سلفتي الفرن بتاعها باظ

وهي فاكرة إني هموت من الرعب عشان جوزي ساب الشقة، وإنها جاية تكسرني وتاخد الرضا مني بذل.
بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية جدا، وقولت لها وليه تعمليه عندي يا حبيبتي؟ ما فرنك شغال وزي الفل وريحة صينية البطاطس بالفراخ واصلة لآخر الشارع!
وشها اتخطف في ثانية واحدة. لونها بقى أصفر، والطبق في إيدها اتهز وكاد يقع. بلعت ريقها بالعافية وقالت بتلعثم إيه؟ بطاطس إيه؟ لا يا أختي ده أنا كنت مسخناها على البوتجاز من فوق وحطيت عليها غطا حلة عشان تستوي، الفرن محروق ومبيولعش بقاله شهر، انتي هتعرفي أكتر مني؟
قولت لها بصوت هادي وواضح طيب يا بنت الحلال، ما دام محروق ومش شغال، إيه رأيك ننزل تحت عند حماتي ونسأل عمك؟ هو مش عمك كان جايبلك الفرن ده في جهازك ولسه مغيرلك فيه الشمعة السنة اللي فاتت وبيفهم في الصيانة؟ تعالي ننزل سوا نطلب منه يطلع

يشوفهولك دلوقتي، عشان جوزك ميتأخرش على غداه.
هي حست إن الأرض بتتهز تحتها، وصوتها علي فجأة بحدة إيه الأسلوب ده؟ انتي بتشككي فيا؟ أنا بنت عمهم ومتربية هنا، انتي هتعلميني الصدق؟ أنا جاية لحد عندك بطيب خاطر وبقولك ننسى اللي فات عشان خاطر جوزك اللي نايم تحت زعلان، وانتي بتقلبيها معاية وخناق؟
وفي اللحظة دي بالظبط، الباب بتاع السلم لتحت اتفتح، وجوزي كان طالع، شكله مكنش نايم وعينيه مكسورة وزهقان، وأول ما سمع صوتها العالي، وشه اتقلب وجه يندفع زي العادة في إيه هنا؟ صوتكم عالي ليه في الطالع والنازل؟ مفيش احترام لحرمة البيت ولا للناس اللي تحت؟
سلفتي أول ما شافته، راحت في نوبة دراما مكنش وراها غير إبليس. حطت إيدها على وشها وعملت نفسها بتعيط شوف يا ابن عمي، شوف مراتك أول ما شافتني جاية أراضيها وأقولها حقك عليا والصلح خير وأمي التانية عيانة وحقها عليا، راجعة تشتمني وتقولي انتي كدابة وفرنك سليم وانتي بتعملي حوارات عشان تخرجيها من بيتها! أنا يا أبو يوسف؟ أنا اللي عايشة معاكم عمري كله أعمل كده؟ أنا اللي رضيت أستحمل كلامها ونظراتها في الأكل والشرب كل يوم عشان خاطركم؟
جوزي بص لي وعينيه كلها شرار، ولسه هيفتح بقه ويزعق ويقول لي كلامه المعتاد بتاع أنا قولتلك امشي، قاطعته بمنتهى الثبات والبرود اللي خلاه يقف مكانه مذهول. رفعت إيدي وقولت له كلمة واحدة يا راجل، كلمة واحدة مش هكتر عنها. انت مصدق بنت عمك اللي زي أختك، تمام؟ ومصدق إنها مظلومة وفرنها بايظ بقاله شهور وإنها بتدخل عندي عشان محتاجة بجد؟
هو سكت وبص لي بتوجس وقال أيوة مصدقها، دي لحمنا ودمنا وعمرها ما كدبت في حاجة.
قولت له طب على بركة الله. ادخل شقتها دلوقتي برجلك، وحط إيدك على فرن البوتاجاز بتاعها. لو لقيته بارد ومفيش جواه صينية بطاطس بتغلي ومتحمرة، أنا هاخد شنطة هدومي حالا قدام عيالك وهنزل من البيت ده ومش هتشوف وشي ليوم الدين. لكن لو لقيته شغال وسخن، يبقى انت اللي تقف قدامي وقدام أهلك كلهم وترد لي اعتباري، وتعرف مين اللي بيخرب بيتك ومين اللي صاينه.
الكلمة نزلت على سلفتي زي الصاعقة. وشها بهت وبقت تنقل عينيها بيني وبين جوزي برعب، وصوتها اختفى تماما. جوزي بص لها، وبص لي، ولقى في عيني يقين مخليه ميقدرش يتراجع. خطى خطوة ناحية باب شقتها الموارب، وهي حاولت تقف قدامه وتقول لا يا ابن عمي متسمعلهاش، دي عايزة توقع بينا وتفتش في بيتي في غياب جوزي…
لكن هو زق الباب بإيده بهدوء، ودخل الصالة وراح ناحية المطبخ… والسكوت عم المكان، سكوت مرعب مكنش بيقطعه غير صوت تكة التايمر اللي رنت في اللحظة دي بالظبط في مطبخها يتبع
الرنة بتاعة تايمر الفرن نزلت في السكون اللي في الصالة زي جرس الفضيحة، رنة طويلة رنانة قطعت نفس سلفتي اللي كانت واقفة متبسمرة عند عتبة الباب وإيديها بترتعش والطبق اللي في إيدها كان خلاص هيقع لولا إنها سندته على الحيطة. جوزي مشي خطوتين تلاتة في الطرقة بتاعتها، خطى تقيلة وبطيئة كأنه خايف يوصل للحقيقة اللي هتهد الصورة اللي راسمها في خياله طول عمره لبنت عمه المظلومة اليتيمة اللي مفيش أطيب منها.
أنا مفضلتش واقفة مكاني على باب شقتي، دخلت وراه بخطوات واثقة ووقفت على باب المطبخ، ويوسف ابني كان طلع على صوت الحركة ووقف في مدخل الصالة مذهول، وسلفتي دخلت تجري ورا جوزي وهي بتنهج وصوتها بيطلع بالعافية يا أبو يوسف اسمعني بس، انت داخل مطبخي وجوزي مش هنا ليه؟ ده عيب وحرام، هي مراتك عايزة تفتش بيوت الناس وتعمل فتنة وخلاص!
جوزي مالتفتش لكلامها، دخل المطبخ وعينه راحت على طول على البوتاجاز الستانلس الكبير اللي واقف في الركن. الفرن كانت لمبته قايدة من جوة، والإزاز الشفاف مبين صينية بطاطس بالفراخ محمرة واخدة وش دهبي بيلمع وبتغلي بفقاقيع الصلصة المتسبكة، وصوت البوتجاز بيهدر والسخونة طالعة منه واصلة لحد الباب ومخلية المطبخ كله دافي بريحة التوابل والتحمير.
مد إيده بتردد وحط صوابعه على إزاز الفرن، شال إيده بسرعة من كتر السخونة اللي كادت تلسعه. التفت وبص لسلفتي، النظرة اللي في عينه كانت مزيج غريب بين الصدمة، والقهرة، والكسوف. وشه كان أحمر زي الدم، وعروق رقبته نطت وهو باصص لها ومش قادر يجمع كلمة تطلع من حلقه.
هي اتلخبطت وراحت جاية في المطبخ كأنها اتزنقت في جحر ضيق، وشها بقى أصفر

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *