتى كرامتي. الشقة اللي قولتلك عليها، عقدها جاهز؟ جاهز، ستوديو مفروش تشطيب سوبر لوكس في كمبوند هادي في الشروق، أمن وحراسة، ومحدش يقدر يدخله غير بكارت ودعوة. صاحبه مسافر دبي ومأجره بسعر كويس عشان عايز حد يحافظ عليه. العقد سنة قابلة للتجديد، والمالك مضى التوكيل للمكتب عندي. ممتاز. ده الشيك بالمقدم وشهرين تأمين. مضت نور العقود بإيد مابتترعشش. لأول مرة من سبع سنين جواز، تحس إنها بتمضي على حاجة ملكها، مساحة خاصة بيها، محدش هيدخل يقولها فيها قومي امسحي ورايا ولا حد هياخد شقاها عشان يتمنظر بيه. بس الحكاية مكانتش مجرد إنها تلم هدومها وتمشي وتطلب الطلاق في هدوء. دي النهايات الكلاسيكية بتاعة الناس اللي بترضى بالخسارة وتقول المهم أشتري دماغي. نور مكنتش عايزة تشتري دماغها.. نور كانت عايزة حقها، تمن السنين، والفلوس اللي اتنهبت، والكرامة اللي اتهانت على بلاط صالة حماتها والكلور بياكل في صوابعها. رجعت البيت مع المغرب. لقت الجو مكهرب، والبيت كإنه ساحة حرب باردة. طارق كان قاعد على الكنبة في الصالة، شغال على اللابتوب، ولابس نضارته، ووشه ميتبشرش بخير. كنتِ فين لحد دلوقتي؟ وتليفونك مقفول ليه؟ قالها بصوت واطي بس محتقن بالغضب. كنت بصلح الفرامل اللي كان المفروض تتصلح من شهرين ردت وهي بتقلع الشوز وبتحطه مكانه بنظام وتليفوني كان فاصل شحن في الورشة. طارق قام ووقف قدامها إنتِ اتجننتي يا نور؟ يعني إخواتي اتعطلوا اليوم كله ومخرجوش، وامي متصلة بيا مرتين تسأل عننا وإحنا مش عارفين نروح ولا نيجي عشان الهانم واخدة العربية تلف بيها في الورش؟! وكمان راجعة دافعة دم قلبك في الميكانيكا وإحنا مزنوقين؟! جبتي الفلوس دي منين أصلاً؟ نور بصتله ببرود شديد، نظرة خلت طارق يرتبك خطوة لورا من فلوسي. من مرتبي اللي بيتحول في البنك كل شهر وبيطير في الهوا على الهوانم. قصدك إيه يعني؟! إنتِ بتمنّي علينا بقرشين بتساعدي بيهم في بيتك؟! لا، مش بمن. أنا بفكرك بس عشان الذاكرة شكلها خفت عندك. وعموماً يا طارق، عشان نريح بعض، أسبوعين من النهاردة وكل النقط دي هتتحط على الحروف. طارق سكت وبصلها باستغراب، حس إن في حاجة غلط، نبرتها مكانتش نبرة خناقة عادية، مكنش فيها العياط والزعيق والانهيار بتاع كل مرة كانت بتكتشف فيها إنه مأثر في حق البيت، كان فيها هدوء يخوف، الهدوء اللي بيسبق القرارات النهائية. أسبوعين إيه؟ إنتِ نيتك إيه بالظبط؟ مفيش نية غير كل خير.. بس جهز نفسك، عشان الجمعة بعد الجاية، في قعدة معمولة عند مامتك، وكلنا لازم نكون حاضرين. ومشيت وسابته، دخلت أوضة النوم، وقفلت الباب من جوة بالمفتاح لأول مرة من سنين. الأسبوعين اللي بعدهم كانوا ماشيين بجدول زمني كإنه عملية عسكرية متخططلها بالمللي. نور مكنتش بتبات في خلافات، ومكنتش بتفتح أي حوار. بتنزل الشغل الصبح بدري، ترجع متأخر بحجة إن في ميزانيات ربع سنوية في الشركة. بس في الحقيقة، نص وقتها كان بيضيع في فرز ونقل. كل يوم كانت بتاخد شنطة هاند باج معاها وهي نازلة، فيها أهم هدومها، دهبها اللي كانت شايلاه في الدولاب، شهادات تخرجها، عقود ملكية شهادات الاستثمار القديمة اللي تخصها، وأي ورقة تثبت تحويل مالي بينها وبين طارق من يوم ما اتجوزوا. الحاجات دي كانت بتروح على طول على شقة الشروق الجديدة. طارق، كعادته في الغفلة والأنانية، مكنش مركز أصلاً في الهدوم اللي بتقل من الدواليب، كان كل همه إن فيزا المشتريات وقفت، والبنك باعتله رسايل إن الحساب المشترك تم تجميده لتعديل بيانات الشركاء، ولما واجهها، ردت ببرود البنك بيعمل تحديث دوري لكل الحسابات المشتركة، هروح أجدده أول ما أفضى من الميزانيات. وصدقها، لإن طول عمرها هي اللي شايسة الورقيات والفلوس وهو ميعرفش غير إنه يسحب ويصرف. في نفس الوقت، نور كانت بتجهز المفاجأة الكبرى. راحت لمحل بيع أثاث طبي ومستعمل في السيدة زينب، وطلبت حاجة غريبة جداً.. طلبت سرير حديد من بتوع المستشفيات القديمة، السرير التقيل، المجلفن، اللي بيقرقض وله جوانب حديد باهتة ومقشرة، ودفعت تمنه ونقله لميعاد محدد الجمعة الصبح، عند عمارة حماتها في الهرم. مش بس كده، راحت للتوكيل بتاع عربيتهم. العربية كانت أصلاً مكتوبة باسمها لإن والدها الله يرحمه كان دافع أكتر من نص تمنها كهدية جواز، وطارق كان شاري الباقي على أقساط خلصت من سنتين، بس التوكيل بالبيع والرخصة كانت باسمها هي. طلبت استخراج بدل فاقد لنسخة المفاتيح الأصلية، ولغت التوكيل اللي كانت عملاه لطارق بالشهر العقاري يتيح له استخدام العربية وإدارتها. كل الخيوط كانت بتتربط في صمت تام. فريدة ونورهان مكنوش حاسين بحاجة، وكانوا منزلين ستوريز على الإنستجرام وفيس بوك بيحتفلوا بحجز كورس Numerology جديد لفريدة، وتجهيزات خطوبة واحدة صاحبتهم كان المفروض يحضروها يوم الجمعة بالليل، وكانوا عمالين يلمحوا لطارق إنهم محتاجين لمحة نيوز مصاريف فساتين وميكب أرتيست. وصل يوم الجمعة الموعود. الجو كان مغيم سنة، ومكتوم. طارق صحي لقى نور لابسة عباية سودا شيك، وحاطة طرحة خفيفة، وشكلها واثق وهادي جداً، وماسكة في إيدها شنطة جلد سودا تقيلة. يلا عشان منتأخرش على ماما، إنتِ عارفة بتزعل لما بنتأخر عن الغدا طارق قالها وهو بيلبس ساعته وبيبص في المراية برضا. يلا، أنا جاهزة قبلك كمان قالتها وهي بتفتح باب الشقة. نزلوا وركبوا العربية. طارق مد إيده عشان يسوق، نور بصتله وقالت لا، اركب إنت جنب السواق النهاردة، أنا اللي هسوق. إيه الحكاية يعني؟ هو إنتِ بقيتي مسيطرة كده فجأة ليه؟ مش مسيطرة، بس المشوار النهاردة مشاويره تابعة ليا أنا، ومحتاجة أبقى مركزة على الطريق. سكت ومحبش يعمل مشكلة، ركب جنبها، وطول الطريق في محور صفط اللبن كان عمال يرغي عن مشاريع وهمية مع صحابه وعن إن إخواته محتاجين سلفة تلاتين ألف جنيه عشان يبدأوا براند ميكب أونلاين، ونور كانت بتهز راسها في صمت، وتبص في المراية اللي قدامها. وصلوا العمارة في الهرم. عمارة قديمة واسعة، شقة الدور التاني. دخلوا، لقت الست نادية قاعدة على كرسيها المفضل في الصالة، قدامها التليفزيون، وفريدة ونورهان قاعدين ماسكين الموبايلات وعلب المكياج مفرودة على ترابيزة الصالون بيجربوا ألوان الروج. أهلاً يا طارق يا حبيبي.. اتأخرتوا ليه كده؟ المحشي برد جوة، ونور مكنتش هنا تسخنه الست نادية قالتها بعتاب ونظرة باردة لنور. فريدة رفعت عينيها كويس إنكم جيتوا، طارق بالله عليك كلم بتاع أوبر اللي متسجل عندك يجيلنا بليل، أصلاً الأبلكيشن عندي مهنج ومحتاجين نلحق الكوافير قبل الساعة خمسة، وضوافرنا لسه مكملتش ال Touch up بتاعها. نور مقعدتش. فضلت واقفة في نص الصالة، الشنطة السودا في إيدها، وبصت للكل واحد ورا التاني. اقعدي يا نور مالك واقفة زي الغريبة كده ليه؟ طارق قالها وهو بيقعد جنب أمه. في اللحظة دي، سمعوا صوت دوشة وخبط تقيل على باب الشقة من برة، وصوت أنفاس رجالة شايلة حاجة تقيلة وبتنهج على السلم. الست نادية اتخضت مين اللي بيخبط كده؟! في إيه برة يا طارق؟ شوف مين بيعمل الدوشة دي على بابنا! نور اتحركت بخطوات هادية ناحية الباب، وفتحته على آخره. كانوا أربعة عمال شيالين، عرقانين، وشايلين بالعافية سرير حديد ضخم بتاع مستشفيات، بمفصلات بتزيق، لونه رمادي مقشر، ومترب من النقل، وحاطين فوقه مرتبة قطن قديمة متهالكة. ندخل فين يا أستاذة؟ كبير العمال سأل وهو بيمسح عرقه بكُم القميص. نور شاورت بإيدها على نص صالة الضيوف، قدام نيش الست نادية، وقدام تربيزة الميكب بتاعة التوأم هنا.. نزلوه هنا في نص الصالة بالضبط. طارق وقف مفزوع، وشه مخطوف إيه القرف ده؟! إيه اللي أنتوا مدخلينه شقة أمي ده؟! إنتِ اتجننتي يا نور ولا جرى لمخك إيه؟! مين جاب السرير ده هنا؟! نور وقفت جنب السرير الحديد، حطت إيدها على الماسورة الباردة بتاعته، وبصت لحماتها وبناتها اللي بقوا مبرقين ومفتوحين البق من الصدمة، وقالت بصوت هادي جداً بس كل كلمة فيه كانت بتنزل زي المرزبة مش ده السرير اللي كنتوا فاكرين إني هفضل نايمة عليه وأنا بتهان وبمسح جزمكم؟.. لا يا حماتي، السرير ده مش ليا.. السرير ده جاي عشانكم، عشان القعدة الجاية مش هتبقى في صالونات.. فتحت الشنطة الجلد، وطلعت رزمة ورق أبيض A4 مطبوع بكشوفات الحسابات الرسمية ورمتها فوق السرير الحديد، وطلعت مفاتيح العربية وحطتها في جيب عبايتها. ده كشف الحساب.. ودلوقتي، هنقعد نقرا كل قرش دخل البيت ده، ونعرف مين اللي هيدفع تمن السنين دي كلها. الجزء الثالث والأخير صوت تزييق مفاصل السرير الحديد وهو بينزل على أرضية الصالة كان كفيل يخرّس الشقة بالكامل. العمّال نزلوا السرير بتقل، مسحوا عرقهم، وأخدوا الحساب من نور اللي كانت بتطلع الفلوس من شنطتها بعدّ هادي وبطريقة تخلي الأعصاب تفرقع. قفلت الباب وراهم وراهنت بضهرها عليه لثواني، كإنها بتقفل باب الخروج على كل اللي جوة. الست نادية كانت حاطة إيدها على صدرها، وشها مخطوف ولونه قالب أصفر ليموني، وعينيها رايحة جاية بين السرير المتقشر المترب اللي اتحط في نص سجاد الصالون العجمي، وبين كومة الورق الأبيض اللي مرصوصة عليه. إيه المسخرة دي يا طارق؟ صوت الست نادية طلع مفروم ومخنوق من الصدمة إنت جايبلي سرير مجاذيب في صالوني؟ جايبين سرير قرافة ومستشفيات تدخلوه عليا وأنا حية ترزق؟! انطق يا واد! طارق وشه كان محتقن بالدم لدرجة إن عروق رقبته كانت ناطة من مكانها، قرّب من نور ورفع صباعه في وشها بطريقة هستيرية إنتِ اتجننتي رسمي! إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تعملي الحركات البلدي دي في بيت أمي؟ خدي الخردة دي وغوري برة بيتي حالا بدل ما أمد إيدي عليكي ومحدش هيحوشك مني! فريدة ونورهان كانوا واقفين ورا الكنبة، الموبايلات في إيديهم بس شاشاتهم مطفية، عنيهم مبرقة، والضوافر اللي اتعملت بآلاف الجنيهات كانت بتخربش في مساند الكنبة من التوتر. نور متحركتش سنتي واحد. مبصتش حتى لصباع طارق اللي بيهدّدها. بصت للسرير، ولمست الحديد البارد بتاعه بصوابعها بهدوء يقهر السرير ده مش مسخرة يا حماتي.. السرير ده سرير أبويا الله يرحمه. فاكراه يا طارق؟ فاكر لما أبويا عيي بكانسر الكبد من تلات سنين؟ فاكر لما طلبت منك ننقله مستشفى نضيفة في الدقي، قولتلي إيه؟ قولتلي العين بصيرة والإيد قصيرة ومفيش سيولة، ومستشفيات الحكومة زحمة، خليه في سرير المستلزمات الطبية ده في البيت والموت علينا حق ومتبذريش في علاج ملوش رجا. سكتت لحظة، الصمت كان أتقل من جبل على كتافهم. السرير ده كان مرمي في مخزن عمارتكم تحت من يوم ما أبويا مات. سيبتوه يصدي تحت مع الكراكيب. أبويا مات على السرير ده عشان مكنش في سيولة تكفيه، في نفس الشهر اللي كان في سيولة تسفر الهوانم شرم الشيخ أسبوع عشان نفسيتهم كانت تعبانة من التكييف في الصيف! طارق بربش، صباعه نزل بالراحة، والتوتر بدأ يظهر في رفة عينه ده.. ده كلام قديم.. إنتِ جاية تفتحي دفاترك القديمة دلوقتي ليه؟ وبعدين ده نصيبه وده عمره! إيه علاقة ده باللي بنعمله؟! نور شدت الورق الأبيض من على السرير، ورمت أول دستة على ترابيزة الصالون، الكوبايات اتهزت وعلب الميكب وقعت على الأرض. علاقة ده؟ الدفاتر مش قديمة يا طارق.. الدفاتر طازة، ومختومة، ومطبوعة من البنك المركزي ومن الشؤون القانونية للشركة بتاعتي. نور قعدت على السرير الحديد بكل برود، كإنها قاعدة على عرش، حطت رجل على رجل، ومسكت أول ورقة اقعدوا.. عشان القعدة شكلها هتطول، وفاتورة الحساب هتبقى حامية على قلبكم شوية. نورهان بصت لأختها، وحاولت تتكلم بنبرة استعلاء بس صوتها كان بيتهز إنتِ هتعمليلنا فيها المحقق كونان؟ فلوس إيه وبتاع إيه؟ طارق هو اللي بيصرف على البيت ده من عرق جبينه، إنتِ أصلاً دخلك ده ملناش دعوة بيه، وأخونا مش مأثر معانا، ملكيش فيه أصلاً! نور بصت لنورهان بابتسامة صغيرة، نظرة شفقة خلت البنت تبلع ريقها عرق جبينه؟ حلوة دي.. طارق شغال مهندس صيانة في شركة خاصة، مرتبه الصافي في الشهر تسعة آلاف جنيه. تسعة آلاف جنيه يا نورهان. لفت نور وشها لحماتها ابنك مرتبه تسعة آلاف.. الشقة اللي إحنا قاعدين فيها إيجارها أربعة آلاف وخمسمية، وأقساط جمعيته تلات آلاف. يعني اللي بيتبقى من طارق ابن الأصول لجيبه هو شخصياً ألف وخمسمية جنيه، يدوب بيكفوا بنزينه وسجايره وكوبايتين الشاي على القهوة. الست نادية بصت لابنها بصدمة طارق.. الكلام ده بجد؟ إنت مش قايلي إنك بقيت مدير قسم وبتاخد تلاتين ألف؟! طارق عينيه كانت في الأرض، مش قادر يبص لأمه ولا قادر يبص لنور. الكدبة اللي كان باني عليها برستيجه قدام عيلته كانت بتنهار طوبة طوبة. نور رفعت الورقة التانية التلاتين ألف اللي كانوا بيتصرفوا هنا كل شهر، ده كان مرتبي أنا. مرتبي كمديرة حسابات، وبونص الميزانيات، وفلوس الجمعيات اللي كنت بقبضها من شقايا وتمرمطتي في المترو والميكروباصات عشان سيادته ياخد العربية يوصلكم الكوافير والنوادي. رمت الورقة في حجر فريدة كورس الأبراج وعلم الأرقام؟ اتدفع من حساب كارت المشتريات بتاعي.. عملية رقم ٤٩٢٠. رمت ورقة تانية في حجر نورهان بوت زارا اللي بسبعة آلاف؟ اتدفع من تحويل إنستاباي من تليفوني وأنا نايمة وهو عارف الباسورد.. عملية رقم ٨٨١٣. بصت للست نادية تلاجة شارب ال ١٨ قدم اللي في مطبخك؟ متقسطة على كارت البنك بتاعي باسم نور عزت، ولسه فاضل فيها تمن شهور بدفعهم من دمي! الست نادية لسانها اتعقد، عنيها كانت بتتحرك بسرعة بين الأوراق اللي بقت مالية الصالة. الست اللي كانت داخلة عليها بصفة الحماة القوية اللي بتتحكم في كل فتفوتة، ظهرت فجأة زي ست عجوزة ومكسورة بتكتشف إن العز اللي هي عايشة فيه كان مبني على دم وسرقة. طارق صرخ، صرخة راجل اتقفش متلبس وعريان قدام أهله بس بقى! كفاية سم بقى يا نور! ما البيت بيتك وإحنا واحد، إيه الفرق بين فلوسي وفلوسك؟! هو مش الجواز مشاركة؟! ولا إنتِ مكنتيش عايشة في بيتي وبتاكلي من أكلي؟! نور قامت ووقفت قدامه، والمسافة بينهم مكنتش أكتر من شبر واحد. عينيها كانت حادة، مفهاش ذرة تردد الجواز مشاركة لما نكون بنبني بيت مع بعض.. مش لما أكون أنا الحمار اللي بيشد الساقية وإنت وأهلك قاعدين تاكلوا في التبن وتتمنظروا باللبس والضوافر! المشاركة لما تيل الفرامل اللي كان هيموتنا يتغير، مش لما تقولي معيش فلوس وأجليه، وفي نفس اليوم تدفع ألف ونص لضوافر إخواتك عشان ميتقصفوش في المسح! طلعت نور مفاتيح العربية من جيبها، ورفعتها قدام عين طارق المفاتيح دي.. مبتخصكش بعد النهاردة. طارق حاول يمد إيده ياخدهم دي عربيتي! أنا اللي دافع أقساطها! نور ضحكت بمرارة رخصتها باسمي، والعقد المسجل باسمي، وأبويا دافع تلات ترباع تمنها، وإنت بتوكيلك كنت بتسوقها. التوكيل اتلغى في الشهر العقاري النهاردة الصبح يا باشمهندس، وبلاغ اتعمل في المرور بسحب التوكيلات. لو حطيت مفتاحك في كونتاكت العربية دي، هتبات في القسم بتهمة خيانة أمانة وسرقة عربية مسجلة. طارق حس إن الأرض بتتهز تحته، الرعب بدأ يتسلل لصوته، النرجسية اللي كانت بتغذيه بدأت تتكسر وتتحول لذل نور.. اهدي، مينفعش الكلام ده قدام أمي وإخواتي.. تعالي نروح بيتنا ونتكلم براحة، كل حاجة هتتحل.. متخربيش بيتك بإيدك عشان شوية مصاريف! بيتي؟! نور بصت له باستهزاء بيتك ده أنا لسه مروحة منه الصبح بدري، لميت كل هدومي، كل دهبي اللي كنت فاكر إنك داريه في درج الدولاب عشان تسلفه لفريدة تجهز بيه، شيلت كل ورقة تخصني.. الشقة مفهاش غير عفشك المتهالك اللي إنت جايبه في الصالة. وإيجار الشقة الجاي؟ معتش بتاعي. المالك عنده خبر إني سبت الشقة، وتقدر تتصرف معاه بقى بمرتبك التسعة آلاف، شوف هتدفع منه الإيجار ولا كورس الأرقام بتاع الهانم! فريدة بدأت تعيط بصوت عالي، ونورهان كانت بترتعش ومش قادرة ترفع عينها في أمها اللي كانت قاعدة مبرقة وبتبص لطارق كإنها بتشوفه لأول مرة طارق.. الكلام ده صح؟ إنت كنت بتمد إيدك على فلوسها وبتكدب علينا وتقول ده شغلك الحر؟ إنت كنت بتسرقها عشان تظهر قدامنا كبير؟! طارق قعد على الكنبة، حط راسه بين إيديه، وشه كان في الأرض ومش قادر يرد. كان عارف إن كل حرف قالته نور متوثق بكشوف حسابات رسمية وبتواريخ وأرقام تحويلات مبتكدبش. نور مسكت شنطتها، وبصت للست نادية وقالت بنبرة قطعت كل خط للرجوع السرير ده مش جايباه عشان أغيظكم.. السرير ده سبتهولكم هنا عشان تفتكروا. تفتكروا إن اللي مات عليه كان راجل شريف مرضيش ياكل مليم من حد، ومات بكرامته. وتفتكروا إنكم لو عايزين هوانم ومظاهر، يبقى تصرفوا من جيبكم ومن شقاكم، مش على قفا واحدة بتصحى من الفجر وتنام بنص ضهر مكسور عشان تلاقي في الآخر اتنين هوانم بيقولولها خدي بالك من الوزرة ومتبوظيش ضوافرنا. اتحركت ناحية الباب، فتحته، وقبل ما تخرج، لفت وشها لطارق ورقة طلاقي توصلي على عنوان الشركة خلال أسبوع بالكتير. مؤخري وقايمتي هيتحصلوا بالقانون وبأحكام نهائية، والمحامي بتاعي معاه توكيل يرفع قضية تبديد على كل مليم دخل الحساب المشترك وسحبته بإمضتك المزورة على الشيكات القديمة. قدامك أسبوع تلم فيه نفسك، يا إما هتشوفني في المحكمة، ومش هكون ساعتها لابسة عباية مسح.. هكون لابسة بدلة المحاسب اللي بيعرف يجيب حق كل قرش ضاع منه. قفلت الباب وراها برزعة خفيفة، بس صوتها كان كفيل ينهي مرحلة كاملة من الاستعباد والاستغفال. نزلت نور على السلم، ريحة الهوا في الشارع كانت باردة ومنعشة. كانت الساعة داخلة على العصر، والشارع مليان ناس وحياة. ركبت عربيتها، حطت المفتاح في الكونتاكت، ولأول مرة من سبع سنين، الموتور دار وهي حاسة إن العربية دي بتاعتها، الشارع ده بتاعها، وطريقها الجاي ملكها لوحدها. طلعت على محور صفط اللبن، داست فرامل في الزحمة، الفرامل مسكت بنعومة وثبات من غير ولا صوت صفارة، ومن غير ما قلبها يقع في رجليها. طلعت موبايلها، لقيت شاشة الموبايل بتنور بمكالمات ورسايل من طارق نور ردي عليا، أمي جالها هبوط وضغطها عالي ومش عارفين نتصرف! نور متعمليش كده، إحنا ممكن نتفاهم والله، حقك عليا! نور إخواتي منهارين، والفلوس اللي في الحساب اتجمدت فعلاً، مش عارفين نطلب دكتور لأمي، ردي أرجوكي! نور بصت للرسايل، وبعدها حطت الموبايل على وضع عدم الإزعاج. سحبت نَفَس طويل وملت بيه صدرها، وعينيها راحت على الطريق الصحراوي المفتوح قدامها ناحية بيتها الجديد في الشروق. كان عندها بكره شغل مهم في الشركة، ميزانية سنة جديدة هتبدأها، بس المرة دي.. الميزانية كانت مظبوطة تماماً، ومفيهاش ولا مليم هيروح لناس متستاهلش حتى مسحة بلاط.