حين يعود الماضى امانى سيد

“الكلمة هزتني.. ‘بابا’. رحمة كانت عارفة إنها بتلعب بآخر ورقة، ورقة مفيش راجل عنده أصل يقدر يقاومها. شريف اللي هو حتة من أخويا، دلوقتي بيناديني ‘بابا’.. بس الثمن غالي، الثمن هو تهديم البيت اللي ليلى بنته طوبة طوبة بالصبر والإخلاص.”
“مسكت التليفون وإيدي بتترعش، بصيت لرسالة رحمة وبعدين بصيت لباب الأوضة اللي ليلى قفلته وراها. كنت حاسس إني مقسوم نصين، نص عايز يروح يلم ‘لحمه’ ويشفي غليله من حب قديم كواه سنين، ونص بيقولي إن ليلى هي الحق، وإن رحمة هي الوجع اللي متغطي بوش الندم.
نزلت من البيت بليل، مشيت في الشوارع لحد ما لقيت نفسي قدام بيت أهلي.. قدام بلكونة رحمة. لمحت خيالها ورا الستارة، كانت مستنية.. كأنها كانت عارفة إن ليلى هتحطني قدام الخيار الصعب، وإني في الآخر ههرب لعندها.
طلعت البيت، وأول ما الباب اتفتح، لقيتها واقفة بابتسامة نصر هادية. مكنتش محتاجة تسألني ليلى قالت إيه، عينيها كانت بتقول ‘أنا عارفة إنك جيت عشان ملقيتش مكان تاني يهربك من حقيقتك’.
دخلت، لقيت شريف نايم على الكنبة، قربت منه وبوسته، لقيت رحمة بتقرب مني وبتقول بهمس: ‘شوفت يا سليم؟ هو ده مكانه الطبيعي، في حــ,,ـــــضنك.. وإنت ده مكانك الطبيعي، وسطنا. ليلى ست قوية وهتقدر تعيش، لكن أنا وولاد أخوك ملناش غيرك’.
قولت لها بمرارة: ‘ليلى خيرتني يا رحمة.. قالت لي يا هي يا إنتي’.
رحمة ببرود ملوش مثيل ردت: ‘وهي اللي بتحب بتخير حبيبها؟ اللي بتحب بتضحي، بتستحمل عشان خاطر اللي بتحبه يكون مرتاح. ليلى بتفكر في كرامتها، لكن أنا بفكر فيك إنت.. وفينا’.
“في اللحظة دي، الكلمة اللي رحمة قالتها عشان تكسب بيها الجولة، هي هي الكلمة اللي فوّقت سليم من السحر اللي كان مغلّفه. لما ليلى قالت ‘يا أنا يا هي’، سليم حس ببرودة في قلبه.. برودة حقيقية مش اللي كان بيهرب منها في الماضي. اكتشف إن ‘الخوف’ من ضياع ليلى، أكبر بكتير من ‘الحنين’ لرحمة.”

“في اللحظة دي، سليم حس إن الجدران حواليه بتضيق، وإن ريحة الماضي اللي كانت بتسحره بدأت تخنقه. بص لرحمة اللي واقفة مستنية ‘كلمة نعم’، وبص للباب اللي بيطل على حياته الحقيقية.. وقرر.”
“سليم مسك مفاتيح عربيته بقوة، وبص لرحمة نظرة أخيرة خلتها ترجع خطوة لورا. قال لها بنبرة صوت مسمعتش منها حدة زيها قبل كدة:
‘أنا فعلاً كنت فاكر إني لسه بحبك يا رحمة.. بس اكتشفت إني كنت بحب ‘الذكرى’، بحب خيالي اللي رسمتهولك وأنا متغرب. لكن الحقيقة إن الست اللي استنيتني، وكبرتني، وشالت اسمي وصانت غيبتي، هي ليلى’.
رحمة وشها اتغير، وبدأت ملامح الغضب تبان ورا قناع الضعف: ‘إنت هتمشي يا سليم؟ هتسيبني تاني وترجع لها؟’.
سليم وهو بيفتح باب الشقة ونوره بيضــ,,ـــــرب في الصالة:
‘أنا مش هسيبك، أنا هرجع لبيتي.. هرجع للمكان اللي بنتمي ليه بجد. ولاد أخويا هما ولادي، وحقهم هيوصلهم وزيادة، بس إنتي يا رحمة.. إنتي صفحة واتقفلت، والمرة دي مش هفتحها تاني لا بحجة ولاد ولا بحجة ديون’.
“سليم نزل السلم بجري، كأنه بيهرب من سجــ,,ـــــن. ركب عربيته وطول الطريق كان بيفتكر كل لحظة حلوة بينه وبين ليلى، كل مرة كانت بتطمنه فيها وهو قلقان، كل دعوة دعتها له وهو بيبدأ مشروعه.
وصل البيت، طلع السلم بلهفة واحد خايف يوصل يلاقي أغلى ما عنده ضاع. فتح الباب، لقى الصالة هادية، والولاد نايمين، وليلى قاعدة قدام الشنطة اللي لسه مقفولة.. كأنها كانت بتدي له ‘فرصة أخيرة’ يلحق فيها نفسه.”
“أول ما شافت ليلى داخل، قامت وقفت. سليم مقربش منها بخوف، قرب منها بثقة الراجل اللي اختار صح. مسك إيدها وقال لها:
‘أنا كنت في بيت رحمة يا ليلى.. رحت عشان أقولها إن مفيش ‘إحنا’ تاني، وإن مفيش في حياتي غيرك إنتي وولادنا. أنا كنت بضيع، بس إنتي اللي فوقتيني’.
​ليلى سكتت لحظة، ونظرة العتاب اللي في عينيها بدأت تدوب. قالت بصوت واطي: ‘كنت خايفة يا سليم.. خايفة إن الماضي يكون أقوى من اللي بنيناه’.
​سليم شدها لحــ,,ـــــضنه وقال: ‘مفيش ماضي أقوى من حاضر إنتي فيه.. الشنطة دي تتشال مكانها، والبيت ده مش هيتهد أبداً’.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *