الفصل الاول: في إحدى شقق القاهرة بالمناطق الراقية ، و وسط ذلك الجو شديد الحرارة ، فتاة يافعة ترتدي كفوف الملاكمة و أمامها كيس الملاكمة الطويل ، أخذت تضرب به بقوة بقدميها وبكفيها ، عاقدة خصلاتها التي تصل لما بعد ظهرها كذيل حصان مما أعطاها مظهرً جاد ، مرتدية زي الرياضة بكنزته "الكت" و بنطاله الملتصق بساقيها الرشيقتان ، تنبعث من بين جفنيها المغطان بأهدابٍ كثيفة تصميمٍ شديد ، ظلت تضرب الكيس حتى تصببت عرق من جميع أنحاء جسدها ، أمسكت بالكيس بكلتا كفيها لتسند رأسها عليه وصدرها يعلو و يهبط بلهاث.. ثم قامت بنزع الكفوف بعصبية و هي تلقيها أرضاً ، شرست ملامحها و هي تقف أمام المرآة ، شردت قليلاٌ و هي تنظر لنفسها ، بملامحها الشرسة و الحادة إلا أن بهما جاذبية خاصة بلون بشرتها الخمري و مقلتيها العسليتان سبحان الخالق و كأنه صب العسل بأعينها ..! و خصلاتها الفحمية المجعدة بغجرية و بالطبع جسدها الرشيق الممشوق لمواظبتها على التمارين الرياضية ، أُنتشلت من شرودها على صوت رنين هاتفها بـ موديله الحديث ، ألتقطته من على فراشها الوثير لتضغط على زر الإجابة ثم وضعته على أذنها قائلة : - خير ؟ أجاب الطرف الأخر والذي لم يكُن سوى صوت أنثوي به رجفة خوف : - أنا أسفة يا فندم اني ب.. بتصل في وقت بدري كدة بس في موضوع مهم حضرتك لازم تعرفيه .. أشتدت ملامحها غضباً لتجأر بها : - مـ تنجزي في أيه ؟!!! - الشركة يا فندم .. بتضيع !! "ملاذ خليل الشافعي" صاحبة أكبر شركات الأزياء بالوطن العربي ، أستطاعت تكبير شركتها في سنة ونصف رُغم صغر سنها الذي لم يكن سوى أربعة و عشرون ، إلا أن شركتها الكبيرة و سيطها العالي يعود إلى عمليات النصب و الأحتيال التي قامت بها ، فـ أخر عملية نصب قامت بها كانت حول رجلٍ بالخمسون من عمره فقد بصره ، تلاعبت عليه ك الأفعى .. نصبت شباكها بحرفيه ليقع العجوز بالفخ دون عناءٍ يُذكر ، كتب لها أملاكه .. ثروة بملايين الجنيهات فُرغت في أحضانها ، و حتى لا تُكشف وتقع خلف القضبان دائماً ما كانت تحرص على التلاعب بالرجال الفاقدين حاسة البصر خاصة كبار السن .. و تفكر مئات المرات قبل أي خطوة تتقدم بها ، حيث تظهر بأسماءٍ مختلفه كـ "سميرة" "اسيل" دنيا" و الكثير من الأسماء الزائفة ، تتميز بوجهٍ حاد الملامح ، عينان سمرواتين مغلفتين بقسوةٍ و برود و حواجز منيعة هي من وضعتها ، عيناها حادة خاصةً عندما تضع ظل العيون الأسود -مستحضر تجميل- ، خمرية البشرة ذات جسد ممشوق ، خصلاتها بها تمويجة بسيطة ليصل لما بعد ظهرها ، توفى والديها أثر أنفجار حدث ببلدتهما الفقيرة نجت منها هي و شقيقتها عندما كانا عند خالتها -المرحومة - بالأسكندرية ، كانت طفلة لا تتعدى الست سنوات ، و شقيقتها كانت رضيعة عمرها لا يتعدى السنتان ، لم تكن تعي أنها لن ترى والديها مجدداً ، دائماً ما كانت "براء" شقيقتها رغم صغر سنها إلا أنها كانت المدللة لوالديها ، يجلبوا لها ما تريد إن كان بإمكانهم ، يجلبون لها الألعاب وو كأنهم لم ينجبوا إلا إياها !! ، بينما "ملاذ" يصرخون بوجهها و يضربونها أحياناً ، دائما عند طلب و لو شئٍ صغير كانوا يزمجرون بها ، لم تجد "ملاذ" حنان أبداً في طفولتها ، فـ بقيت تلك الفتاة المنطوية المنبوذة من جميع من حولها لاسيما والدها !! ، ربما هي لم تكره والدتها بقدر كرهها لذلك الرجل الذي بالخطأ أُطلق عليه ذلك المسمى ..!! بعد تلك الحادثة المريرة .. رفقت بحالها السيدة "كريمة" جارتهما التي لم تُرزق بأطفالٍ ، إلا أنها هي من ربتهما تربية صالحة ، كان دائماً زوجها يعترض على وجودهما في المنزل ، فكانت تقول له بفظاظة : - دة بيتي ياخويا و اللي مش عاجبه الباب يفوت جمل !!! تهدج صدرها علواً وهبوطاً تنفي برأسها بحركات هيستيرية و هي تحاول إبعاد تلك الذكريات عن عقلها ، لملمت شتات نفسها لترتدي ملابسها الرسمية ، ألتقطت مفاتيح سيارتها بعجلة .. • • • • - أنتوا أيه متعرفوش تعملوا حاجة من غيري أبداً ، مشغَلة عيال صغيرة !!! صدح صوتها بالشركة بأكملها و أمامها صفٍ من الموظفين مطأطأين رؤسهم بخوفٍ ، فـ هم يعلمون أنها لا تتهاون في العمل ، و غضبها الجحيمي أيضاً .. أهتاج صدرها بغضبٍ لتطرق بكعب حذائها الأنيق على الأرضية و هي تعقب محذرة : - قسماً بالله لو حصل حاجة زي دي تاني هرفدكوا كلكوا و مش بس كدة هخليكوا مش لاقيين تاكلوا فـاهمين !!! أومأوا جميعهم مبتلعين الإهانة كالعادة لتبتعد عنهم و هي تدفع باب مكتبها بقوة ، كان أنيق يطغى عليه اللونين الأبيض و الأسود تتوسطه طاولة خلفها مقعد وثير و نافذة شديدة الأتساع ، أتجهت نحو النافذة و طرقات كعبها تصدح بالمكتب ، و قفت أمام الزجاج الشفاف لتطالع المنظر و راءه ، سمعت طرقات عشوائية ليدلف الطارق حتى دون أن ينتظر أستئذانها ، أشتعلت مقلتيها العسليتان لتلتف مطالعة الشخص الذي أمامها و هي تقول ببرودٍ : - بـرا .. توسعت حدقتي الشخص ليفتح ثغره ببلاهة قائلاً : - نـعـم ؟!! - إنت أستئذنتني قبل مـ تدخل ؟! كانت لهجتها هادئة ، بينما تنحنح الشخص بإحراج ليخرج مغلقاً الباب ، طرق مجدداً منتظر أستئذانها لتعتلى ملامحها رضا و هي تستطرد: - أدخل . دلف الشخص ليطالعها بحنق و هو يقول : - مش هتبطلي معاملتك الناشفة دي ؟ دة أنا حتى خطيبك يعني .. تحركت نحوه بخطوات أنثوية غير مقصودة لتقف خلف مكتبها مقربة وجهها منه بملامحها المشدودة : - إذا كان عاجبك يا عماد !! حدق بها المدعو "عماد" بعشق و بملامحها القوية الجذابة ليقول بلوعة : - عاجبني و نص يا قمر ! حدجته بسُخرية لتعود جالسة على مقعدها و هي تعقد كفيها بعملية ليظهر أظافرها المطلية باللون الأسود و هي تقول : - خير ؟ أبتسم "عماد" ليجلس و هو يقول بجدية : - نصَباية جديدة !! تأففت بحنقٍ لتضرب على المقعد : - أحنا مش كُنا خلصنا م القرف دة !! غمز لها "عماد" قائلاً بإنتشاء : - حد يقول لـ ظافر سرحان الهلالي لاء !!!!! تغيرت معالم وجهها للصدمة الشديدة و هي تنهض قائلة بذهولٍ : - قولت أيـه ؟!!!! قهقه "عماد" بسماجة و هو يقول : - لاء بقولك أيه ونبي كدة نضفي ودنك و ركزي معايا ، هننصب على ظافر الهلالي اكبر رجل أعمال يا ملاذ !! جلست "ملاذ" و هي تنظر للفراغ ، بينما أكمل "عماد" : - طبعاً هو غني ع التعريف ، ابن المرحوم سرحان عيلة الهلالي أكبر صعايدة في مصر !! ، هو الوحيد اللي عنده سيط جامد أوي أوي مع أنه عنده أخوات بس ميجوش نقطة في بحر شهرته و أيده الطايلة !! دوى الصوت بأذنها عدة مرات ، فـ لم تستمع حتى لباقي كلماته ، "ظافر سرحان الهلالي" بن "سرحان الهلالي" ، ذلك الرجل الذي سلب منهما الكثير ، ذلَّها ، تشبَّع ببكاءها ، لم يرحمها أو يرحم شقيقتها حتى عندما كانت طفلة صغيرة ، برقت عيناها بوميض ثم ألتفتت إلى "عماد" قائلة : - أمتى ؟ • • • • في الوجه القبلي من مصر حيث الصعيد .. بـ جناحٍ راقي يجعلك تتأكد من ذوق صاحبه الرفيع ، أغلق أزرار قميصه الأسود القاتم الذي عزز عضلات جسده عدا أول زرين ، ثم شمّر عن ساعديه و عيناه متصلبة على المرآة أمامه ، ألتقط ساعة ذات ماركة عالمية ثم إرتداها ، صفف خصلاته بعناية لينثر عطره الجذاب بغزارة ، ثم ألقى نظرة واثقة على نفسه بالمرآة ، أنتعل حذاءه ليلج لخارج جناحه "ظافر سرحان الهلالي" أكبر تاجر سلاح بالشرق الأوسط ، يفوق القوانين فـ بنظرهما هو فوق مستوى الشبهات ، كيف وهو من يخضع له الصغير و الكبير ، دائماً ما يُرسم لنفسه صورة نظيفة .. خالية من الأوساخ ، سمعته لم و لن تُلطخ ، رغم سنه الأثنان والثلاثون إلا أنه يملك أمبراطورية كبير بإسمه البرّاق "ظافر سرحان الهلالي" .. ذو جسد مُعضل يجعل الفتيات تُلقين بأنفسهن تحت قدميه ، يمتلك طولٍ يافع أطول من المعتاد بقليل ، بشرة برونزية ، و عيناه حادة كالصقر و لكن يشفع لذلك غابات الزيتون التي زُرعت بمقلتيه ، توفى والده لتآكل السرطان بجسده و لحالته المتأخرة لم يتقبل جسده أية علاجات ، عندها جن جنونه ، ذلك اليوم لن ينساه مهما حيا ، أنقلبت المشفى رأساً على عقب .. خاصةً ذلك القرار الذي أخذه والده و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، ذلك القرار الذي كان ظالماً بحقه ، و عندما مات أبيه بعد مرور أسبوعان ، لم يذرف دمعةٍ واحدة ، بقى متحلياً بالقوة عكس أشقائه • • • • و بالأسفل ، زُين بهو القصر المتسع -ذو الطابع الفرعوني الأصيل- بـ مزينة كبيرة تدلت من السقف العالي ، تعالت الضحكات المرحة على طاولة وُضِعت بالمنتصف ، ولكن ع ضحكاتهم العفوية صوت خطوات "ظافر" التي صدحت بالمكان ، ألتزموا الصمت لـ هالة "ظافر" التي تحيط به ، أقترب منهم "ظافر" ليترأس الطاولة ، تفحصهم جيداً ثم أخذ بتناول الطعام أمامه ، تطلعوا الجميع له بحذرٍ ثم أمتدت كفوفهم ليشرعوا بتناول الطعام بهدوء ، رفعت "مريم" (زوجته) عيناها لتحدق به ، بزوجها ، معذبها ، جلادها ، كم تعشقه .. و كم هو باردٍ ، كم سعت لتتزوجه ، نعم فـ "ظافر" ابن عمها ، تزوجها ليرضي أبيه الذي كان على فراش الموت ، تزوجها قسراً ، إلا أنه يحترمها و يقدرها ، و لكن لم يُحبها يوماً و لن يفعل ، ليس لأنها ليست جميلة .. "مريم" ذات قدرٍ من الجمال و لكنه لا يكن لها الحب مطلقاً ، لم يرزقهما الله بأطفال إلى الأن .. رُغم مرور سنتان على زواجهما .. الأمر الذي جعل العائلة بأكملها تمقت منها ، و الأمر الذي جعل "مريم" تنتفض خوفاً من أن يتركها "ظافر" .. تمتلك "مريم" جمالاً صعيدياً أصيل ، حيث الخصلات الفحمية و البشرة البيضاء الناعمة و المقلتي المتسعتان بلونها البني و الجسد الآخاذ .. و برُغم كل ذلك ، لم يراها يوما "ظافر" كحبيبته .. هي فقط زوجته و هي يأست من أن تنتظر منه الأكثر من ذلك .. رفع "ظافر ناظريه يحدق بهما ، على يساره تجلس والدته السيدة "رقية"التي زحفت السنوات على وجهها لتطبع تجاعيدٍ وقورة بخصلات فحمية تتخللها بعض الخصلات البيضاء واضعة وشاح على رأسها ..هي أغلى شئٍ على قلبه .. عيناها بهما بريقٍ من الحزن على وفاة زوجها ، رُغم مرور العديد من السنوات إلا أن حبه بقلبها لن يموت .. أنتقل ببصره لما يلي والدته ، ليجد شقيقته "ملك" .. شقيقته الصغرى التي لم تكمل عقدها الثاني ، فتاة مرحة دائماً ما ترسم البسمة على وجوه الأخرين ، تملك جمالاً من نوع خاص حيث البشرة السمراء و العينان الزيتونية ورثتها عن أخيها و الخصلات الحريرية تحجبها حجابٍ زين وجهها الأسمر كالشوكولا الذائبة . "ملك" و "مريم" لا يطيقا بعضهم ، حيث دائماً ما كانت "مريم" تسخر منها على ألتزامها و على -الوشاح- (مثلما أسميته مريم) التي ترتديه و لكن دائماً ما يتصدى لها "ظافر" ، حيث أخر مرة زمجر بها بعنفٍ جعل أوصالهم ترتجف : - قسماً بالله لو كلمتيها بالطريجة دي تاني هنسفك يا مريم !!! و لأنها تعشقه ، صمتت .. وقفت الحروف على طرف لسانها .. عادت من شرودها لتستفيق على واقعٍ مرير حرَّك "ظافر" ملعقته بالصحن أمامه ليقول بلهجةٍ باردة : - فين باسل ؟! تكلفت والدته الرد عليه و هي تقول بنبرة عادية : - باسل سبقك على مصر ع الشركة ، بيقول عنده شغل كتير رايد يخلصه .. تابع "ظافر" دون تكبد عناء النظر لها : - مازن ؟ تابعت والدته مجيبة إياه بنبرة حزينة : - والله يابني من الفجرية مختفي تلاجيه بيعمل مصيبة زي العادة .. أُظلمت عيناه على ظلامها ، ليضرب بكفه على الطاولة بقوة جعل الأطباق تهتز خائفةٍ كأهتزاز قلوب الجالسين ، جأر بهما بحدةٍ : - يعني أيه بيعمل مصيبة !!!! مازن لو عمل مصيبة تانيه هخليه يترمي في السجن و هوصي عليه أوي عشان يتربى ..!!! ثم تركهم ملتقطاً "چاكت" بذلته السوداء و مفاتيح سيارته ليصفع باب القصر بقوة حتى أهتزت جدران القصر ، أنقبض قلب "مريم" لتركض ذاهبة وراءه و هي تنادي عليه بأعلى صوتها : - ظــافـر .. ظـافر !! فتحت باب القصر لتجده مازال يتجه لسيارته ذات النوع الفاخر .. ، لم يتوقف "ظافر و أكمل خطواته الهادئة عكس ما بداخله ، وقفت أمامه "مريم" بصدرٍ يعلو و يهبط من أنفاسها التي تبعثرت ، بينما زفر "ظافر" بتأففٍ ثم نظر لها بتململ ، حاوطت "مريم" وجنتيه بدورها ثم قالت بحنوٍ : - أهدى يا ظافر صدقني مازن هيبجى كويس ، و سوق على مهلك يا حبيبي .. رمى لها أبتسامة باردة خالية من الحياة ، ثم أبعد كفيها متابعاً سيره .. دون ان ينبث ببنت شفة ، تجلت خيبة الأمل واضحة على وجهها ، تهدلا كتفيها بأملٍ تبعثر على الأرضية ، فرت دمعة هاربة من عيناها تليها دمعات تُلهب وجنتيها ، ركضت لداخل القصر ، ثم إلى داخل جناحهما .. أرتمت على الفراش تبكي على حالها و بروده معها .. • • • • أدارت إطار مقعدها المتحرك حتى تسطيع التحرك في المنزل التي تقطن به وحدها سوى من خادمة ترعاها ، خصلاتها الناعمة منثورة على كتفيها ، شحب وجهها وكأنها بالسبعون من عمرها رُغم سنها الذي يصغر شقيقتها بـ عامين ، سمعت صوت صرير باب الشقة يُفتح ..نظرت خلفها لترى شقيقتها ، سُرعان ما تغيرت معالم وجهها إلى الحقد ، صرخت بغلٍ أنبعث من بين شفتيها بوضوحٍ : - هو أنا مش قولتلك متجيش هنا تاني !!! رُغم صراخها ، نبرتها الحادة و الغل الكامن بداخل صوتها ، إلا أن "ملاذ" أبتسمت بـ حنوٍ يظهر فقط إلى "براءة" ، أقتربت من مقعدها متجاهلة تماماً كلماتها و النظرات التي ترميها بها التي كانت كالنصل يمزق جسدها بلا رحمة ، قرفصت أمام مقعدها لتصل إلى مستواها لتضع يداها على كتفها ، و سريعاً ما نفضتها "براءة" بعنف و كأنها ستلوثها !! ، أبتسمت "ملاذ" وكأن شيٍ لم يكن لتقول بنبرة حانية : - كلتي ؟ نكزتها "براءة" في كتفيها بعنف حتى كادت "ملاذ" أن تسقط للوراء و لكنها تماسكت ، لم تؤلمها تلك الضربة العنيفة التي صدرت من شقيقتها بقدر من آلمتها ما قالته "براءة" : - أنتِ أيه معندكيش دم مبتحسيش بقولك مش عايزة أشوف وشك !!! تماسكت "ملاذ" كالجبلٍ و لم تُعلق لتنادي على الخادمة بصوتٍ شديد العلو ، جاءتها الخادمة راكضة و هي تقول : - أؤمري يا ست هانم .. - براءة هانم أكلت ؟ ردت الخادمة سريعاً وسط تأففات "براءة" : - أكلت يا ست هانم و غيرت للهانم هدومها حاجة تانية ؟ - على شغلك ..قالت "ملاذ" بقوة لتذهب الخادمة للمطبخ ، نظرت إلى "براء" قائلة بحنانٍ بالغ : - أنتِ كويسة يا براءة ؟ محتاجة أي حاجة ؟ صرخت بها "براءة" بـ قهرٍ : - محتجاكي تبعدي عني ، أنت أيه يا شيخة عايزة مني أيه تاني بسببك بقيت مشلولة وقاعدة على كرسي ، قوليلي عايزة تاخدي أيه مني تاني ، أبعدي عني بقى أنت بتوسخيلي حياتي !!!!!! جمدت عيناها على عينان شقيقتها ، تخشبت ملامحها و كأنها أصبحت صنم ..دون أن تتفوه بحرف ، نهضت على قدميها تخفي تماماً الأنكسار الذي تجلى في مقلتيها بوضوعها نظارة الشمس السوداء التي حجبت ترقرُق الدمعات في عيناها .. تركتها وذهبت خارج الشقة ، و صدرها يعلو و يهبط بإهتياجٍ كالغريق ، خرجت من العمارة الراقية بأكملها و هي لا تستطيع إدخال الأكسجين إلى رئتيها ، سرعان ما أخرجت رذاذ الربو من حقيبتها لتضغط على الرذاذ داخل فمها ، بعد أن هدأت قليلاً ذهبت مستقلة سيارتها الفخمة بلونها المستردة ، قاومت اادموع التي تصرخ بالخروج داخل مقلتيها ، قاومت ذلك الشعور لتضغط على مكابح السيارة بقوة مخلفة ورائها دخانٍ كثيف .. • • • • دلفت لشقتها ذات الذوق الرفيع ، و لكنها باردة ، رُغم الطقس الحار و لكن شقتها تبعث الرجفة في الأنفس ، أغلقت الباب بقدميها ثم دلفت بهدوءٍ ، ألقت حقيبتها على الأرضية بإهمالٍ لتجلس على الأريكة بالبهو الواسع ، كل شىٍ ضدها ، بدايةٍ بـ شركتها التي خسرت مبلغٍ عظيم نتيجة تسرُب تصاميم الأزياء التي صممتها ، أقسمت على أن تعلم تلك الخائنة التي سرقت الصور إلى الشركة المنافسة ، وصولاً بـ عماد الذي أخبرها على أحتيالٍ جديد ، " ظافر سرحان الهلالي" .. فريستها الجديدة ، والده سبب كل شئ ، هو من جعل شقيقتها تكرهها بتلك الطريقة ، و هي التي أعتقدت أنها ستخرج من ذلك الوحل ، لا تلاحظ أنها أصبحت تنغمس به.. أمسكت بهاتفها تحادث "عماد" بنبرتها الجامدة : - عماد ، أسمعني كويس ، طبعاً أنت عرفت أن تصاميمنا أتسرقوا ، عايزاك تعرفلي مين اللي سرق الصور ..بليل يكون عندي أسمه يا عماد !! ، و تقول للموظفين على أجتماع بكرة عشان نبدأ نصمم تصاميم تانية قبل ال show مـ يبدأ .. قدامنا شهر يا عماد شـهـر !!! • • • • وقف واضعاً ذراعيه المفتولين وراء ظهره ، عيناه تجول على المنظر البديع أمامه ، حتى زجاج المكتب لم يستطيع إخفاء جمال المنظر أمامه ، سمع رنين هاتفه المحمول ، دس يده بجيبه ليخرج الهاتف ، ضغط على زر الإتصال بجمودٍ : - في حاجة يا مريم ؟ سمِع صوتها الحنون و هي تقول : - وصلت بالسلامة يا ظافر ؟ أغمض عيناه محاولاً التحكم بأعصابه ليقول بصوتٍ جاهد أن يكون هادئاً : - مـريـم ، لاحظي أني قولتلك قبل كدة أني مش صغير ، فـاهـمـة !!!! لم يستطيع كبح غضبه فـ صرخ بأخر كملة حتى برزت عروقه ، زمت "مريم" شفتيها بحزنٍ لتقول : - مش قصدي والله .. أني بس كنت خايفة عليك عشان الطريج بيبجى طويل من أهنه لمصر .. تأفف بصوتٍ عالي لتسرع "مريم" قائلة : - طب خلاص متتلجلجش .. هسيبك دلوكتي تشوف شغلك .. ثم أغلقت سريعاً قبل أن يُفرغ غضبه بها ، مسح على خصيلاته السوداء بقوة ليجد "باسل" يدلف له و الأبتسامة تغمر ثغره قائلاً بمرحٍ : - بتشد في شعرك ليه ؟!! "باسل سرحان الهلالي" .. يصغر أخيه بعامين فقط ، ذو سيطٍ عالٍ بالسوق ، و لكن بالطبع ليس كأخيه ، إلا أنه دائماً ما يعترض على أعمال أخيه المشبوهة، حاول الكثير من المرات أقناعه أن يتوقف عن تصدير الأسلحة وغيرها من الكوارث و لكن دائماً يزجره "ظافر" و يحذره ألا يتدخل فيما لا يعنيه، لذلك بنى "باسل" شركته المنفردة ، مبتعداً تمام البعد عن أعمال "ظافر" و الوحل الذي أخذ يقحم نفسه به بإرادته، و أصبحت شركته من منافسين شركاتٍ كبيرة في وقتٍ قصير، يمتلك "باسل" جسدٍ رياضي كأخيه ، عيناه سمراء تختلف عن مقلتي "ظافر" الزيتونية ،يقصر "ظافر" ببعض السنتيمترات المحدودة جداً ، بشرته حنطية جذابة ، و خصلاته سوداء .. ، رُغم ضيقه من أفعال أخيه الأكبر إلا أنه يحبه ، لا يستطيع أن يخسره .. زمجر "ظافر" بحدة و هو ينظر له بتهكمٍ : - خفة ياض !!! قهقه "باسل" ملء فمه ليقترب من مكتب أخيه جالساً على المقعد الوثير : - لاء بجد أيه اللي مضايقك أوي كدة ؟ - مافيش .. ردّ بغموضٍ و هو يدس يداه بجيب بنطاله ناظراً من النافذة بشرودٍ ،تفهم "باسل" حالته و لم يشأ أزعاجه فـ قال مغيراً مجرى الحديث : - طب أنت راجع الصعيد ولا هتقعد فـ القاهرة شوية .. قال "ظافر" بهدوءٍ : - لاء راجع بكرة عشان أشوف أخوك هبب أيه المرادي !!! أتسعت مقلتي "باسل" و هو يقول بـ صدمة : - مـازن !! عمل أيه تاني الغبي دة !! ألتفت له "ظافر" و أخيراً ليرفع له سبابته محذراً بلهجة شديدة : - باسل أسمع ، المرادي لو مازن عمل حاجة أنا مش هعتقه ، و رحمة أبويا مـ هعتقه يا باسل !!!! إزدرد "باسل" ريقه و هو يرى أخيه نظراته ملتهبة ، و هو يعلم تمام العلم أنه إذ أقسم برحمة والدهما إذاً هو لا ينتوي خيراً . • • • • عندما ذهب "باسل" جلس "ظافر" منكب على أعماله ، طرقت سكيرتيرته الخاصة الباب ليأذن لها بالولوج ، دلفت "سمر" مطأطأة رأسها و هي تقول بحذرٍ شديد : - بعد أذن حضرتك يا فندم لو كنت بزعجك حضرتك أنا بس كنت جاية عشان أقول لحضرتك يعني آآآ أنا كنت جاية اقول يعني .. صرخ بها بنبرة جعلتها ترتد للخلف و هي على وشك البكاء : - مـ تخلـصـي !!! أومأت سريعاً و هي تقول : - حاضر .. حاضر ، حضرتك كنت قايلي أفكرك انك عايز تعمل uniform (زي موحد) للعمال و عايزني أدور لحضرتك على شركة أزياء .. هتف متذكراً : - أيوة ايوة أفتكرت ، شركة أيه بقا اللي لقتيها ؟ - الـ company صاحبتها ملاذ خليل الشافعي .. قطب حاجبيه قليلاً ، أسمها مألوفٍ بالنسبة له ، اومأ بهدوءٍ و هو يقول : - تمام ، تتصلي بالشركة و تاخديلي منهم معاد بكرة .. أومأت "سمر" ليشير لها "ظافر" بالإنصراف ، فـ ذهبت تهاتف "عماد" لتخبره بما فعلت .. • • • • في إحدى ضواحي القاهرة ، سيارة تمشي على سرعة مائتان ، صاحبها يكاد يتحكم في المقود بسبب يداه الأخرى الممسكة بقنينة مليئة بالخمر من نوعها الفاخر ، أخذ يدور بالسيارة -ذات الطراز الحديث- بلا هوادة ، و لكنه توقف فورما لمح فتاة جالسة بزاويةٍ ما بـ أزقة الشارع مخبئة وجهها داخل كفيها و هي تبكي بحرقة حقيقية ، ترجل "مازن" مترنحاً أثر المشروب الذي اودى بعقله ، أقترب منها بعينان زائغتان ، سال لعابة بطريقة مقززة عندما رأى ساقيها البيضاويتان يظهران للعنان ، و بلا وعي منه و بحذرٍ شديد أمتد كفه لتلمس ساقيها قائلة بلا وعي و عيناه شبه منغلقة : - أنتِ حلوة أوي !!!! أنتفضت المسكينة تطالعه برعبٍ شديد ، نهضت محاولة الفرار منه إلا أنه جذبها من خصرها و هو يقربها من صدره هامساً أمام وجهها كفحيح الأفعى و رائحة أنفاسه الكريهة منبعثة منه تضرب وجهها بقسوة : -أنتِ رايحة فين هو دخول الحمام زي خروجه يا مُزة !!!! أهتاج صدرها علواً و هبوطاً والذعر يكاد يقفز من عيناها ، حاولت دفعة عنها و هي تشعر بيده تستبيح جسدها ، هتفت في رجاءٍ حار وسط بكاءها : - بالله عليك سيبني أمشي ، أنت مش في وعيك .. لم يبدو أنه سمعها ، مال برأسه نحوها حتى كاد أن يقبلها إلا أنها ألتقطت القنينة من يداه ثم ضربت بها رأسه بقوة جعلته يُطرح أرضاً ، وضع يداه على رأسه بإعياء و هو ينظر لها بحقدٍ ، بدأت رأسه تترنح ليسقط كالجثة الهامدة ، نظرت له "رهف" بذعرٍ ، لا تعلم أين تذهب و إلى من ، أرتجفت يداها و هي تلتقط هاتفه من جيبة ، و عندما علمت أنه بالبصمة أخذت أصبعه ليفتح الهاتف ، وقع نظرها على أسم "باسل" الذي من الواضح أنه هاتفه عشرات المرات ، وضعت الهاتف على أذنها بأيدي مرتجفة ، جاء صوتٍ رجولي جذاب و لكنه حاد : - أنت فين يا حيوان دة أنا لما أشوف و الله لأظبُطك أنا و ظافر !!! أزدردت ريقها بهلعٍ و من دون قصدها فُلتت منها شهقة لم تستطيع كبحها ، بينما ارتسمت ملامح الذعر جليه على وجه "باسل" عندما سمع شهقاتٍ أنثوية ، هتف بقلقٍ : - ألو !!! مين ؟؟؟؟ حاولت التكلم و لكن رغماً عنها خرجت كلماتها متقطعة و وسط كل كلمة و الأخر جسدها ينتفض ببكاءٍ : - لو .. لو سمحت تعالي بسرعة ، اخوك بينزف أوي !!!! جحظت مقلتي "باسل" بقوة ليأخذ منها العنوان منطلقاً بسيارته و الغضب أرتسم أشده على وجهه .. بعد دقائق وصل ، وجد فتاة ترتدي ملابس تظهر أكثر مما تخفي و من الواضح أنها منامية ، تكتم شهقاتها بيديها ، و أمامها أخيه !!!! غارقاً بدمائة !!!! ركض نحوه بقوة ليجلس كالقرفصاء صائحاً بجنون : - مـازن !!!! مـازن قوم .. تحامل على نفسه ثم حمله على ظهره و أجلسه بالأريكة الخلفية لسيارته ، تخضب قميصه و يداه بالدماء إلا أنه ذهب لها جاذباً إياها من ذراعيها صارخاً بها بنبرة جعلتها تزداد في بكائها : - أركـبـي !!!! و رحمة أبويا ما هسيبك !!!!!!! • • • • حافية على جسر عشقي الفصل الثاني: صرخ "باسل" بكل ما أوتي من قوة ليصدح صوته بالمشفى ،جاء جميع الأطباء و طاقم كامل من الممرضين على صوته ، وقفت المشفى على قدمٍ وساق عندما وجدوا صغير عائلة "الهلالي" قاطع النفس و رأسه تنزف ، وضعوه على ناقل المرضى ليركضوا به نحو غرفة العناية المركزة ، هم "باسل" بالذهاب و رائهم إلا أن عيناه لُهبت جمراً عندما تذكر ان تلك الفتاة مازالت جالسة بالسيارة منكمشة على نفسها و عيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع ، ذهب نحوها يطوي الأرض بقدميه لينزلها من السيارة جاذباً إياها من ذراعيها ، لتصرخ "رهف" بألمٍ من قبضتيه الحديدية ..أخذت تبكي بحرقة و أصابعه تكاد تخترق ذراعها ، ألتفتت الأنظار نحو الفتاة ذات الجسد المكتنز بتناسق و ملابسها التي لايصلح التجول بها في الشارع ، نظر لما ترتديه. بإحتقارٍ هو لا يستطيع تحمل النظرات الجائعة الموجهه لها ، و بحركةٍ سريعة كان ينزع بذلته ليضعها على كتفيها بصرامة، ظهر قميصه الملتصق بصدره ليجعله بمظهرٌ جذاب ، أحاطت "رهف" بذلته و رائحة العطر تخترق أنفها ، أستطاعت بذلته إخفاء جسدها الضئيل إذا قورن بجسده الضخمة بحركة سريعة فتح باب سيارتها ليدفعها داخلها بقوة ، أرتطمت رأسها بسقف السيارة لتتأوه بألمٍ ، لم يعيرها أهتمام ليقبص على فكها بقوة مقرباً وجهها من خاصته . لم يفصلهما سوى بعض السنتيمترات ، ألتهبت عيناه بقوة و خرجت نبرته مرعبة : - إياكي تتحركي من هنا .. حسابنا لسه مخلصش .. دفع وجهها ليغلق باب السيارة بقوة أخرج به شحنات غضبه .. أرتجفت ضلوعها و هي تراه يبتعد ذاهباً صوب المشفى بخطوات أشبه بالركض ، فتحت باب السيارة لتترجل منها راكضة وراءه و هي تقول بتوسلٍ عله يسمعها : - لو سمحت أفهمني أنا معملتش حاجة !! أنا .. كان قاب قوسين أو أدنى من دفنها مطرحها ، لذلك ألتفت لها قابضاً على كتفيها بقوة شديدة ليضرب ظهرها بالحائط خلفها حتى تأوهت هي بتألمٍ و هي تشعر بعظامها تهشمت ، ناهيك عن رأسها الذي يكاد يفتته الصداع من الضربة المؤلمة التي تلقتها ، أقترب بوجهه منها بشدة و هو يقول بنبرة جحيمية : - قسماً بالله لو أخويا حصله حاجة بسببك هدفنك !!! لم تستطيع النبث ببنت شفة ، و كأن لسانها رُبط ، و عيناه السمراء تقتحم عيناها الرصاصية بقوة !!! نفضها و كأنها مرضاً معدي ثم ذهب حيث يرقد أخيه .. سقطت "رهف" على الأرضية تشهق شهقات متتالية ، ضمت بذلته إلى صدرها لتخفي جسدها عن الناظرين ، البعض يرمقها بشفقة و البعض بلا مبالاة و كأن قلوبهم أصبحت كالحجر ، منذ هروبها من منزل والدتها و زوجها الذي كان يتحرش بها يومياً و هي مطبقة الفم ، ليأتى و يكمل عليها ذلك الحقير ، ثم يليه أخيه الذي ما إن رأته و هو يعنفها دون حتى سماعها .. ظلت جالسة على الأرضية ما يقارب الساعتين ، قررت النهوض عندما لم تجد فائدة من جلوسها هكذا ، سارت في الرواق بإنهاكٍ تجُر قدميها ، حتى رأته يقف بهيبته ناظراً لزجاج غرفة أخيه ، أستطاعت رؤية عيناه تلمع بدموع رافضة النزول ، أقتربت منه ببطئٍ خائفة من بطشه، لم يتكبد "باسل" عناء النظر لها ، ظل شارداً و هو يسألها بصوت جاف مميت : - عمللك أيه عشان تضربي دماغة بالإزازة اللي كانت ممكن تفتحله دماغه ؟ عـمـلك أيــه ؟؟!!!!!! صرخ بحدة بالأخير و هو يلتفت لها قابضاً على فكها حتى كاد أن يهشمه ، مما جذب أنظار الناس من حوله والجميع يغمغمون بغرابة ، أنسابت دموعها لتضربه بصدره بقوة منفضة يداه عنها و هي تصرخ به بصوتٍ هز أرجاء المشفى : - كـان عايز يغتصبني !!!!!!! جمدت عيناه داخل عيناها ، "مازن" أخيه ولكنه يعلمه جيداً و يعلم قذارته، لاسيما أنه لم يكن بوعيه أساساً ، إذاً فهو يتوقع أي شئٍ منه ، أغمض عيناه محاولاً التحكم بأعصابه ، و الأهم الأن أن لا يعرف ظافر شيئاً مما حدث و إلا سيقوم الدنيا و لن يعقدها و لن يبرح من "مازن" إلا و هو جثة هامدة .. بهدوءٍ أخرج من جيبه رزمة مال ليمد كفه بها و هو يقول ببرود : - أظن أنه ملحقش يعمل حاجة ، خدي دول و إياكي حد يعرف باللي حصل و لا حتى تقوليه بينك و بين نفسك !!!! و كأن دلواً من الماء البارد سُكب عليها ، نظرت له بحقدٍ شديد ، أخذت المال منه إلا أنها ألقتها بوجهه بأقوى ما لديها من قوة لتصيح به بحدة : - واضح أن كلكوا نفس الوساخة !!!! ثم أبتعدت عنه ببعض خطوات ، بينما "باسل" يكاد ينفجر من الغضب ، لم تتحمل "رهف" فسقطت مغشياً عليها يُحيطها الظلام من جميع النواحي • • • طرقات تتوالى على باب منزلها ، قطبت حاجبيها قليلاً فمن سيزورها ، نهضت بثقلٍ لتجد "عماد" يقف و الأبتسامة مرسومة على ثغره ، نظرت له بجمود لتسند يداها على إطار الباب مانعة إياه من الدخول و هي تردف بفظاظة : - خير ؟!! أستطرد "عماد" بدهشة : - الله !! مش هتدخليني ولا أيه دة أنا حتى جايبلك أخبار عنب .. ثم نظر إلى ما ترتديه الذي كان عبارة عن شورت يصل لفوق ركبتيها بقليل تعلوه كنزة بيضاء خفيفة ، لاحظت "ملاذ" نظراته الجائعة تجاهها لتمسك بفكه بحدة و هي نقول : - عـمـاد !!! لم نفسك و شوف أنت واقف قدام مين ، أنا ملاذ أنت واعي صح !!! - نسيتي تقولي أنك خطيبتي !!! قال بسُخرية ، بينما هي جمدت نظراتها و هي تقول بتهكمٍ : - أظن أنت عارف أنا خطيبتك ليه ، مش عشان سواد عيونك و حُط في بالك أن أنا محدش يجبرني على حاجة ، ممكن في ثانية ألغي الخطوبة دي خالص !!!! أمسك "عماد" بيدها و هو يقول برجاءٍ : - لاء يا ملاذ و حياة أغلى حاجة عندك دة أنا سمعتي تبوظ !!! نفضت يدها عنها و هي تقول : - يبقى خاف على نفسك ، أحنا مخطوبين قدام الناس بس أنا حتى مش لابسة دبلتك يا عماد !!! زفر "عماد" بيأسٍ ، فـ لطالما كانت "ملاذ" حلمه الوحيد ، تمنى لو تُحبه مثلما أحبها هي ، نظر لها قائلاً بنبرة واهنة : - طيب ممكن أدخل بقا عشان فعلاً الموضوع مهم ، متقلقيش انا مش هعمل حاجة !! قهقهت ملء فمها لتفتح الباب على آخره و هي تقول : - أقلق ؟ و مش هتعمل حاجة ؟ ع أساس أن ممكن تفكر تعمل حاجة معايا يا ماجد ، طلعت غبي أوي بس معلش هعديهالك ، يلا أدخل . دلف "عماد" متغاضياً عما قالته "ملاذ" ، جلس على الأريكة لينظر لها و هو يراها تتوجه ناحية المشاية الكهربائية ، ظلت تركض عليها و أصبعها يضغط على الزر مما جعل الآلة تُزيد سرعة الركض ، بدأ "عماد حديثه قائلاً : - سمر لسة مكلماني من شوية وقالت أنه وافق أنه يتعامل مع شركتنا و هييجي الشركة بكرة عشان التصميم بتاع الـ uniform .. برقت عيناها بنشوة و هي تقول : - براڤو يا عماد ، بس أهم حاجة تكون دافع للبت سمر دي.كويس عشان متفكرش تلعب بديلها .. نفى "عماد" برأسه قائلاً بثقة : - لاء متقلقيش ، البت دايبة فيا ومتقدرش تطعني في ضهري أبداً .. نظرت له بسخرية والعرق يتصبب من جبينها : - ويا ترى عارفة أنك خاطب ؟ - عارفة و راضية .. - طب كويس .. قالت "ملاذ" : - أنا أصلاً بفكر ألغي تعاقدي مع شركة الهواري و هدفعلهم الكام ملطوش اللي مكتوبين في الشرط الجزائي ، كدة كدة التصاميم اتسرقت و انا مش هفضي أصمم تاني أنا عايزة بس أنشغل بال uniform اللي هعمله مع ظافر دة ، بس مش قبل مـ أعرف مين اللي سرق التصاميم .. حك "عماد" ذقنه و هو يقول : - معاكي حق ، أنا هعرفلك مين اللي عمل كدة ، بس المشكلة بقا دلوقتي ظافر الهلالي ذكي أوي يا ملاذ ، أزاي هنعرف نضحك عليه !!! و بعدين دة لو عرف أن أحنا اللي مخططين لـ ده كله مش بعيد ينسفك !!!!!! رمت به نظرة جامدة لتقول : - عماد حاسب على كلامك مين دة اللي ينسفني ، و بعدين أحنا سمعتنا في النور كل اللي نصبت عليهم قبل كدة ميعرفونيش أصلاً مكنوش بيسمعوا غير صوتي حتى أسمي ميعرفهوش أنت ناسي أن كلهم كانوا عاميين ؟!! أنا في دماغي خطة كدة عشان أوصل لظافر وفلوسه .. و أقهره زي مـ أبوه قهرني و قهر أختي اللي بقت تكرهني بسببه !!! جحظت مقلتي "عماد" و هو ينظر لها بضياع : - مش فاهم .. - مش مهم !!! • • • • وُضعت "رهف" على فراش المرضى ، كانت لا تشعر بما حولها ، بينما "باسل" يطالعها بقلقٍ ، لاسيما عندما أخبره الطبيب أنها تعاني ضغوطاتٍ نفسية حادة ويجب عليها الراحة التامة .. خرج من الغرفة ليتركها ترتاح ، ليجد طبيب حالة أخيه يخرج من الغرفة ماسحاً العرق المتصبب من جبينه ، ركض له باسل قائلاً في خوف شديد : - عامل أيه يا دكتور .. نظر له الطبيب قائلاً يطمئنه : - متقلقش يا باسل باشا ، مازن بيه عال .. الأزازة اللي أتخبط بيها مأذتهوش جامد هو بس نزف شوية بس أحنا وقفنا النزيف .. زفر "باسل" براحة شديدة ليقول : -طب هيفوق أمتى ؟؟؟ - كمان ساعتين هو بس عايز راحة تامة ، بعد أذنك .. مسح "باسل" وجهه بعنف ، ترك الطبيب ذاهباً لغرفة مدير المشفى بخطوات أقرب للركض، باغته بصفع الباب بقوة ، أنتفض على أثره المدير ذو الخصلات البيضاء التي تتخلل خصلاته السوداء ، أرتبك المدير بقوة و هو يقف مرحباً بحفيد صاحب المشفى ، و رغماً عنه خرجت نبرته مهتزة : - أتفضل يا باسل بيه ، خـ .. خير في حاجة ؟ حدجه "باسل" بنظرة باردة أربكته ، اقترب بخطواتٍ هادءه ، وقف أم مكتبه ثم سرعان ما قبض "باسل" على تلابيب الرجل أمامه ليجعل رأسه على مقربه منه ، نظر له الأخير بإرتعادٍ ليردف "باسل" بنبرة هادئة و لكنها تبث الخوف بالأوصال : - و رحمة أبويا يا "مهاب" ، لو حد من عيلة الهلالي ولا الصحافة عرفوا أن مازن أتنقل ع المستشفى خاصةً ظافر هخليك تبيع بليلة ع الطريق ، فــاهم !!!!! شخصت أبصار المدعو "مهاب" و أرتجف جسده من صراخ "باسل" بآخر الجملة ، أومأ بحركاتٍ سريعة و هو يقول بأنصياع تـام : - حاضر يا باشا .. حاضر . تركه "باسل" ببطئ مبقياً يداه على تلابيبه و لكن تلك المرة حتى يهندمها له ملقي له بإبتسامة جافة ، ثم تركه و ذهب تاركاً الباب خلفه مفتوح على مصراعيه .. ندى جبين "مهاب" و تجمعت حبات العرق عليه ، أزدرد ريقه ليمسك بهاتفه الأرضي عابثاً بأزراره ، وضع سماعة الهاتف على أذنه ، أنتظر قليلاً حتى هتف سريعاً : - ظـافر بيه .. مصيبة !!!!! • • • • شرد بذهنه بالفراغ ، و كأن عقله توقف عن العمل ، منذ أنهاء مكالمته مع "مهاب" و هو كمن تلقى صاعقة أودت به ، لم يستوعب بعد ما فعله أخيه المراهق ، تشنجت تعابير وجهه و تقلصت ملامحه ، برزت عروقه و ألتهبت مقلتيه ، لن يجعل الأمر يمر مرور الكرام ، و بنفس الوقت سيحول دون ألقاء أخيه خلف القضبان و تلطُخ سمعة عائلة "الهلالي" التي لم يشوبها شائبة منذ العديد من السنوات ، تأهبت جوارحه لينهض و عيناه مظلمة لا تنوي خيراً ، ألتقط مفاتيح ليلقي نظرة على ساعة معصمه ذات الماركة المعروفة ، وجدها بالواحدة و النصف بعد منتصف الليل ، ألتقطت مفاتيح سيارته وهاتفه ليلقي نظرة على الشركة التي فُرغت تماماً سوى من سكيرتيرته الخاصة التي أسندت وجهها على مكتبها غافيةٍ بإرهاق مطلقة شخيراً عالياً .. أقتضب وجهه ثم نادى عليها بحدة جعلها تنتفض من مكانها و بوادر النعاس لازالت على وجهها ، وبخها "ظافر" بحدة قائلاً : - دة مكان شغل يا أنسة مش أستراحة عشان سيادتك تنامي فيها ، مش عايز أشوف وشك هنا تاني !!!!! جحظت المسكينة و ترقرقت العبرات في عيناها بقوة البرق لتتوسله قبل أن يذهب بـ نبرة مهتزة : - والله يا فندم أنا خلصت كل الشغل اللي عليا و كلمت الـ assistant بتاعة الشركة اللي حضرتك قولتلي عليها ، و بصراحة أتحرجت أقول لحضرتك أمشي و حضرتك لسة موجود .. قالت آخر الجملة و هي تضغط على شفتها السفلية بحرجٍ ، نظر لها "ظافر" ببعضٍ من الرفق ليقول بنبرة صارمة : - أخر مرة تتكرر و تنامي في المكتب يلا روّحي .. أشرق وجهها لتومأ بقوة و هي ترى سرابه و كأنه تبخر من أمامها .. • • • • أستقل سيارته حديثة النوع ليدس المفتاح بها منطلقاً بها إلى وجهته ، و سرعان ما وصل إلى الشقته بـ منطقة "المعادي" ، صف سيارته بموقف السيارات الخاص به ، صعد للبناية المرموقة التي يقطن بها لنظر للبواب الذي أنتفض ما إن وجده قائلاً بترحيبٍ شديد : - ظافر بيه حمدلله ع السلامة يا بيه العمارة نورت ، أنا عملت زي م حضرتك قولت و بعت مراتي تنضف الشقة و آآآ.. بتر "ظافر" عبارته بنظرة نارية جعلت الكلمات تقف على لسان البواب رافضة الخروج ، تركه "ظافر" ماضياً نحو المصعد ، فُتح المصعد ليستقله "ظافر" بوجهٍ خالٍ من التعبير ، ضغط على الطابق الذي يقطن به ثم خرج من المصعد بعد دقيقتان ، أخرج مفتاح شقته ليدسه بالباب ، ما إن فتح الشقة حتى بردت أطرافه ، و كأنه دلف لإحدى المقابر و ليست شقة طبيعية ، برودة ليست طبيعية رُغم الطقس الحار ، تفتقر شقته لذلك الدفئ العائلي المفتقده هو ، رُغم أنه متزوج إلا أن "مريم" لم تكن يوماً سوى مجرد زوجة ، ليست حبيبه أو صديقة أو أم له ، هي فقط زوجة تنصاع لزوجها في كل شئ و كأنه دمية هو المتحكم الأساسي بخيوطها ، نوعاً ما لا يُحب ذلك ، لا يحب عندما يقول لها تذهب تذهب .. تجلس تجلس .. تبقى أو تغادر ، تلبي ما يؤمرها به بفمٍ مطبق.. أشتاق لتلك الشقة ، فـ هو لم يزورها لثلاثة أشهر ، إلا أنه حرص على تنضيفها كل يوم من قِبل زوجة البواب الثرثار ، تجول بعيناه متفرساً أرجاء الشقة ، لدائماً ما يتمتع "ظافر" بذوق رفيعٍ ، ذو خبرة و كفاءه بـ كل شئ يخصه ، كان يطغى على الشقة اللون الرصاصي المخلوط باللون البنفسجي القاتم ، حيث السقف يخلط بين اللونين الرقيقين متدلي من السقف "نجفة" أنيقة ، معظم الأثاث بنفس اللونين ، و الستائر بنفسجية أيضاً ، رمى بهاتفه و مفاتيحه على الأريكة بإهمالٍ ، ليدلف لغرفته التي أشتاق لها، أخرج مفتاحها من جيبه ثم فتح الباب ، الأتربة بكل مكان، لم يستطيع أن يرى سوى تلك الأتربة تطغى على الغرفة محجبة الأثاث خلفها ، ظهرت ملامح الأمتعاض على وجهه جلياً ، ولكن هو من قرر ألا تدلف زوجة الواب لتنظف تلك الغرفة محتفظاً بخصوصياته ، نفض التراب بيده من على الفراش بتقزز ليجلس عليه بإرهاقٍ ، أسند مرفقيه على فخذيه عاقداً كفيه مطالعاً الفراغ بتركيزٍ شديد و هو أصبح متيقن لما سيفعله .. حل بذلته عنه ملقياً بها على الأرضية بزفيراً مختنقاً، ظهرت عضلاته بوضوح أسفل قميصه الأسود الملتصق بصدره العريض ، حل أزرار قميصه بدوره ليظهر صدره الأسمر و بطنه ذات العضلات السداسية ، كان يتفوق على شقيقاه رياضياً و لياقةً ، فـ الكل يحسده على جسده المتناسق و عضلاته ، انزل بنطاله أيضاً ليبقى بالشورت فقط ، ولج خارج الغرفة لبهو الشقة الواسع ، أرتمى بجسده على الأريكة بإنهاكٍ محجباً عيناه بذراعه المفتول ، و هو قد علم كيف يعاقب "مازن" على ما فعله .. • • • • منذ ذهاب "عماد" و هي تفكر في مقابلته ، أقسمت و قطعت عهداً مع نفسها بإذلاله و قهره مثلما فعل أبيه بالماضي ، جلست على فراشها الوثير ذو الأغطية الحريرية ، نظرت للسقف بشرود و هي تطلق تنهيدة غامضة ، ليست حزينة أو خائفة ، تنهيدة فارغة .. ألتقطت هاتفها لتضغط على أزراره ، رفعته لأذنها منتظرة إجابة الطرف الأخر ، و بعد لحظات كانت "ملاذ" تقول بإيجاز إلى خادمة "براءة" : - براءة عاملة أيه يا فتحيه .. أخفت "فتحية" نظرة حزينة داخل عيناها ، فـ هي تعمل لدى الشقيقتين "ملاذ" و براءة" منذ أكثر من عشر سنوات ، تعلم "ملاذ" جيداً ، فـ هي ذات قلب طيب خاصةً مع شقيقتها ، رُغم علم "فتحيه" بالغل و الحقد الذي تكنه"براءة" إلى "ملاذ" ، و لكن لم تبادلها "ملاذ" يوماً ، بل على العكس كانت تتعامل معها برفق و كأنها أبنتها رُغم فارق العمر الذي لا يذكر ، و لكن دائماً ما ترى "ملاذ" ليست مجرد شقيقة إلى "براءة" .. بل كانت بمثابة الصديقة و الأخت و الأم لها ، و لكن دائماً "براءة" ما تصفعها بكلماته القاسية ، زوت ما بين حاجبيها بإستغراب ، قالت "ملاذ" بعدما ساد ذلك الصمت الرهيب : - فتحية أنتِ معايا ؟ جاء صوت "فتحية" الحنون : - معاكي يا ست البنات ، براءة هانم كويسة متقلقيش يا هانم و نامي .. تصبحي على جنة يارب .. أبتسمت "ملاذ" نصف أبتسامة لم تصل لعيناها ، ثم أغلقت الهاتف مودعة إياها ، أصبح من الروتين أن تهاتف "فتحية" ليلاً قبل أن تنام لتطمئن على "براءة" .. أطبقت بكفيها على بعضهما ثم وضعتهما أسفل رأسها ، أغمضت عيناها ببطءٍ لتذهب في سُباتٍ عن العالم .. • • • • أبتعد "مازن" قليلاً عن ظهر الفراش الطبي ليفسح المجال إلى الممرضة التي تضع الوسادة خلف ظهره ، نظر لها بمكرٍ و هو يمسك بيدها قائلاً بغزلٍ صريح : - متشكر يا قمر، قولتيلي أسمك أيه بقا ؟ أبعدت ذراعه بحدة قائلة بعينان تشعان جمراً : - هطلب لحضرتك الدكتور يطمن عليك .. ألتمعت نظرانه إعجاباً و هو يتمتم بنبرة لعوبة : - أموت أنا في القطط اللي بتخربش !!! "مازن سرحان الهلالي" يصغر أخيه "باسل" بثلاث سنوات فقط حيث يبلغ من العمر خمسة وعشرون عاماً ، يختلف تماماً عن اشقائه ، فـ هو ذو ألاعيب ملتوية ، غير متحمل للمسؤلية فقط يركض وراء الفتيات ، دائماً ما يسبب العديد من المشاكل إلى عائلة الجارحي مما جعل أشقاءه غير معتمدين عليه أبداً و لم يفكروا أبداً أن يجعلوا "مازن " يتولى منصب في شركاتهم ، ذو مقلتي سمراء ورثها عن والدته مع بشرة مائلة للسمار ، جسده رياضي متناسق بطبيعة الحال كأخوته ، مدلل والدته دائماً ما تدافع عنه من بطش أخيه الأكبر .. أحتدت نظراتها بقوة لتصرخ به : - أنت بني آدم مش محترم و متستاهلش السرير اللي أنت نايم عليه في غيرك أحق بالأوضة دي !!!! فغر ما بين شفتيه ، كيف تجرؤ أن تتحدث معه بتلك الطريقة و هي تعمل لديه بمشفى عائلة "الهلالي" !! أحتدت عيناه لينهض من على الفراش بتأهب ، رُغم الدوار الذي شعر به إلا أن عزيمته على أن يشعر تلك الفتاة بقدرها الحقيقي كان أكبر حتى من تألمه ، صرخ بها بقوة بنظرة حادة : - أنتِ بتعلي صوتك في مستشفى أبويا دة أنتِ ليلتك طين !!! أنتِ فاكرة نفسك بنت دة أنتِ متسويش في سوق الستات تعريفة !!! كانت تلك القشة التي قسمت ظهر البعير ، رفعت كفها لتهوى به على صدغه ، لم تكتفي بل رفعت سبابتها في وجهه قائلة بنبرة قوية لاتنهزم : - أحترم نفسك .. هو أنت اللي راجل ؟!!! أنت كنت هتغتصب البنت اللي مرمية في الأوضة اللي جنبك ، دي أقل حاجة عملتها أنها ضربتك بإزازة القرف اللي بتشربة دة أنت تستاهل الشنق !!! بُص لنفسك الأول في المراية يا أستاذ ، يمكن أكون أنا عادية شكلاً بس عايزة أقولك أنك مشوه من جوة يا مازن بيه !!!! ألتفتت موجهه ظهرها له خارجة من الغرفة صافعة الباب خلفها ، تعالت أنفاسه الحادة ليطيح بالأجهزة التي بالغرفة بجنون هيستيري ولج "باسل" يطالع الغرفة التي أصبحت على الارضية ، وجده صدره يعلو و يهبط بغضب شديد ، أقترب منه في خطواتٍ معدودة ، و بإندفاع أهوج قبض على تلابيبه ، ثم و من دون مقدمات أخذ يسدد له اللكمات بقوة صارخاً به واصلاً لأقصى بلوغ غضبه : - يا زبالة يا *** ، دة أنا هطلع ******** يا *** .. دلف طاقماً من الممرضين والأطباء مفزوعين ، وبصعوبة شديدة أستطاعوا تخليص "مازن" الذي بصق دماً من أيدي "باسل" بصعوبة ، صرخ بهم "باسل" بقوة ليرتدوا جميعهم للخلف منصاعين لأحفاد "الهلالي"، أخذ "مازن" يسعل بقوة حتى كادت روحه أن تخرج من مكانها ، بينما لم تهدأ النيران المستعرة بداخل "باسل" ، أهتاج صدره بقوة ثم ركل الأرض بقدميه باصقاً على أخيه ، ثم سبّ بنابية وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه ، جلسة على إحدى مقاعد المشفى المترصاة ، أسند مرفقيه على فخذه ليمسك بجبينه منكساً برأسه ، يعلم أخيه و تهوره و أندفاعه الأهوج ، إلا أنه لم يكن يتخيل أنه كان قاب قوسين أو أدنى من أغتصاب فتاة ليس لها ذنب بقذارته ، جمع رباط جأشه ثم نهض بثبات ، دنى من الغرفة الماكثة بها و بحذرٍ شديد فتح الباب ، رآها تتمدد على الافراش غارقة بسُباتٍ عميق ، أغلق الباب خلفه ثم مضى نحو فراشها بخطواتٍ هادئة عكس غضبه الثائر قبل برهـة ، تفحص وجهها بنظرات شاملة دقيقة منزوياً ما بين حاجبيه ، وجهها مستدير كالبدر ببشرته البيضاء ، خصلاتها مفروشة بجانبيها عدا خصلات ثائرة سقطت على وجهها ، جفنيها المطبقان تحول دون رؤية عيناها.... أطلق زفيراً مشفقاً على حالها ، أمتدت أنامله لتزيح خصلة ثائرة على جبينها متلمساً بشرتها الناعمة ، تملمت "رهف" على أثر لمسته الخشنة ، و فجأة فتحت عيناها برعبٍ معتقدة أنه من حاول أغتصابها ، صرخت بهلع على تلك الذكرى و هي تضع يداها على أذنها صـارخة بهلعٍ و نبرة صائحة : - أبعد عنـي ، سيبوني في حالي بقـا !!!!!! تذكرت زوج والدتها و ما يفعله بها ، و أستنكار والدتها معتبرة حديث أبنتها مجرد هذيان و ترهات ، تجسد أمامها أنتهاك جسدها على يد زوج والدتها ، دائماً ما يحاول تلمسها بيدته القذرة و عيناه التي تجعلها كالعارية أمامه ، أندهش "باسل" من حالة البكاء الهيستيرية التي تملكتها ، أمسك بكتفيها بقوة محاولاً أن يهدأها ، و لكنها بدت كالمغيبة لا تعي شئ ، جلس "باسل" أمامها سريعاً ثم أزاح بكفيها بعيداًعن أذنها و هو يقول بصوتٍ حنون لأول مرة يخرج لفتاة : - أهدي ، مافيش حاجة هتحصلك طول مـ أنا جنبك .. هدأت تدريجياً عندما أنبعث صوته الدافئ لجوارحها ، اهتاج صدرها و كأنها تصارع غرق روحها ، حاوط "باسل" كتفيها بذراعه ليصبح شبه محتضنها ، سارت رجفة في جسدها و كأنها صُعقت بصاعق كهربي ، نظرت لعيناه السوداوية ، غرقت في ظلمات عيناه ، شعورٍ قوي يطمأنها مادامت بجانبه ، كان وجهه يبعد وجهها بعض الإنشات ، سقطت "رهف" ببصرها ، ثم فرت دمعة هاربة منها عندما تذكرت أن لا مفر من زوج والدتها ، و أنها ستعود للجحيم مجدداً و بقدميها .. سمع رنين هاتفه المكتوم في جيب بنطاله ، لذا نظر لها قبل أن ينهض تاركاً الغرفة ، أضاءت شاشة الهاتف بإسم أخيه ، أزدرد ريقه توجساً من أن يكن علِم "ظافر" بما فعله أخيه .. تحلى بالشجاعة ثم ضغط على زر الإجابة ليضع الهاتف على أذنه ، أنتظر ردَّ "أخيه" و لكن ساد صمتاً موحشاً ، لذا بادر "باسل" بثبات : - ظافر .. - بكرة .. الـ *** اللي عندك يبقى عندنا في القصر ، تجيبه و تيجي ، وتجيب البنت اللي عمل فيها كدة ، الصحافة مش عايزها تشم خبر ، فــاهـم !!!!!!! ثم أغلق الخط و لم ينتظر جتى ردّ أخيه ، ألتهبت مقلتي "باسل" حتى أصبحا كالجمر ، غمغم بعدائية شديدة و هو يقول متوعداً : - ماشي يامهاب الكلب !!!! • • • • حل الصباح سريعاً ، و نهضت "ملاذ" مقاومة بوادر النعاس التي علقت بجفنيها ، أغتسلت ثم ذهبت نحو المطبخ ، وقفت أمام الموقد تعد قهوتها ، أنتشرت الرائحة لتنبعث داخل رئتيها مصيبة إياها بحالة عجيبة من الأنتشاء ، أرتشفتها ببطئٍ متلذذ ، ثم ذهبت لغرفتها و فتحت ضلفة خزانتها ، أخرجت ملابس رسمية حيث التنورة تصل لأعلى ركبتيها بقليل مظهرة سمار بشرتها الجذاب ، أعلاها كنزة بيضاء خفيفة بجانب بذلة نسائية رسمية ، عقصت خصلاتها للأعلى ليسقط كذيل حصان مفرود بنعومة على ظهرها ، نثرت عطرها بغزارة ، ثم أنتعلت حذائها ذو الكعب العالٍ ، حرصت "ملاذ" على أن تبقى بكامل أناقتها وجمالها ، لذا وقفت أمام المرآة ممسكة بأحمر الشفاة ، زمت شفتيها لتضع احمر الشفاه الصارخ بحرص ، نظرت لنفسها بغرور ، أرتسمت بسمة متحدية على شفتيها و عيناها الحادة تراقب أدق تفاصيلها ، طقطت بكعبها العالي الأرضية لتخرج من المنزل ملتقطة هاتفها و مفاتيح سيارتها .. • • • • نظرت لمرآة سيارتها لتتأكد من مظهرها ، أبتسمت برضا ثم ترجلت من السيارة مطرقة بكعبها العالي الأرضية ، تغنجت في سيرها ، جذبت أنتباه الواقفين أمام شركتها بكعبها العالي ، أكلتها النظرات الشهوانية و هما يطالعونها بدقة شديدة ، طالعتهم بنظرة متعالية ثم دلفت لشركتها ، سرعان ما لحقتها السكرتيرة الخاصة بها و هي تقول بتوترٍ ملحوظ : - ظافر بيه جيه ومستني حضرتك في مكتبك يا فندم .. لم تتغير تعابير وجهها المتصلبة و هي تتابع سيرها حتى وصلت أمام مكتبها ، أخذت زفيراً عميقاً ثم وضعت كفها على المقبض بثبات لتديره ، رأته يقف بطوله المهيب أمام نافذة مكتبها الزجاجية واضعاً كفيه بجيبه ، أغلقت الباب لتلفت أنتباهه و بالفعل ألتفت لها ، جمدت عيناها على عيناه الزيتونية القاتمة ، لم تهتز عيناها من عيناه المظلمة و الحادة عكس أقرانها ، رسمت أبتسامة لم تصل لعيناها لتمضى نحوه بخطواتها المتغنجة ، مطالعة إياه بنظرة بدت و كأنها تنبعث من أفعى !! ، وقفت أمامه لتطالع قامتها التي فجأة أصبحت قصيرة إذا قورنت بضخامته ، هي لم تكن يوماً قصيرة و لكن أمامه تلاشى طولها ، جمد وجهها مجدداً ثم مدت كفها لتصافحه قائلة بنبرة قوية : - ملاذ خليل الشافعي .. أخرج يد واحدة من جيبه ثم بادلها المصافحة لا بل أبتلع كفها بين كفه الغليظ مستشعراً نعومة بشرتها ، ثم قال بنبرة لا تقل قوة عنها : - ظافر سرحان الهلالي .. حاولت الحفاظ على نظرة الحقد التي برقت بعيناها بلحظة و هي تسمع أكثر أسم تمقته بحياتها ، تدفقت الذكريات لذهنها و لكنها حافظت على رباطة جأشها لتبتسم نصف أبتسامة و هي تبعد كفها عن كفه الخشن ، بادرت "ملاذ"و هي تتجه صوب مكتبها : - تشرفنا .. جلست على الكرسي خلف مكتبها بهدوءٍ ، ثم عقدت يداها ببعضهما مظهرة أناملها المطلية بطلاء الأظافر الأسود ، راقبته بتفحصٍ و هو يجلس على الكرسي أمام مكتبها ، نظر لها بعيناه الزيتونية ثم بدأ حديثه قائلاً بنبرة فاترة : - أكيد عرفتي أني جاي عشان الـ uniform الجديد بتاع شركتي .. بتر عبارته باب المكتب الذي فُتح بقوة ، حرّكا كلاً من "ملاذ" و "ظافر" على الباب ، وجدت "ملاذ" "سالم الهواري يقتحم مكتبها تعاقبه سكيرتيرته التي أردفت له بتوترٍ شديد : - يا سالم بيه مش كدة .. نظرت السكرتيرة لـ "ملاذ" مبررة بنبرة مهتزة : - صدقيني يا ملاذ هانم أنا قولتله أن حضرتك في أجتماع مهم بس هو آآ بترت عبارتها مشيرة بأصبعها لتخرج من المكتب ، أزدردت السكرتيرة ريقها بتوترٍ ثم خرجت من المكتب بحذرٍ، ظلت "ملاذ" جالسة على كرسيها بغرور و هي تطالع "سالم" الذي يكاد يخرج نيران من أذنه ، قالت "ملاذ" بوجهٍ جامد : - خير يا سالم بيه ؟!! في حد يقتحم مكتب حد كدة .. تأججت النيران المستعرة بداخل المدعو "سالم" ثم أقترب من مكتبها في خطوات سريعة ، ليضرب على المكتب بقوة صارخاً بها بذروة غضبه : - يعني أيه تلغي الأتفاق اللي بينا في يوم وليلة ، أنتِ كدة بتدمري سمعة شركتي !!!! الـ show بعد أسبوع فاهمة يعني أيه .. لم تتغير تعابير وجهها ، بينما نهض "ظافر" عندما شعر بتجاوز حدود المدعو "سالم" ، وقف أمام مكتب "ملاذ" محجباً الرؤية عنه ، وضع كفيه بجيب بنطاله ثم نظر له بإستهزاء ليقول بنبرة باردة : - مش واخد بالك أن في راجل قاعد !!! ولا أنت مبتتكلمش غير مع النسوان بس !! شخصت أبصار "سالم" على "ظافر" ، أشتعلت عيناه ليهدر به : - أنا كلامي مش معاك .. ثم أبتعد عنه ملتفاً حول مكتب "ملاذ" التي نهضت بغضبٍ شديد ضاربة المكتب بكفيها : - صوتك ميعلاش في مكتبي يا سالم أحسنلك و أطلع برا عشان متتهانش أكتر من كدة !!!!! جحظ بعيناه من أهانتها له ، رفع يده عالياً متأهباً لصفعها و لكن تعلقت يده بالهواء عندما أمسك به "ظافر" الذي أحتدت عيناه بل توحشت ، سدد له لكمة أطاحته أرضاً و هو يزمجر به : - أيدك متتمدش على ست يا *** !!!!! أفترش "سالم" أرضاً لتنزف أنفه ، بصق دماً و هو ينظر له بعدائية كبيرة ، حاول التوازن ثم نهض مزيلاً الدماء على أنفه موجهاً نظرة نارية إلى "ملاذ" قائلاً بصراخ هزَّ الشركة بأكملها : - مش هسييك يا ملاذ !!!! خرج من المكتب صافعاً الباب، نظرت له "ملاذ" و هي تقول بغيظ حاولت كبحه : - مكنتش محتاجة حضرتك أنا أعرف أدافع عن نفسي كويس أوي .. قهقه ملء فمه و هو يطالعهاً بتهكمٍ قائلاً : - هو أنتِ فاكرة أني ضربته عشانك ؟!! لاء خالص أنا بس مبحبش أشوفة واحدة بتضرب و أنا واقف !!! جمدت أنظارها عليه ، حاولت كبح ثورتها لتعاود مجالسة و هي تشير بيدها على المقعد ليجلس ، نظر لها "ظافر" بإستهزاءٍ ثم عاود النظر في ساعته ، و بعجرفته المعتادة قال : - نكمل كلامنا وقت تاني هبقى أبعتلك السكرتيرة تتفاهموا مع بعض .. ألتقط مفاتيحه ثم ولج خارج المكتب بخطواتٍ رزينة ، أشتعلت حدقتي "ملاذ" بغضبٍ ، ولجت خارج مكتبها بخطواتٍ تحفر الأرض بقوة ، خرجت من الشركة بأكملها ثم وققت أمام حارس البوابة قوي البنية ، رفعت سبابتها في وجهه قائلة بلهجة صارخة : - الحيوان سالم ميعتبش باب الشركة تاني يا أما أقسم بالله أرفدك فـاهم !!!! لم يكن أمام الحارس سوى الأنصياع لها ، ألتفت "ملاذ" عندما شعرت بنظراتٍ مصوبة نحوها كالسهام المندفعة ، رأته ينظر لها بعيناه الزيتونية فاتحاً باب سيارته مستعداً للولوج لها ، أحتدت نظراتها نحوه ولكنه بقى ساكناً ، جامداً ..!! رمى بها نظرة هازئة ثم أستقل سيارته ، و أنطلق بها بقوة مخلفاً وراءه أدخنة كثيفة .. حافية على جسر عشقي الفصل الثالث أنقبض قلب السيدة "رقية" بعنف ، شعرت بشيٍ سئ سيحدث ، بجانبها "ملك" بملامحٍ مذعورة تحاول مواساتها ، بينما "مريم" تقف مكتفة ساعديها أمام صدرها تطالعهم بتململ غير عابئة بتلك السيدة الكبيرة التي على بدت وكأنها على مشارف الموت ، صرخت بها "ملك" لتأتي بكوب من الماء ، تصنعت "مريم" أنها لم تسمعها و هي تنظر لأظافرها باهتمامٍ زائف ، ركضت "ملك " بدلا عنها لتأتي بكوب ماء ، جلست تحت أقدام والدتها ثم أعطتها الكوب لترتشف ببطئٍ ، عادت تتنفس بشكلٍ طبيعي لتزفر "ملك" بإرتياح حقيقي و هي تقول مربتة على كتفيها : - بجيتي كويسة ياما ؟ أومأت السيدة رقية ببطئ و لكنها قالت بنبرة قلقة : - أنا بخير يابتي أطمني ، أنا بس جلبي مقبوض أجده و كأن في حاجة عفشة هتُحصل ..!!! ربتت "ملك" على كتفيها في محاولة بائسة لطمئنتها ، لكن كيف تطمئنها و هي من الأساس توازيها إحساساً بالخوف ، نهضت "ملك" من جوار والدتها لتلتفت إلى "مريم" التي ترميهم بنظراتٍ ساخرة ، لتردف بوقاحة بالغة : - خلصتوا التمثيلية البايخة ديه ؟ لم تستطيع "ملك" أن تتحمل ، رفعت كفها عالياً لتهوي به على صدغ "مريم" بقوة صارخة بها يجنون : - أكتمي مش عايزة أسمعلك حس !!! ألتف وجه "مريم" إلى الجهة الأخرى ، تلونت عيناها باللون الأحمر القاني ، شهقت السيدة "رقية" لتنتفض صارخة بـ "ملك" : - مـلـك !!!!!! أعتدلت "مريم" بوقفتها مطالعة "ملك" بنظراتٍ لو كانت تُقتل لكانت "ملك" جثة هامدة ، ولكنها شخصت أبصارها خلف "ملك" مطالعة"ظافر الذي ولج لداخل القصر ، أنزوت شفتيها بمكرٍ و في ثواني معدودة كانت تركض صوب "ظافر" الذي تجمد ما إن طالع وجهها الذي تلون باللون الأحمر ، أرتمت "مريم" بأحضانه متشبثه بخصره بقوة لتقول بصوتٍ باكي : - ألحجني يا ظافر ، أختك ضربتني يا ظافر !!!! أنزوى ما بين حاجبيه و هو يطالع أخته بنظرة أخرستها ، كانت نظرته تطالبها بتفسيرٍ في الحال ، لم ترتعب من نظرته على عكس العادة ، همت بالحديث ولكن "مريم" قاطعتها حاظية بتلك الفرصة الذهبية لتتشبث بذراع زوجها بقوة و هي تردف ببكاءٍ زائف : - انا معملتش حاچة يا ظافر ، الحاجة رقية تعبت فچأة و انا چريت چبتلها ماي "ماية" اختك رمتها من يدي و ضربتني بالجلم !!!!!!! أشتد فكه ، وجه نظرات نارية إلى "ملك" التي فغرت شفتيها بذهول ، لم تتوقع وقاحتها التي تزايدت عن حدها ، صكت أسنانها و هي تضيق عيناها ناظرة لها بإشمئزاز ، لم يبالي "ظافر" لهم بل ركض بأقصى سرعته إلى والدته التي يدى الإرهاق كاسياً وجهها ، قرفص على ركبتيه ممسكاً بكفيها المجعدان ليقبل كليهما بحنانٍ جارف و هو يقول مربتاً على كفيها : - أنتِ كويسة يا أمي ، تعالي نطلع على أكبر دكتور في مصر . لانت نظراتها و هي تطالع ولدها الأكبر ، لطالما أعتبرته بمثابة السند لها ، الدرع الحامي لها دائماً ، هي تحب "باسل" و "مازن" بالطبع و لكن هو له معزة خاصة بقلبها ، أمتد كفها الواهن لتربت على وجنتيه بحنان أموي غريزي و هي تردف بلطف : - لاه يا جلب أمك ، أنا زينة مافييش حاچة .. لم يريد أن يضغط عليها ، أومأ بإبتسامة باهتة ثم نهض مجدداً بطوله الفارع ، لم يتكبد عناء النظر إلى "ملك" أو "مريم" ، صعد على الدرج بخطواتٍ سريعة ، ذهب مباشرةً إلى غرفته ، تلك الغرفة التي لا يدخلها أحد على الإطلاق ، و من يتجرأ و يُعصي أمره ؟! ، حتى زوجته لم تلج لها منذ زواجهما ، ليس بها شئٍ مثير للأهتمام فقط فراش وثير يتوسط الغرفة مع شاشة تلفاز كبيرة ، و مرحاض واسع ملحق به ، ولكنها غرفة يجد بها نفسه ، يبتعد عن ضجة الحياة ويهرب لها .. أخرج مفتاح الغرفة بين العديد من المفاتيح المصحوبة لها ، دس المفتاح بالباب ثم دلف للغرفة ، أوصد الباب خلفه ثم توجه مباشرةً إلى الشرفة الملحقة بالغرفة ، ولج لها لينزع بذلته ، حرر أزرار قميصه و كأن شيٍ ما يطبق على أنفاسه ، حتى جلس عاري الصدر ، استند بيداه على حافة الشرفة ، يطالع المنظر الذي أمامه بعينان فارغة ، عينان نُزعت منهما الحياة نزعاً ، شارد بالا شئ ، بزوجته التي للأن لم تنجب له ولدٍ يحمل أسمه ، يكمل نسل عائلة الهلالي ، ولكن كيف و زوجته عقيمة لا تنجب ، فعلوا كل شئ ، الكثير من العمليات الجراحية الباهظة و لكن لا فائدة ، دون عن ذلك والدته التي تحثه ان يتزوج من أخرى تنجب له ولداً يكمل نسل العائلة و أسمها العريق .. أخرج هاتفه من جيبه ، عبث بـ شاشته ثم وضعه على أذنه ، أنتظر قليلاً ليأتي صوت باسل من الطرف الأخر ، نفث "ظافر" دخان سيجارته والنيران تنبث من حدقتيه لا سيجارته ، ظهر صوته ببحته المميزة : - أنتوا فين !! - جايين يا ظافر ، جبت مازن والبنت وجاي . • • • • منذ ركوبها تلك السيارة و هي تشعر بشئ أشبه بحجرٍ كامن على صدره ، فقط تسند رأسها على النافذة تذرف الدموع بعدما أرغمها هذا ال "باسل" على في الصعود السيارة ، رُغم صراخها بأن يتركها في سبيلها إلا أنها لم تنتصر عليه بالنهاية لينتهي بها المطاف جالسة بجانبه بينما هو يجلس خلف المقود و لتوه أنها مكالمه مع مجهولٍ -بالنسبة لها- ، و ما زاد الطين بلة إلا هذا الحقير الذي يجلس خلفهما ، تجنبت تماماً النظر إليه مثلما أخبرها "باسل" ، من الحماقه أن تصعد بسيارة بها رجلين إحداهم كاد أن يسلب منها أعز ما تملك ، و لكن هي تثق بعض الشئ في "باسل" .. و هذه أيضاً حماقة .. بعد مرور أكثر من ساعتين ، صف "باسل" السيارة بموقف السيارات الخاص بهم والذي ضم الكثير من السيارات الفخمة ، ترجل "باسل" من السيارة مطلقاً زفيراً ، هو يعلم جيداً كيف يفكر "ظافر" ، يعلم ان "مازن" سيتلقى صفعة لم يرى لها مثيل من قبل ، نظر إلى "مازن" بإشمئزاز و هو يراه يترجل من السيارة بينما مقدمة رأسه محاوطة بشاش طبي ، كاد أن يهجم عليه و هو يراه يطلق صفيراً مدوياً ، ألتف حول السيارة ليفتح بابها مخرجاً "رهف" التي كانت ترتجف كالجرذ المبلل ، قبض على رسغها البارد بقوة ليتجه بها نحو القصر .. لم تستطيع "رهف" إخفاء دهشتها من ذلك القصر الفخم والمكون من أربع طوابق ، سارت خلف "باسل" و هي لا تستطيع مقاومة فضولها لرؤية القصر من الداخل .. • • • • رآهم عبر النافذة ، طالع "مازن" بنظرات متوعدة قاسية ، أرتدى قميصه الأسود ثم شمر عن ساعديه ليخرج من الغرفة موصداً بابها بالمفتاح من الخارج ، و بخطوات رزينة هادئة كالهدوء الذي يسبق العاصفة ، لم يلاحظه "مازن" أبداً ، بينما والدته فور ما رأته بتلك الحالة ركضت نحوه لتحاوط وجهه المضمد و هي تقول بفزع غريزي : - واه !! مين اللي عمل فيك أكده يابني أيه اللي حُصُل !!!! طالع "مازن" والدته بإبتسامة باردة و هو يقول بلا مبالاة : - مافيش حاجة انا بس آآآ .. - كنت هغتصب بنت .. مش كدة ؟ قاطعه "ظافر" بنبرة باردة و هو يقف أمامه و والدته الحاجز بينهما ، شخّص "مازن" بصره على أخيه بهيبته المعهودة ، بلل شفتيه و هو لا يستطيع حتى أبتلاع ريقه ، وقف الحديث على طرف شفتيه وكأنه فقد النطق ، أعتدل بوقفته أمام أخيه و رسم -ببراعة- البراءة على وجهه علّ "ظافر" يرأف بحاله و هو يقول بنبرة خافته نسبياً : - أبيه أنا مكنتش أقصد أنا ... لم يستطيع حتى أن يُكمل عبارته ليجذبه "ظافر" من خصلاته بقوة مبعداً إياه عن والدته حتى لا يحتمي بها ، كاد أن يقتلع خصلاته بيده حتى تأوه "مازن" بقوة و هو يحاول إبعاد كف أخيه عن خصلاته ، بينما ضربت السيدة "رقية" على صدرها بقوة على صغيرها الذي وقع بـ يد "ظافر" ، حاول أيضاً "باسل" التدخل و لكن منعه "ظافر" بإشارة من يده و نظرة كانت كفيلة بعودة "باسل" إلى محله ، أبتسمت "رهف" شبح أبتسامة و هي ترى من أراد أنتهاك حرمتها أصبح كالجرذ الذي وقع بالمصيدة ..!! - من أمتى و أحفاد الهلالي بيتعرضوا لحُرمة يابن ال*** !!! هتف "ظافر" بجملته التي تردت صداها في القصر بأكمله تلاها لكماتٍ وجهها إلى "مازن" على أماكن متفرقة من جسده ، أشتعل القصر بصراخ "ظافر" بأبشع السباب و أستنجاد "مازن" و صراخه يكاد يخترق أذان المتابعين بصمت ، فـ هُم يعلموا جيداً أن من يحاول التدخل سينفجر به "ظافر" .. طُرِح "مازن" أرضاً و قوته تخور شئٍ فـ شئ ، لم يرحمه "ظافر" و لم يشفق عليه مقدار ذرة ، بل ظل يركله بقدمه بقوة حتى بصق "مازن" الدماءٍ .. حتى "رهف" أشفقت عليه قليلاً و هي تراه يتلقى لكمات مفزعة في جميع أنحاء جسده .. وقع قلب السيدة "رقية" أرضاً التي ظلت تنوح و تضرب صدرها على ما تراه من مشهد مُرهق لقلبها ، رؤية بِكرها يضرب أخيه الأصغر كان بمثابة لكمة بقلبها ، و كأن من يُضرب هي ليست ابنها !! لم تعلم ما تفعل غير البكاء و بجانبها "باسل" محاولاً تهدئتها و هو يحاول إقناعها بأن تعود للغرفة ولكنها أبت صارخة بوجهه بقوة ، ولكن عندما رأت فلذة كبدها وجهه مغطى بالدماء بالكامل ركضت نحو أبنها الاكبر تضربه بقوة في صدره الذي يعلو و يهبط ، ظلت تضربة بهستيرية و هي تصرخ به بقوة ، انخفضت ضربات قلبها تدريجياً لتتهاوى بين يدي "ظافر" مغشياً عليها .. عيناه حمراوتان بطريقة يُرثى لها ، الإرهاق بادياً على وجهه بوضوح ، يشعر بضيق في صدره و بعلقم في جوفه ، بمجرد التفكير بأنه أمه مستلقية على فراشٍ أبيض بسببه يجعله يود قتل نفسه ، والدته هي أغلى شخصٍ بحياته .. لا يستيطع الإستغناء عنها، لم يكن قلقاً على مازن _الراقد بجانب غرفة والدته_ بقدر قلقه على والدته ، بغضون ساعات تحولت حياتهم إلى جحيمٍ مُهلك ، راقب بعيناه "باسل" الذي يسند رأسه على كفيه بجانبه "رهف" يبدو عليها الذعر ،و زوجته التي للتو علِمت ما حدث و هي أيضاً يبدو عليها القلق ، مروراً بشقيقته التي تبكي بحرقة بين أحضان عمتها ، عيناها منتفخة و صوت بكائها يقطع نياط القلوب ، اقترب من مقعدها ليجلس جانبها .. وبهدوءٍ نزعها من أحضان عمتها ليُسند رأسها على صدره ، أجهشت "ملك" بالبكاء أكثر و تمسكت بقميص "ظافر" بقوة و هي تقول بحرقة : - ماما يا ظافر .. أمي هتروح منا . مسح على ظهرها بيدٍ وبالأخرى شدد على عناقها و هو يقول بنبرة حاول أن يجعلها جامدة مخفياً البراكين في قلبه : - أهدي يا حبيبتي أمك هتجوم و ترجع أحسن من الأول .. أهدي . ظلت تبكي بين أحضانه حتى غلبها النعاس ، عندما ثقلت رأسها على صدره علم أنها نامت ، أشار لـ "باسل" بعيناه ان يحملها من بين يديه و هو يقول : خدها يا باسل على البيت و خلي الخدامين ياخدوا بالهم منها .. أومأ "باسل" بصمت ولم ينبت ببنت شفة ليلتقط "ملك" من بين يدا أخيه، همَّ بالذهاب ليجد "رهف" تتشبث بذراعه قائلة بنبرة خائفة : - ممكن أجي معاك .. أنا خايفة اقعد هنا لوحدي .. أومأ بصمت فـ هو أيضاً يشعر بالشفقة عليها، خرج من المشفى حاملاً اخته و "رهف" تمشي بجانبه منكسة برأسها و هي تفرك اصابعها بتوترٍ ، وضع "باسل" "ملك" في الأريكة الخلفية للسيارة ، ليستقل هو امام المقود و تعقبه "رهف بالمقعد جواره ، أنطلق "باسل" بالسيارة بوجهٍ متجهم .. • • • • حمل "باسل" شقيقته ثم وضعها على فراشها ، هتفت "رهف" بمزاح قليل لتخفف عنه : - أطلع برا بقا عشان أغيرلها هدومها .. يلا طرّأنا .. أومأ بإيجاز -بوجهٍ خالٍ- من الملامح ثم خرج مغلقاً الباب خلفه .. أخرجت لها "رهف" منامه مريحة ثم ألبستها إياها ، خرجت "رهف" من الغرفة بعد أن أغلقت أنوارها .. كان "باسل" ينتظرها بعد أن أخذ ملابس جديدة له ولشقيقه ، هبطت "رهف" الدرج قائلة : - يلا عشان نرجعلهم .. - لاء .. هروّحك .. قال "باسل" بجمود ظهر في نبرته .. حدقت به "رهف" بذهول قائلة : - تروّحني فين ..؟!! - هروّحك فين يعني عند أهلك !!! أردف "باسل" بغضبٍ ساخر .. لم تستطيع أبتلاع ريقها لتفرك أصابعها و هي تحاول أختلاق حجة مقنعة لتبقى قائلة بأرتباك : - أيوة بس .. بس أحنا في الصعيد وانا بيتي في مصر يعني هناخد وقت عشان نروح مصر و مينفعش تسيب مامتك واخوك في المستشفى وتمشي كدة .. بتر "باسل" عبارتها قائلاً و هو يخرج من القصر متجهاً لسيارته بنبرة لا تقبل النقاش : - لاء متخافيش عليهم أنا عارف أنا بعمل ايه .. ذهبت وراءه مطأطأة رأسها بحزن ، أستقلت السيارة بجانبه بهدوءٍ تام ، ألتف "باسل" برأسه لها قائلاً : - هنطلع ع مصر ، ساكنة فين ؟!!! • • • • - دخول والدة رجل الأعمال المشهور و صاحب شركات التصدير المعروفة بأسم "الهلالي" المشفى بالعناية المرّكزة ، و الحزن يخيم على عائلة الهلالي بأكملها ..!!! قرأت "ملاذ" تلك العبارة على "مواقع التواصل الاجتماعي" ، شقت البسمة ثغرها لتجلس على المقعد بأريحية ، و سرعان ما هاتفت "عماد" الذي ردّ عليها في الحال ، بادرت "ملاذ" بنبرة ذات مغزى لا تخلو من الأمر : - أعرفلي مستشفى ايه في قنا يا عماد ، لازم اعمل الواجب بردو !!!!! • • • • بعد وصول "باسل" و "رهف" للقاهرة ، وقف "باسل" بسيارته أمام مبنى يبدو عليه الرقي في منطقة لا تقل فخامه ، خفق قلب "رهف" بقوة ، أرتجفت يداها و هي تنظر لذلك المكان والذي من المفترض أنه عنوانها -الزائف- الذي أخبرت به "باسل" ... - ده بيتك ..؟! أخرجها من شرودها نبرة "باسل" التي تملؤها الشك ، أومأت "رهف" بصمت ، فـ هي لو تحدثت بنبرتها المرتجفة سيستطيع "باسل" أن يكشف كذبها بسهولة .. أمتدت أناملها لمقبض باب السيارة ، همَّت بفتحه ولكن منعها قبل أن يلتقط "باسل" رسغها ، ألتفت له "رهف" ببطئ ، فتح كفها الصغير ثم وضع به كارت مدوّن عليه رقم المحمول بطبيعة الحال ، هتف "باسل" بنبرة دافئة بعد أن أغلق كفه على الكارت : - لو أحتاجتي أي حاجة .. أي حاجة يارهف كلميني ، أنتِ زي أختي الصغيرة .. أبتسامة لم تصل لعيناها رُسمت على وجه "رهف" ، يليها إماءه صغيرة ثم سحبت يدها و ترجلت من السيارة ، عصف بها الهوار فور نزولها من سيارته ، و كأنها أصبحت في مهب الرياح بدونه ..!!!! أراد أن يطمئن عليها فـ أنتظر حتى دلفت إلى داخل المبنى ، ثم أنطلق بسيارته عائداً إلى قنا أنقبض قلبها بخوف و هي تسمع مكابح السيارة ، أختفى الصوت تدريجياً لتنزل من على درج البناية سريعاً و هي تراه قد أحتفى بلمح البصر ، تقف بمفردها في طريق لا يمر به أمرؤ ، و الساعة قاربت على منتصف الليل ، أحتضنت "رهف" الكارت إلى صدرها و هي تحاول أن تقوى كـ قوة الأسم المدون عليه ، أقتربت من رصيف الشارع لتجلس عليه ، سرعان ما أجهشت ببكاءٍ كطفله فقدت والدها ، عندما تتذكر أنها مرغمه لتعود لوالدتها و زوجها اللعين يعلو صدرها و يهبط و كأنها في حالة هيستيرية ، شعرت بيد وضعت على كتفيها ، أنتفضت "رهف" بقوة معتقدة أنه أحد الشباب الثامل ، ولكن أرتخت ملامحها عندما رفعت رأسها ووجدته ، شهقت بأسمه بقوة لتقف قبالته ، و بدون تفكير أرتمت بأحضانه متشبثه بقميصه بقوة و هي تقول بشهقات متتالية : - ب.. باسل .. - ششش .. اهدي . قال "باسل" مربتاً على ظهرها بحنانٍ بالغ .. أبعدها عن أحضانه ليقول بعتابٍ مثبتاً عيناه على مقلتيها الزائغة : - كدبتي ليه وقولتي أنه بيتك ؟!!! أفرضي مكنتش رجعتلك عشان حسيت أنك بتكدبي ؟ أنتِ عارفة كان ممكن يحصلك ايه !! نظرت أرضاً بحزنٍ و شهقاتها تخرج جاعله جسدها بأكمله ينتفض ، ربت على كتفيها بشفقة لحالها الذي يُرثى له ، أمرها بلطف ان تستقل السيارة لتنصاع لأمره دون بث كلمة ، جاورها هو قابعاً خلف المقود لينطلق بالسيارة .. اوقف "باسل" السيارة جانباً في مكان عام ، ألتفت لها مرّكزاً جميع حواسه عليها ، نظرت له "رهف" بتوترٍ حاولت أن تنظر إلى أي شئ حولها عدا عيناه السوداوية البرّاقة ~ - كدبتي ليه ؟ كانت نبرته مستفهمه ، وبنفس الوقت حاول أن يحافظ على هدوء أعصابه حتى لا يخيفها .. ولكن بداخله سيجن ، لِمَ كذبت ؟! لِمَ قالت أنها تقطن بتلك البناية وهي لا تعرف شئ عن تلك المنطقة من الاساس ؟!! كل هذا يفقده عقله !!! فركت "رهف" اصابعها بتوتر قائلةً بنبرة مهتزة : - أنا .. أنا قاعدة مع ماما و جوزها و لما أخوك حاول يعتدي عليا كنت هربانه منهم .. ومستحيل أرجعلهم تاني لو هموت .. ثم أنفجرت في بكاءٍ مرير ، غطت وجهها بباطن كفيها ، لا تعلم أين ستذهب و من سيحميها ، كلما تذكرت ما يفعله ذلك الرجل الملقب بـ زوج والدتها بها ، تشعر بأنها تريد التقيؤ !!! مسح "باسل" وجهه بباطن كفيه ليقول بنبرة متحشرجة : - معندكيش قرايب .. أي حد من عيلتك ؟ خال ولا عم ولا اي حد ؟!! نفت برأسها بقوة قائلة و قد أزدادت في بكائها : - معنديش حد ، بابا كتب كل حاجة بأسمي ومكتبش حاجة بأسم ماما ، هما أصلاً مكنوش بيحبوا بعد عشان كدة ماما اتجوزت بعد مـ بابا مات بعد م خلصت عدتها بيومين .. عشان كدة الحيوان دة عايز ياخد ورثي .. هو هددني انه هيخليني أمضي على تنازل لورثي ليه .. أزداد بكاءها أكثر ، شعر "باسل" كما لو أن قلبه يتمزق عليها، حاول أن يجد مخرج من ذلك المأزق ولكن لم يكن أمامه سوى شئٍ واحد .. - تتجوزيني ؟!!!! • • • • عندما أنارت الشمس بوهجُها الذهبي الساطع ، ارتدت "ملاذ" بنطال أسود تعلوه كنزة بيضاء خفيفة تلائم ذلك الطقس الحار مع بليزر باللون النبيتي القاتم ، عقصت خصلاتها على هيئة ذيل حصان ليُعطها مظهر جادي ، أنتعلت حذائها ذو الكعب العالٍ لتأخذ مفتاح سيارتها مع هاتفها قبل ان تخرج من المنزل ، حاولت أن ترتدي أخفّ ما لديها خاصة الجو الذي لا يُحتمل في الوجه القبلي بالصعيد .. أستقلت سيارتها خلف المقود ، عبثت في الهاتف قليلاً لتهاتف "فتحية" (التي تعتني بـ براء) ، أخبرتها "ملاذ" بطريقة موجزة انها ذاهبة للصعيد في بعض الأعمال الضرورية ، وأخبرتها بنبرة صارمة أن تعتني بـ "براء" جيداً ، أغلقت معها بعد دقيقتين لتطالع الرسالة المبعوثة من قبل "عماد" مدوّن بها عنوان المشفى التي تقطن بها العجوز والدة "ظافر" ذلك .. ألتمعت عيناها ببريق مخيف لتنطلق بالسيارة سريعاً .. • • • • بعد مشوار كان شاق بالنسبة لها ، أصطفت سيارتها جانباً أمام المشفى الراقدة بداخلها والدة "ظافر" ، ألتقطت باقة الورود الحمراء التي أبتاعتها ، ترجلت من السيارة و حذائها يطرق الأرضية الصلبة أسفلها ، ألتوى ثغرها بأبتسامة مغترة وهي تمضي نحو المشفى في خطوات مدروسة ، وجدت فتاة الأستقبال لتسألها بإيجاز عن رقم غرفة والدة "ظافر" ، ذهبت لرقم الغرفة التي أخبرتها الفتاة بها ، استقلت المصعد لتصعد الغرفة رقم 201 ، ذهبت نحو الغرفة بخطى واثقة .. طرقت الباب مرتان لتسمع صوت تألفه جيداً .. كيف لا تألفه و هي أتت لأجل صاحب الصوت خصيصاً ، أدارت مقبض الباب لتفتحه بلطفٍ زائف .. دُهش "ظافر" عندما رآها تطل بوجهها الخمري وقوامها الممشوق ، تلقي التحية بلطفٍ بالغ .. بينما صُدمت "مريم" من كتلة الجمال التي دلفت لهم ، خفق قلبها بقوة كالطبول من أن يكون زوجها يعرفها .. بالتأكيد هو على صلة بها فهي ولأول مرة تراها ، نهضت متأهبة و كأنها ستتشابك معها .. مدت "ملاذ" كفها إلى "ظافر" قائلة بحفاوة شديدة : - أزيك يا ظافر باشا ، اعذُرني جيت من غير ميعاد بس أول مـ عرفت أن والدتك في المستشفى جيت ع طول .. أتمنى مكونش أزعجتكم .. أنتصب "ظافر" بقوة معيداً الجمود لوجهه ليمد يده مقابلها يصافحها بجمودٍ قائلاً : - أهلاً يا أنسة "ملاذ" ، أزعاج أيه بس أنتِ نورتي .. بادلته أبتسامة لتنزع يدها من يده ذاهبة بدورها إلى والدة "ظافر" التي تعلقت أبصارها بـ "ملاذ" بإعجاب بأخلاق الفتاة وجمالها التي لا تدخل به في منافسة مع أحد ، أقبلت عليها "ملاذ" منحنية بجسدها قليلاً لتصل إلى "السيدة رقية" التي ترقد على الفراش ، صافحتها بلطف لتقبلها على وجنتيها قائلة بتهذيب : - أزي حضرتك يا طنط ، ألف سلامة عليكي .. وضعت "ملاذ" الورد على الكومود الذي يجاور الفراش ، بينما أبتسمت "السيدة رقية " و هي تتفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها ، رسمت أبتسامة عريضة و هي تقول بترحاب بلهجتها الصعيدية الأصيلة : - الله يسلمك يا بتي ، تعالي يا حبيبتي أجعدي چاري .. " أقعدي جنبي" لم تفهمها "ملاذ" و أرتسم ذلك على وجهها بوضوح ، لتجذبها الأخيرة من ذراعها لتجلسها جوارها على طرف الفراش ، و على الطرف الأخر كان يجلس "ظافر" ليصبحا في مقابل بعضهما البعض وكان الحاجز بينهما والدته .. كظمت "مريم" غيظها من مظهرهم الذي جعل الأدرينالين يرتفع لديها بقوة ، حتى انها أرادت أن تجذب تلك الحمقاء من خصلاتها المموجة تلك ، نهضت بقوة عازمة على التصرف ، أظلمت عيناها و هي ترى تلك الفتاة تنظر لزوجها بجرأة ، عيناها تشعان خبثاً عكس اللطف التي تحاول إصطناعه بجدارة ، تقدمت نحوها بخطوات عنيفة لتقف أمامها قائلة بعنفٍ ظهر جلياً في نبرتها : - بعد أذنك عايزة أقعد جنب حماتي و چوزي يا أنسة .!! أصتنعت "ملاذ" أبتسامة صفراء لتنظر لها بعيناها السمراوتين تتفحصها ، تناظر خِصمها و كم كانت النتيجة حاسمة لصالحها .. وثبت "ملاذ" لتتنحى جانباً قائلة بودٍ زائف : - أكيد طبعاً أتفضلي .. تأففت "السيدة رقية" بقنوط ولكنها سمحت إلى "مريم" أن تجلس جوارها على مضض ، نظرت "ملاذ" إلى "ظافر" قائلة بنبرة جادة : - معلش يا ظافر باشا انا عارفه انه مش وقته بس أحنا لازم نتكلم في الشغل عشان نبدأ نصمم ال uniform .. أومأ "ظافر" بهدوءٍ ليثب حتى يتحدثوا خارج الغرفة تاركين "مريم" تشتعل غضباً .. **** وقفوا في ممر المشفى قبالة بعضهم ، "ظافر" يضع يده في جيب بنطاله الأسود منتظراً منها أن تتحدث ، أخذت "ملاذ" مهمة البدأ بالحديث قائلة بنبرة آسفة : - بدايةً أنا بعتذر على اللي حصل أخر مقابلة بينا ، أنا عارفة أني كنت غِلسة شوية بس أنا أتعصبت لما شوفت الزفت دة .. تخلى "ظافر" عن صمته قائلاً : - ولا يهمك .. رسمت أبتسامة على ثغرها و هي تقول بمرحٍ : قولي بقا يا سيدي نبدأ التصميم أمتى ؟ - الوقت اللي تعوزوه .. أومأت "ملاذ" بإبتسامة لتعود إدراجها الغرفة ، دلفت للغرفة لتخبرهم بلزوم ذهابها الأن ، أعترضت "السيدة رقية" بقوة قائلة بنبرة لا تقبل النقاش : - معقولة يا بتي ، يعني تبقي ضاربة مشوار لحديت الصعيد و تمشي أكده على طول ؟ لاء ميصحش دي مش عوايدنا ، متقول حاجة يا ظافر !! ألتفت لها "ظافر" قائلاً : - أقعدي يا أنسة ملاذ ، الدكتور هيكتب للحاجّة على خروج دلوقتي و روّحي معانا أتغدي و أنا تبقى أوصلك .. رسمت "ملاذ" الخجل على وجهها قائلة بترددٍ زائف : - بس آآ .. - مافيش بس !!! قاطعتها والدة "ظافر" بنبرة حادة .. و كأنها تجلس على جمرٍ مشتعل ، تهدج صدرها بعنف و عيناها تقطر حقداً ، تود أن تقفز عليها لتوسعها ضرباً .. سارت الإجراءات سريعاً وخرجت والدة "ظافر" من المشفى ، أخبر "باسل" "ظافر" بأن يذهبوا بمفردهم و هو و "رهف" سيلحقا بهم بسيارته ، أومأ "ظافر" رغم أستغرابه أن "رهف" تلك لم تذهب لبيتها إلى الأن .. جلست "السيدة رقية" بالأمام جوار "ظافر" بوجهٍ يظهر عليه الإعياء والحزن ، نظرت له "السيدة رقية" قائلة بترددٍ : - ظافر .. كنا استنينا مازن عشان نطمن عليه آآآ بتر عبارتها بنبرة حادة : - أمي لو سمحتي متفتحيش الموضوع دة .. أعتبري أن مازن مـات !!! ساد جو من الشحنات المذبذبة ، والدته بدت و كأنها فقدت النطق ، وقفت الكلمات على طرف شفتيها ، بينما كانت "ملاذ" تجلس بالأريكة الخلفية جوار "ملك الجالسة بالمنتصف وعلى يسارها "مريم" التي تفادت الجلوس بجانب تلك الفتاة ، قطبت "ملاذ" حاجبيها عندما حذرّت أن أخيه أيضاً بالمشفى ، ويجب أن تعلم لماذا و بأسرع وقت لديها .. • • • • أستقلت السيارة جواره و هي تفرك يديها ببعضهما بتوترٍ ملحوظ ، لا تصدق أنها ستتزوج شقيق من حاول اغتصابها، ولكن ما يُطمئنها أن "باسل" ليس كأخيه أبداً ، هي بدون أسباب يطمئن قلبها عندما تكُن جواره ، انطلقت السيارة سريعاً مما جعل "رهف" تشعر وكأنهما يسابقا الرياح ، أنتفض قلبها من محله عندما قال "باسل" : - أوصفيلي عنوان بيتك ..!! ابتلعت شهقة كادت أن تصدر من داخل جوفها و هي تقول بعينين متسعتين : - لـيـه ؟!! أنت .. أنت هترجعني ليهم ؟!! تابعت وقد بدأت عيناها بذرف الدموع و هي تقول بتوسلٍ : - عشان خاطري بلاش ترجعني ليهم ، هبقى خدامة تحت رجليك بس بلاش ت.. بتر عبارتها و هو يقف بالسيارة بقوة حتى أنها أرتدت إلى الوراء ، ألتفت لها ليقبض على كفيها بحنو ظهر في نبرة صوته : - أهدي .. مستحيل أرجعك ليهم .. و أوعي تاني مرة ترخصي نفسك كدة ، أنتِ مش خدامة يا رهف ، أنتِ غالية جداً عندي .. لم تفلح كلماته إلا في زيادة بكاءها أكثر ، لأول مرة يعطف عليها شخص في حياتها بعد والدها ، منذ أن مات والدها اصبحت هي في تقف أمام الدنيا بمفردها ، تتلقي صفعة تليها الأخرى و تتوالى الصفعات على حياتها ، لم يواسيها شخص حتى و إن كانت كلمة ، نظرت "رهف إلى حدقتيه الحانية ، يتدفق من داخلهما دفئٍ يجعلها تتمنى لو أن تسكن بعيناه طيلة حياتها .. بعدما هدأت وصفت له عنوان بيتها في المنطقة التي تسكن بها .. عندما وصلا أمام بيتها ، ترجل كلاً من "باسل" و "رهف" تلحقه ، جالت نظرات من المارّة من تلك السيارة الفخمة التي ولأول مرة تزور حيّهم الشعبي ، ألتهمتها النظرات الحاقدة و المنفرة ، أبتسمت بسُخرية محدثة نفسها : - طبعاً مستنيه ايه لما تباتي يومين برا البيت و فالأخر تيجي ومعاكي واحد بعربية واو .. مستنيه ايه غير النظرات دي .. صعدا كلاً منهما الدرج المتهالك ، تعالت ضربات قلبها بتوجسٍ و هي لا تعلم ماذا ستقول لوالدتها ، و مجدداً سترى وجه زوج والدتها البغيض ، أشارت "رهف" إلى "باسل" على باب شقتها ، أنتصب "باسل" بجسده العريض .. بينما "رهف" تقف خلفه ينتفض جسدها بين الفينه والاخرى ، فتح زوج والدتها و الملقب بـ "بُرعي" ، أعتلت ملامحه ارتباك جليَّ و هو يطالع "باسل" الذي يفوقه طولاً و عُرضاً ، إزدرد ريقه قائلاً بتوجسٍ : - خير يا بيه ؟!! انت مين ؟ ثم طالع "رهف" التي تقف خلفه بغضب عارم مسطرداً : - ولا بنت الـ *** دي عملت حاجة ؟!! قست ملامحه بطريقة مُرعبة ، أسودت عيناه التي ترمقه بتوعدٍ لسبّ زوجته المستقبلية ، زجره في كتفه ليُزيحه من أمامه ، دلف للمنزل بعينان تجولتا في أنحاءه ، كان بسيط ومتواضع للغاية ، دلفت "رهف" وراءه و هي تنظر لزوج والدتها بقرف تجلى على صفحات وجهها ، مضت نحوهم والدة "رهف" ، سيدة بدينة الجسد بعض الشئ تعشق زوجها الذي أستغل هذا العشق لينهب نقودها و ليتحرش بأبنتها ، و لأنه تثق به ثقة عمياء فدائماً عندما تخبرها أبنتها أنه يحاول التحرش بها لا تصدقها و في بعض الأحيان تصفعها بقوة لتكف عن الافتراء عليه -كما تظن هي- .. نظرت السيدة "زهرة" (والدة رهف) إلى أبنتها بغضب و هي تصيح بها : - كُنتِ فين بابت !!! بنتيمينا على ودانا وتدوري على حل شعرك ! لاذت "رهف" بالصمت ولم تعلّق ، بادر "باسل" قائلاً بنبرة تحذيرية رافعاً سبابته بوجهها : - لولا أنك ست كبيرة كنت رديت عليكي .. بس عيلة الهلالي مبتضربش نسوان !! - عيلة الهلالي !!! أردف بها "بُرغي" بنبرة مرتابة ، فـ هو قد سمع الكثير عنها و عن صيتها و ثراءها الفاحش ، أبتلع ريقه و هو يطالع "باسل" بتوجس قائلاً : - و ابن سرحان الهلالي عايز مننا ايه ؟!! ألتفت له "باسل" مجاوراً "رهف" ، قبض على يدها بتملكٍ و هو يقول : - هتجوز رهف !!! • • • • صف "ظافر" سيارته في موقف السيارات الملحق بالقصر .. أسند والدته حتى تستطيع السير بينا ترجل كلاً من "ملاذ" و"مريم" و "ملك" ، دلفوا جميعهم إلى القصر لتنظر "ملاذ" إلى باحة القصر والحديقة التي زُينت بزهور أنواع مختلفة و ألوان مبهجة ، تغلغلت رائحة الزهور الذكية إلى روح "ملاذ" ، أستنشقتها "ملاذ" سامحة لها بالتعمق داخل جوارحها ، رأتهم جميعهم يدلفون إلى القصر يساندون السيدة "رقية" بينما وقفت هي بالحديقة تطالع الزهور من حولها ، لفت أنتباهها زهرة حمراء نبتت وسط الزهور البيضاء حولها ، بدت متميزة عن باقي من حولها ، سارت لها رغماً عنها تطالعها كم هي براقة و لامعة ، أمتدت أناملها الرقيقة لها لتتلمسها بلطف ، دائماً ما كان لونها المفضل هو الأحمر ، ترى به نفسُها و كأنه مرآة تنعكس لها .. لم تلاحظ أبداً ذلك الذي يقف خلفها يضع كِلتا يداه في جيبه ، عيناه تكاد تثقب ظهرها بنظرات كالصقر ، و بدون مقدمات أردف بنبرة غامضة : - عجبتك ؟!! أنتفض جسدها بذعر مطلقة شهقة عنيفه لتفاجأه بصوته ، التفتت له في حدة صارخة بغضبٍ أهوج : - في حد يخض حد كدة !!! أحتدت عيناه عند صراخها بوجهه بتلك الطريقة ليهتف بنبرة حادة و نظرات صارمة محذرة : - متعليش صوتك !!! - أنا أعلي صوتي براحتي !! قالت بعناد ولهجة باردة و هي تكتف ذراعيها أمام صدرها مطالعة إياه بتهكمٍ أغضبه .. وجّه لها نظرة غامضة ليتحرك من أمامها يطوي الأرض بقدميه بعينان مشتعلتان من الغضب ، دلف إلى القصر تاركاً باب القصر مفتوح .. بينما الأخيرة أنعقد ما بين حاجبيها بغرابة .. لِمَ لم يصرخ بها ؟ لِمَ لم يعنفها ؟ أو لِمَ لما يقوم بطردها خارج قصره ؟ دارت تلم الأسئلة في عقلها و لكنها لم تجد أية إجابة لها ، دلفت إلى القصر بخطوات بطيئة ، شردت بذهنها و هي تسير داخل القصر عيناها تتجول على كل أنش به ، لم تجد نفسها إلا وهي تصتطدم بـ "ظافر" بقوة لترتد للخلف بألم و كأنها أصتدمت بحائط ضخم ليس بإنسان ، قطب "ظافر" حاجبيه بغضب صارخاً بها : - مش تاخدي بالك أيه عميتي !!!! تفاجأت من ردة فعله الغاضبة و صراخه بوجهها لتصرخ بوجهه هي أيضاً بعنفٍ : - أنت بتزعق ليه انا مكنتش اقصد .. - يعني أيه مكنتيش تقصدي أنتِ غبيه مش تبصي قدامك !!! ضربت الأرض بقدميها بغضب صارخة به بإحتجاج : - متقولش عليا غبيه و متزعقش !!! وقفت "ملك" خلفهم فارغة فاهها بصدمة و كأنها تشاهد طفلين يتشاجروا أمامها ، لم تستطيع كتم ضحكتها لتدوي بالقصر و هي تنحني من شدة الضحك ، ألتفتا لها يقولان معاً بغيظ : - بتضحكي على ايه ؟ نظرا كلاهما لبعضهما البعض بغيظ لتستطرد "ملك" محاولة إيقاف ضحكاتها : - عاملين زي العيال الصغيرة !! - مـلـك !! حاسبي على كلامك ، هي اللي عيلة !!! نظرت له "ملاذ" بشرارات تخرج من حدقتيها ليقول "ظافر" بجمودٍ إلى "ملك" : - وصلي ضيفتنا لأوضة الضيوف . أومأت "ملك" بأبتسامة مرحة لتأخذ "ملاذ" من يديها صاعدين الدرج ، تابع "ظافر" صعودهم بنظرة ثاقبة حتى أختفا كلتاهما عن ناظريه .. • • • • أوصلت "ملك" "ملاذ" إلى غرفة الضيوف جالبة لها منامية مريحة لتُقضي بها اليوم ، شكرتها "ملاذ" بلطفٍ زائف لتحاول أستدراجها مسطَّردة : - قولي لي ياملك هو اخوكي مازن في المستشفى ، أصلي سمعت طنط مامتك بتقول انه محجوز في المستشفى ، خير حصله حاجة ؟ أرتبكت "ملك" لتفرك يداها تنظر إلى "ملاذ" التي قالت بحزن مصطنع : - خلاص يا ملك لو مش عايزة تقولي خلاص براحتك .. تراجعت "ملك" قائلة سريعاً : - هحكيلك .. أنتبهت لها "ملاذ بجميع جوارحها ، قصت لها "ملك" ما حدث مع اخيها الأصغر و العراك الذي صار بينهُ و بين "ظافر" ، ألتوى ثغر "ملاذ" بخبث استوطن صفحات وجهها و ملامحها لا تنتوي الخير أبداً !! • • • • بدت و أنها تقف على جمر مشتعل ، وجهها أصبح احمر من كثرة غضبها ، تشعر و كأن روحها تُسحب منها ، تعلم أن تلك الدخيلة ليست لطيفة او بريئة كمان تتصنع ، فـ هي لمحت نظرات خبيثة بعينها عندما تنظر إلى زوجها و ذلك ما جعلها تتمنى لو تقفز على عنقها تكسره بيداها ، ألتفتت للباب الذي فُتح لترى "ظافر" يدلف للغرفة ، اتجهت له ومن دون سابق إنذار ارتمت بأحضانه بقلبٍ ملتاع ، تفاجأ "ظافر" من عناقها له بتلك الطريقة و لكنه رفع يده يربت على خصرها قائلاً بتساؤل : - مالك يا مريم ؟ في حاجة .. نفت برأسها و هي تشدد عناقها على خصره أكثر قائلة بنبرة خائفة : - ظافر .. أنت مش هتسيبني صُح ؟ قطب حاجبيه بغرابة ليبعدها عن احضانه ، رأى وجهها الممتلئ بالدموع ليرفع حاجبيه بإندهاش أزداد أكثر ، فـ هو و لأول مرة يراها تبكي بتلك الطريقة ، أمتدت انامله الخشنة لتمسح دمعاتها من على وجهها قائلاً بلطف : - ليه العياط دلوقتي ؟.. وكأن جملته كانت القشة التي قسمت ظهرت البعير لتنفجر في البكاء بقوة و هي تقول بتقطع أثر بكائها : - أنت هتسيبني يا ظافر .. أنا متوكدة ، أنت عمرك مـ حبيتني و فوقه أنا مجبتلكش العيل اللي نفسك فيه .. يعني أكيد هتتچوز عليا .. ربت على رأسها بحنان و هو يقول : - أيه اللي جاب الأفكار دي لدماغك يا مريم .. لم تخبره أن تلك الشكوك بدأت تحل على رأسها بسبب تلك الفتاة ، جذب رأسها إلى صدره عندما رأى صمتها ، يمسح على ظهرها مشفقاً على حالها ، يعلم أنها تعشقه و لكنه لم يبادلها ذلك العشق يوماً ، ولكن بدلاً من ذلك العشق كان يعوضها حناناً و عطف .. • • • • حافية على جسر عشقي الفصل الرابع أجتمعوا جميعاً على طاولة الطعام العريضة ، جلس "ظافر" على رأسه السُفرة بطبيعة الحال ، تجاوره والدته الذي بدى الشحوب على وجهها و رُغم ذلك رفضت تناول الغداء في غرفتها لتصرّ على أن تجلس معهما ، و من جهة اليمين جلس "باسل" الذي قد أتى للتو بحوزة "رهف" .. بدأوا الجميع بتناول الطعام بصمت تام ، كانت "ملاذ" تحدق بصحنها بشرود ، لا تصدق أنها تجلس في قصر ذلك الرجل بل و تأكل على طاولة طعامه ، شردت لبعيد تماماً عندما كانت تبلغ من العمر خمس سنوات .. طفلة صغيرة تصرخ بصوتٍ عالٍ على تلك السيدة الكبيرة بالعمر ، رُغم عُمرها الذي لم يتعدى الخمس سنوات و قُصر قامتها إلا أن صوتها كان يصدح بالبيت الصغير بأكمله ، حاولت تلك السيدة أن تهدأها بكلماتها الحنونة و هي تجلس كالقرفصاء لتصبح في مستواها : - أهدي يا ملاذ يا حبيبتي صدقيني براءة أختك هتبقى بخير أهدي .. نفت "ملاذ" بوجهها الطفولي الذي أمتلأ بالدموع و هي تقول بطفولية بريئة : - لا مُس (مش) هتبقى كويسة هي لاسم (لازم) تعمل عملية بفلوس كتير .. أنتِ بتضحكي عليا أنتِ كذابة !!! ثم تركتها وذهبت بعيداً خارج البيت بأكمله ، عيناها غارقة بالدموع الطفولية ، ركضت من على الدرج غير عابئة لصراخ تلك السيدة عليها ، عيناها مُلتمعة ببريق أصرار رغم صُغر عمرها ، ولكن معالجة شقيقتها كانت أكبر من أي شئ أخر .. قادتها قدميها الصغيرة لقصر ذلك الرجل فاحش الثراء ، لم يكُن يبعد كثيراً عن بيتها المتواضع ، وقفت أمام البوابة و رُغم الفزع الذي أعتراها عندما وجدت رجلين قويان البنية و منكبيهما العريضان و طولهما الفارع ، أعتلت ملامحهما غرابة شديدة لوجود تلك الطفلة أمام قصر متحجر القلب ذلك ، قرفص أحدهما على قدميها أمامها قائلاً بحنو : - عايزة حاجة يا حبيبتي ؟ فين مامتك وباباكي توهتي منهم ولا ايه ؟.. هزت رأسها برفض قائلة بنبرة قوية لا تليق إلا بها : - عايسة (عايزة) أقابل عمو اللي جوا ، اللي معاه فلوس كتير .. رفع ذلك الشخص حاجبيه بدهشة مسطرداً : - و أنتِ عايزة عمو في أيه ؟ تعالي أوديكي لمامتك وباباكي .. ثم سحبها من يديها لتنفض يده بقوة ، أنفجرت في بكاء شديد ليصرخ بها الأخر بعنف شديد : - أمشي يابت من هنا مش ناقصين قرف ع الصبح !! نظرت له بحقد و لم تكف عن البكاء المزعج والقوي ، فمن يراها لا يصدق بأن ذلك الصوت المرتفع نابع من تلك القزمة ! ظلت تبكي الكثير من الوقت حتى أعلن أستسلامه أحد الحراس قائلاً : - خلاص هنخليكي تقابليه .. أبتهج وجهها سريعاً لتلمع عيناها من فرط سعادتها ، قفزت تصفق بطفولية ، صرخ الأخير محتجاً بإستهجان عما قاله رفيقه : - أنت بتقول أيه يا مراد لو شافها سيدنا الكبير هيتعصب علينا أحنا .. صرخ به المدعو "مراد" هو الأخر متأففاً بضيق : - أنت مش شايفها مهرية من العياط ازاي دي ممكن تموت كدة !!! فتح الحارس بوابة القصر بضيق مشيراً لها بالدخول .. دلفت "ملاذ" بنصرٍ و بخطوات سريعة ، نظرت حولها للحديقة التي أمتلئت بالزهور مبهجة اللون لتصدم بجمالهما ، لم تعبأ كثيراً لتركض نحو باب القصر ، أخذت تطرق الباب بكفيها الصغيرتان لتفتح لها الخادمة ، صُدمت من تلك الصغيرة لتقول بغرابة : - أنتِ مين يا عسولة ؟ و آآ و في غضون ثانيتان كانت "ملاذ" تعبر تاركة إياها تهذي ، فقد ملت كثيراً أهذا كله لكي تقابل ذلك الرجل فقط ، وقفت "ملاذ" في منتصف القصر تقول الخادمة بنبرة يغمرها الغرور : - فين أوضة اللي بتستغلي (بتشتغلي) عنده ؟ جحظت حدقتي الخادمة و لكنها لم تمنع تلك الأبتسامة التي زحفت على ثغرها لتشير لها على غرفة مكتب "سرحان الهلالي" لتذهب "ملاذ" لتلك الغرفة لا تصدق أنها و أخيراً ستتحدث مع الذي سينقذ شقيقتها ، وقفت أمام الباب لتقف على حافة قدميها حتى تصل لمقبض الباب ، جاهدت كثيراً و لكن فتحته بالأخير ، دلفت للغرفة بخطوات خائفة لتجده أخيراً ، "سرحان الهلالي" ذو الملامح القاسية و العينان المخيفتان بلونهما الأسمر ، خصلاته تتخللها الشيب قليلاً يجلس خلف مكتبه بغرورٍ يعمل بأوراقه ، لفت أنتباهه تلك الصغيرة التي دلفت لمكتبه لينتفض محدق بها بذهول ، أخذ يتسائل من أين جاءت ولماذا ، وقف أمامها واضعاً كفيه بجيوب بنطاله و معدته تدلى قليلاً أثر الشحوم المختزنة بها ، لم يتخلى عن جموده ليردف : - أنتِ مين و بتعملي أيه في مكتبي ؟ لم تنبث "ملاذ" ببنت شفة ، مدت كفها الصغير في جيب بنطالها الصغير لتخرج بعض الجنيهات القليلة ، بسطت كفيها الصغيرتان معانا أمامه ، لم تجرؤ على رفع رأسها لتقول بعينان ممتلئة بالعبرات ليخرج صوتها متحشرجٍ أثر البكاء العالق بصدرها : - دول بس اللي معايا .. ممكن يا عمو تساعد أختي عسان (عشان) تقدر تمسي (تمشي) على رجليها لو سمحت .. أنا عايفة (عارفة) أنك معاك فلوس كتير أوي .. لو سمحت يا عمو ساعدنا .. قست ملامحه يطالعها بتهكمٍ ليصرخ بالخادمة بقوة : - يا مديحة .. تعالي طلعي الأشكال دي من القصر .. لم تفهم "ملاذ" ما قاله و لكن عندما وجدت الخادمة تأتي لتأخذها صرخت بقوة به و ببكاء يفطر القلب : - لاء يا عمو لو سمحت ساعد أختي . نظر لها ببرود جليدي ، و كأن الرحمة نزعت من قلبه نزعاً فأصبح كالحجر ، بل ربما قد نظلم الحجر إن شبهنا ذلك الشخص به .. بكت "ملاذ" بكل ما أوتيت من قوة عندما سحبها ذلك الرجل بقوة ليدفع بها أمام مكتبه بقوة غير مراعياً صِغر سنها ، شفقت عليها الخادمة لتهم بإيقافها و لكن منعها "سرحان" بإشارة منه ، نظر لها بعيناه القاسيتان ليقول بنبرة خالية من الرحمة : - لو شوفتك هنا تاني هحبسك في أوضة ضلمة فاهمه ؟!!! ثم دلف لمكتبه صافعاً الباب خلفه ، أجهشت "ملاذ" بالبكاء لتترسخ عيناه القاسية بعقلها ، لم تيأس "ملاذ" أبداً بل نهضت رُغم جسدها الصغير الذي تألم من قوة دفعته ، طرقت على الباب مجدداً و لكن تلك المرة بقوة أكثر و هي تصرخ به بغضب : - أفتح الباب .. أفتح أنت لازم تساعدنا !!! رق قلب الخادمة لها لتجذبها و هي تقول برأفة : - أبعدي يا حبيبتي عشان ميحبسكيش في الأوضة ، أنا مش عارفة أزاي باباكي و مامتك سابوكي تيجي القصر دة ..!!!! نفضت "ملاذ" يدها عنها بقوة و هي مازالت تطرق على الباب بحدة رافضة الذهاب قبل أن تعود أختها في السير كما كانت ... فتح "سرحان" الباب بعينان ملتهبتان ، حدقتيه حمرواتان بطريقة مرعبة تطلق شراراً ، شهقت "ملاذ" بخوف طفولي عندما وجدته هكذا لتنكمش على نفسها برهبة ، جرّها "سرحان" من ذراعها بعنف لغرفة كانت بالقبو ، باردة كالجليد ، حاولت الخادمة منعه و لكن لم تستطع لتركض لزوجته السيدة "رقية" لتحاول منعه مما سيفعله بتلك الطفلة ، ألقى "سرحان" بـ "ملاذ" داخل تلك الغرفة شديدة الظلام ، نظرت "ملاذ" حولها برعبٍ شديد محتضنه نفسها ، فـ فوق ظلام الغرفة الموّحش و لكن أيضاً برودتها لا يتحملها شخصٍ بالغ ما بالك بطفلة صغيره لا تفقه شئ !!! اغلق "سرحان" الباب عليها ليوصده بالمفتاح ، قابل زوجته في وجهه بملامح فزعة مما قصت لها الخادمة ، أمسكت السيدة "رقية" ب تلابيب زوجها قائلة بفزع شديد : - وديت البت فين يا سرحان .. متجولش أنك دخلتها الأوضة إياها !!!! نظر لها بحدقتان خاليتان قائلاً : - دخلتها يا رقية .. أبعدي من وشي الساعة دي ..!!! جحظت عينان الأخيرة بقوة لتصرخ في وجهه ضاربة على صدرها بقوة : - يـخـرابـي .. دي البت زمانها مفلوجة من العياط يا حبة عيني ، هات يا سرحان المفاتيح .. تركها ماراً بجوارها غير عابئاً لها أبداً .. بينما في الداخل كانت المسكينة تبكي بقوة. بشهقات لم تتوقف ، ينتفض جسدها بين الحين و الأخر من قوة بكاءها ، أخذت تناجي والدتها و والدها قائلة ببكاءٍ شديد : - تعالي يا ماما خوديني ، تعالي خوديني أنا خايفة أوي ، أنا عايسة (عايزة) أخرج من هنا ، تعالي يا ماما أبعدي السرير (الشرير) دة عني ، أنا مس عايسة أقعد هنا أنا بخاف من الضيمة (الضلمة) .. الجو برد أوي هنا تعالي يا ماما خوديني بقا تعالي يا مـامـا !!!! أنفجرت في بكاء قوي لتجلس بزاوية ما في الغرفة تضم ركبتيها إلى صدرها لتنسدل خصلاتها الغجرية على كتفيها ، سمعت صوتٍ من وراء الباب ، كان صوت فتى .. و لكن صوته حنون للغاية ، نبرته تغلغلت في جوارحها بقوة ، كان يمهس من وراء الباب بنبرة مطمأنه : - متخافيش .. هطلعك من هنا !!!! أجهشت بالبكاء بقوة ، أزرقت شفتيها من شدة البرودة و بردت أطرافها ، زاغت عؤناها لتصتدم رأسها على الأرضية بسكون تام ، و في تلك اللحظة بالضبط دلف "ظافر" إلى الغرفة الباردة ، ليشاهد ذلك الجسد الصغير يسقط امامه على الأرضية الباردة ، أنقبض قلبه ليركض نحوها ، طالعها بنظرات قلقة تشمل وجهها بأدق تفاصيله ، بشرتها الشاحبة بقوة و ثغرها المزموم الذي تحول لـ اللون البنفسجي ، دموعها العالقة بأهدابها المغلقه و البعض منثور على وجنتيها كاللؤلؤ .. لم ينتظر ليحمل جسدها الصغير بين ذراعيه ، كان "ظافر" آنذاك بعمر الخامسة عشر ، رُغم سنه إلا أنه يملك جسد صخم ورثه من أبيه ، لذلك فقد كانت "ملاذ" كالريشة بأحضانه ، أستندت "ملاذ" برأسها على صدره بإرهاق ، نظر لها "ظافر" بشفقة ليصعد لغرفته تاركاً أبيه يصرخ به ، صعد الدرج بخطوات واسعة ليصل لغرفته ، فتح الباب بقدميها ليلج ، وضعها على فراشه الناعم برفقٍ شديد ، عيناه الزيتونيه تجول على وجهها بقلق أعتراه ، و كأنها مسئولة منه هو فقط .. أعنتت بها أمه أيضاً لـ تأتي تلك السيدة التي تعِش معها "ملاذ" و "براءة" لتأخذ "ملاذ" ، و لكن لم تكن نفسها "ملاذ" .. بل كانت طفلة بقلبِ قاسٍ ، قلب و عقل ترسخ بهما حدقتين .. تلك العينان السمراء القاسية و المتحجرة ، و عيناه الزيتونية الممتلئة بالدفء النابع منها .. ”ليتنا نستطيع أن نعالج خدوش أرواحنا.” • • • • بدون مقدمات رفعت رأسها لتنظر إلى "ظافر" .. بعيناه الزيتونية الحنونة ، و لكنه يحجب ذلك الحنو بجمود قاسٍ ، لتتمثل أمامها حدقتي مزيج بين قسوة "سرحان الهلالي" و حنو "ظافر سرحان الهلالي" ..!! نهضت "ملاذ" فجأة من على طاولة الطعام شاعرة بأختناق كبير .. و كأن شئ يجثى على صدرها يمنعها من التنفس حتى ، نظروا جميعاً لها لنهوضها المفاجئ و من بينهم "ظافر" الذي طالعها بإستغراب .. هم بأن يسألها عما بها لتقاطعه "ملاذ" قائلة بنبرة لاهث تجاهد لتلتقط أنفاسها : - أنا .. أنا لازم أمشي .. قطب "ظافر" حاجبيه كما فعلت والدته لتسألها بقلق : - فيكي حاجة يابتي ؟ أنتِ بخير ؟ أومأت "ملاذ" بصمت و هي تستشعر نبرتها الحنونة ، لم تنتظر بل ذهبت بخطوات واسعة نحو باب القصر لتخرج سريعاً .. ذهب "ظافر" ورائها ليرى ما حدث لها ، وجدها تقف وسط الحديقة تضع يدها على قلبها و باليد الأخرى تستنشق الرذاذ النابع من بخاخ الربو ، هدأت ضربات قلبها المتسارعة لتعود لطبيعتها ، تقدم "ظافر" نحوها .. وقف أمامها ليراها مغمضة العينان تحاول تنظيم تنفسها غير ملاحظة وقوفه أمامها ، لأول مرة يرى ملامحها بالقرب ذاك ، تجولت حدقتيه على وجهها بدايةً من حدقتيها المغلقتان و أهدابها الكثيفة التي علقت بها حبات "الماسكرا" الجافة ، نزولاً بأنفها الصغير .. عبرت عيناه على شفتيها و عند تلك اللحظة لم يتسطيع إزاحة نظره عن شفتيها المُطلية باللون الأحمر القاني ، شعور يدفعه لأن يهجم على شفتيها مقبلا إياها ، و لأنه "ظافر" الذي لا يقف أمامه شئ ، وباللحظة الأخيرة توقف عما كاد أن يفعل ، بل أبتعد عنها تماماً و كأنها مرض سيُعديه ، نبض فكه لشدة غضبه ، التنين عيناه كما لو كانت سيضخ من داخلها الدماء ، منذ متى و هو يشعر بذلك الشعور تجاه أنثى ؟ منذ متى و عيناه تحيد على فتاة ؟ لقد عاهد نفسه بأن لا يُميل للحب مهما صار ، و لكن لما عندما يرى "ملاذ" يشعر و كأنها مسؤليته ، يشعر كمل لو أنه رآها من قبل ، عندما يراها يشعر و كأنه عاد طفلٍ من جديد ، و لكنه لن يسمح بنضج ذلك الشعور داخله ، سيقتلعه من جذوره في الحال ..!!! فتحت "ملاذ" عيناها تطالع "ظافر" بإستغراب ، تفحصت هيئته الغاضبة لتتمتم بتساؤل : - في أيه ؟ .. إنت كويس ؟ باين عليك آآ .. بتر عبارتها و قد عاد الجمود إلى عيناه الزيتونية الباردة : - مافيش حاجة .. يلا عشان أروحك .. - طب وعربيتي ؟ - هخلي السواق يبعتهالك على عنوان شقتك .. سبقته بخطوات ذاهبة نحو سيارته ، أستقلت المقعد الذي يجاور مقعد السائق ، كما أستقل "ظافر" وراء المقود ، كانت صفحات وجهه لا تفسر ، الغابات الزيتونية بحدقتيه كانت وكأنها تشتعل مصدرة لهباً يحرق الأخضر واليابس ، ذراعيه المشمرتان بقميصه الأسود الأنيق كانا مشدودان على المقود بطريقة مفزعة ، برزت أوردته البنفسجيه بـ رسغيه و كأنه يعاني حرباً نفسياً بداخله ، كل تفاصيله تلك لاحظتها "ملاذ" ، عندها لاحت أبتسامة خبيثة على ثغرها ، فـ خطتها تسير كما المطلوب ، عادت ترسم البراءة على وجهها ببراعة ، عيناها السوداوية تلتمع ببريق ربما مخيف ، بريق الأنتصار الذي لطالما لم ينزاح من حدقتيها ، تحركت السيارة مصدرة صرير عالٍ ، كانت السيارة تسير على سرعة مئة و عشرون ، تجمدت "ملاذ" بكرسيها .. و لأول مرة تشعر بالخوف الذي جعل جسدها بأكمله ينتفض ، هجمت الذكريات السيئة على ذهنها ، تخيلت أن بتلك السرعة أفتعلا والداها حادث أودى بقدم شقيقتها ، رُغم إنها لم تكن بالسيارة في ذلك الحادث و لكنها استطاعت ان تشعر بذلك في تلك السيارة ، بدأت تلك الحقيقة تتجسد أمامها شيئاً فـ شئ ، و بالفعل لاحظت شاحنة ضخمة يصدر منها أبواق الأنوار العالية التي كادت أن تُعمي بصرها ، جحظت عيناها بقوة و قلبها يدق بعنف شديد غطت وجهها بكفها و كأنها تريد أن تختفي من ذلك العالم ، و باللحظة الأخيرة أنحرف "ظافر" بالسيارة ليتنحى بها جانباً ، أهتز صدره علواً و هبوطاً من الذي كاد أن يحدث بهما ، تلك هي الحياة ، فقط ثوانٍ معدودة شعر بهما أن الحياة توقفت ..!!! التفت لينظر إلى "ملاذ" التي لازالت تخفي وجهها داخل كفيها كالأطفال ، الصمت يسود السيارة سوى أنفاس "ظافر" اللاهثة ، لا يعلم كيف سيتصرف ليمد كفيه يزيح كفيها عن وجهها قائلاً بنبرة لاهثة : - متخافيش .. مافيش حاجة حصلت ، أنتِ كويسة ؟ أخذت "ملاذ" بعض الدقائق تستوعب بهما ما حدث ، و لكن نبرته الدافئة جعلتها تسند رأسها على كفيها الموضوعتان على فخذيها ، رأسها تميل للأمام لتنساب خصلاتها مسترسلة حول كتفيها ، بنبرة قوية تمتمت : - روّحني !!!! حاول تهدأتها ببعض الكلمات : - أهدي مافيش .. بترت عبارتها بصراخها بوجهه بقوة شديدة حتى ألتهب وجهها : - روَّحني دلوقتي حالاً !!!!! أغمض عيناه محاولاً التحكم بأعصابه ، فـ و لأول مرة يصرخ أحد بوجهه بتلك الطريقة و لكنه مراعياً فزعها وخوفها .. أنطلق بالسيارة ولكن بسرعة أهدأ و طوال الطريق لم يسمع سوى صوت أنفاسها العالية .. قاطع ذلك الصمت الذي ساد بينهما و الجو المشحون بذبذبات هاتف "ملاذ" الذي صدح صوته بالسيارة ، تفاجأت "ملاذ" بأسم "براءة" يلتمع بالشاشة ، فمنذ الكثير من الوقت لم تهاتفها شقيقتها ، سريعاً ما ضعطت على زر الإجابة لتضع الهاتف على أذنها بنبرة حنونة للغاية : - براءة ..!! جحظت عيناها عندما وجدت السيدة "فتحية" التي تعتني بشقيقتها تصرخ بأن عليها المجئ بالمشفى الأن فحال شقيقتها سئ .. انقبض قلبها و توقفت الأحرف على طرف شفتيها ، لم تكن تملك القدرة حتى للرد عليها ، ألتفتت إلى "ظافر الذي كان يوزع نظرات استفهامية بينها وبين الطريق ، أخبرته بنبرة متوجسة : - متروحش البيت أطلع ع مستشفى **** بـسـرعـة !!!!! • • • • ترجلت "ملاذ" راكضة حتى كادت أن تتعثر بخطواتها و هي ذاهبة نحو المشفى ، لحق "ظافر" بها و لأول مرة يراها بذلك الفزع ، ركض وراءها ليلحق بها ليمسك برسغها قائلاً بنبرة هادئة : - ممكن تهدي عشان نتصرف .. تلوت بين ذراعيه صارخة به في غضبٍ ليتركها ، تركها "ظافر" بالفعل بدمٍ بارد ، ذهبت "ملاذ" إلى موظفة الاستقبال تصرخ بها : - فين براءة .. براءة خليل الشافعي .. أرتبكت الأخيرة من صراخها بوجهها لتبحث بين أسماء القابعين بالمشفى لتجد بالفعل الأسم ، تمتمت موظفة الأستقبال قائلة بنبرة خائفة : - في أوضة 301 الدور الرابع لم تنتظر لتركض نحو المصعد ، ضغطت على الزر منتظرة قدومه ، فركت أصابعها بتوتر شديد ليقف "ظافر" بجانبها بشموخٍ كالمعتاد ، حاول تهدأتها بنبرة دافئة لطيفة : - بإذن الله أختك هتبقى كويسة .. نظرت له من فوق كتفيها ليأتي المصعد ، أستقلا كلاً منهما المصعد لتضغط على الطابق الرابع ، الوقت يمر كمرور سنوات وليس مجرد لحظات طفيفة ، صدرها يعلو ويهبط من فرط خوفها على شقيقتها ، فـ هي لن تتحمل أن تصاب بأذى ، سستحول دون أذيتها ولو كلفها ذلك حياتها .. بينما "ظافر" لم ينبث ببنت شفة ، فقط يراقب تعابير وجهها القلقة ، حتى ذلك القلق الذي غلف صفحات وجهها لم ينقص من جمالها أو جاذبيتها مقدار ذرة ، بل باتت و كأنها لوحة فنية متوجسة رُسمت بقلم رسامٍ محترف .. وصل المقعد و أخيراً لتركض "ملاذ" خارجه منه وقفت أمام الغرفة المطلوبة لتفتح بابها على حين غُرة ، رقت تعابير وجهها عندما رأت غاليتها تجلس على الفراش نصف جلسة أمامها تجلس "فتحية" ممسكة بصحنٍ من الحساء الساخن ، كانت تطعمها برفق .. أنزوت شفتيهاا بأبتسامة حانية ، دلفت الغرفة بخطواتٍ مترددة و هي تُمضي نحو فراشها ، نظرت لها "براءة" بغضب صارخة بها : - أنتِ جيتي هنا ليه ؟!!!! أسبلت "ملاذ" بعيناها قائلة بنبرة هامسة لصوتها المبحوح من كثرة الصراخ : - جيت أتطمن عليكي .. - أطلعي برا !!! رمت بكلمتها التي كانت كاللكمة لقلب "ملاذ" الدامي ، لم تعيرها "ملاذ" أهتمام أو هذا ما اظهرته ، رسمت الجمود على وجهها ببراعة لتشير إلى "فتحية" بالأبتعاد ، انصاعت لها "فتحية" لتضع الصحن الذي بيدها على الطاولة الصغيرة القابعة بحجر "براءة" جلست "ملاذ" على طرف الفراش لتأخذ هي الصحن ممسكة به ، همت بإطعامها لترمي "براءة" الصحن بقوة على الأرضية ، تناثر بعض من الحساء الساخن على كفي "ملاذ" ، و لسخونته الشديدة أغمضت "ملاذ" عيناها تفرك يدها التي شبه أحترقت و لم تتغير تعابير وجهها قط ، أشتعلت حدقتي ذلك الذي يقف يراقبهما ، كان يحاول التماسك محاولاً ألا يتدخل بشؤنهما ولكن عند فعلة شقيقتها تلك لم يستطيع التحكم بأعصابه ليذهب نحوهما ، أمسك بكف "ملاذ" غير منتبهاً لذلك الحرق ، تمتم بنبرة حادة كالنصل : - قومي يا ملاذ نمشي .. نظرت له "براءة" بنظرة مشدوهة ، أرتسمت علامات الأعجاب داخل عيناها من ذلك طويل القامة و صدره العريض و غابات الزيتون بعيناه ، أخفت نظرات الإعجاب سريعاً لتنتهز الفرصة لتنهرها شقيقتها أمامه لتشعر بالخجل أمامه غير عابئة بمشاعرها : - خودها و امشي يلا ، مش عايزة أشوف وشك يا ملاذ في بيتي مش ناقصة قـرف يا هانم !!!!! لم تتغير تعبيرات وجهها الهادئة ، و لكن داخلها براكين مشتعله على أهُبة الأستعداد لتحرق الأخضر واليابس ، أشتدت كفيه على كفيها مغمضاً عيناه و هو شعر بروحه تحترق ، لم يستطع السير هكذا دون أن يردها لها ، صاح بها بنبرة نارية كالجحيم : - لما تعرفي تتكلمي مع أختك الكبيرة يبقي أتكلمي ، أه وبالمناسبة أنتِ فعلاً متستهليش يبقى عندك أخت حنينة زيها .. جذب "ملاذ" من يدها ليسيرا في ممر المشفى ، كانت مستسلمة تماماً بين يداه ، وقفا أمام المصعد ينتظرا مجيئه ، وبدون وعيٍ منه ضغط على كفها بقوة ، أنفلتت شهقة متألمة من ثغر "ملاذ" ، تفاجأ "ظافر" بها تبعد يداها عنه تفرك كفها بألم ظهر على قسمات وجهها ، نزل بناظريه لكفها ليجد الأحمرار يسود مع ندبة تصل من مقدمة أصابعها حتى رسغها ، قطب حاجبيه بقوة ليجذب كفها متمتماً بصدمة : - إيدك مالها ؟!!! سحبت كفها مجدداً من كفه الغليظ و هي تقول محاولة ألا تظهر الألم القابع داخل عيناها : - سيبني .. ملكش دعوة.. تقلصت ملامحه بغضبٍ أهوج و عينان سودويتان ليجذب ذراعها نحوه لتصتدم بصدره عيناها تقابل عيناه الزيتونية الحادة ، لفحت أنفاسه الساخنه وجهها عندما نهرها بحدة : - بلاش عناد يا ملاذ ، و أخر مرة تتكلمي معايا بالأسلوب دة !!! لم ينتظر ردّها ليمسك بكفها بلُطف داخل كفيه الغليظتان ، اشفق على حالها عندما رأى تلك الندبة ، ظن أنها من ذلك الحرق علاوةً على أحمرار كفها الرقيق ، و أكمل هو عندما ضغط عليه بقوة غير مقصودة لتطبع أصابعه على كفها ، تحدث بلطف تلك المرة و هو يأخذ كفها داخل كفه الخشن : - تعالي هجيب دكتور يشوفك .. لا تعلم لِمَ لم تعاندها تلك المرة ، و لكن نبرته الحانية التي تغلغلت بين ثنايا روحها جعلت فمها مطبوق منصاعة له .. فقط تلك المرة ..!!! • • • • بالفعل أطمئن الطبيب على أحوالها ووضع لها ضمادة حتى تمنع الحرق من الملوثات ، لم تُخفى نظرات الإعجاب التي كان ينظر بها الطبيب إلى "ملاذ" عن "ظافر" .. ، لا يعلم لما شعر بأنه يريد الفتك بذلك الطبيب الوسيم ، تغاضى عن فعلته الأن ليقف أمام "ملاذ" واضعاً كلتا يداه بجيب بنطاله و هو يسألها بنبرة فاترة : - بقيتي كويسة ؟! أومأت له "ملاذ" و لم ترد .. بينما لم يستطيع "ظافر" محاربة فضوله أكثر و هو يسأل عن تلك الندبة : - هي الندبة اللي كانت في إيدك دي من الحرق؟!!.. رفعت بصرها له بنظرات غامضة ، نفت برأسها و عيناها لازالت معلّقة على حدقتيه الساحرتان ، همّ بأن يسألها عن سبب وجودها ولكنها قالت بنبرة غامضة : - عايزة أمشي من هنا .. ثم خرجت من الغرفة تُسبقه نحو المصعد ، أغمض "ظافر" عيناه يحاول تهدئة نفسه .. يشعر كما لو أنه يصارع حرباً نفسية داخله ، خرج أيضاً من الغرفة و هو يراها تقف أمام المصعد محدقة بالفراغ مكتفة ذراعيها أمام صدرها ، وصل المصعد ليستقلا إياه ، عاد "ظافر" واضعاً كفيه بجيب بنطاله بهيبة لا تليق إلا به ، ألتفتت له "ملاذ" محدقة به ، ظلت تنظر له لبعض اللحظات لتلاحظ ثغره الذي أنزوى بسُخرية : - خلاص عرفت أني وسيم ..!!! جحظت عيناها متمتمة بصدمة : - نعم ؟!!! التفت لها يمنع ضحكته بصعوبة : - أصلك مبحلقة فيا من أول م دخلنا الأسانسير !!! ضيقت عيناها بغيظ ليصل المصعد منقذ إياها من ذلك الموقف المقحمه به ، سبقته بخطوات سريعة ليبتسم "ظافر" مكشراً عن أسنانه اللؤلؤية .. ذهبت نحو سيارته لتستقل المقعد الذي يجاوره تزم شفتيها بغضب حتى أشتعل وجهها أحمراراً من شدة الغيظ ، أستقل "ظافر" السيارة ينظر لحالها ، أنفلتت منه ضحكة رجولية صاخبة صدحت بأرجاء السيارة ، ليست فقط السيارة ، بل نشرت صداها في جوارح تلك المسكينة الجالسة جواره ، لأول مرة تراه يضحك من قلبه هكذا ، طرق قلبها كالطبول و هي تنظر له بذهول مُحبب ، تابعت تحرك تفاحة أدم خاصته التي تعلو وتهبط لضحكاته ، رنت بأذنها تلك الضحكة تقسم باللذي لا إله إلا هو أنها ستظل محفورة في قلبها مهما حيت !!! أبعدت خصلة سقطت على وجهها لتضعها خلف أذنها ، لوهله تبعثرت روحها في الأرجاء ، شردت أمامها فكيف ضحكته تكن بذلك الجمال و الرجولية البحتة ، إزدردت ريقها تحاول أبعاد تلك الأفكار عن ذهنها ، ألتفتت له مجدداً لتجد أبتسامة عابثة تتراقص على شفتيه المرسومة بدقة ، تمتمت بهمسٍ سمعه "ظافر" : - ضحكتك .. عاملة زي الأطفال !!! رفع أحد حاجبيه بخبث قائلاً بعدم فهم زائف : - قولتي أيه ؟! أرتبكت سريعاً لتخىج منها العبرات متلعثمة : - مقولتش حاجة .. ممكن تمشي بقى عشان عايزة أروح .. أومأ دون أن يتكلم ، و لكن أبتسامته العابثة لاتزال تزين ثغره !!! • • • • أوصلها للعنوان الذي أخبرته به ليقف بسيارتها أسفل ناطحة السحاب التي لا يقطن بها سوى أصحاب الطبقة المخملية .. ألتفتت له "ملاذ" تنظر له قائلة بلطفٍ زائف : - ميرسي على اللي عملته معايا النهاردة و ع الغدا اللي أتغديتوا عندكم .. أومأ بأبتسامة بسيطة ليقول هو الأخر بجدية : - الـ uniform هستلمه أمتى ؟!! - هبدأ اصمم فيه النهاردة .. أومأ هو بجدية ، كادت أن تترجل "ملاذ" لتلتفت له و بدون مقدمات أقتربت بشفتاها لوجنته المزينة بلحية زادته وسامةً لتطبع قبلة رقيقة على وجنته ، تصلب جسد"ظافر" غير مصدقاً ما فعلته ، همست بأذنه بنبرة صوتها المميزة : - بـاي !!!! ثم تبخرت من أمامه ، و كأنها كانت مجرد سراب ، لم يلاحظ أبتسامتها الخبيثة التي أرتسمت على وجهها عندما أدارت ظهرها له ذاهبة إلى شقتها و خطتها تسير بنجاحٍ باهر ، لم يعي "ظافر" ما حدث و نعومة شفتيها لازال يتذكرها ، أغمض عيناه فـ لو كانت بقت لدقيقة أخرى لكان أقدم على فعل حقاً يروق له .. أخرج هاتفه من جيب بنطاله يضغط على أزراره بأنفاس تهتاجٍ ، وضع الهاتف على أذنه يقول بنبرة قوية : - ملاذ خليل الشافعي ، تعرفلي عنها كل حاجة من أول من أتولدت لحد اللحظة دي ..!!!! • • • • وصل "ظافر" قنا بقريته إلى قصر الهلالي ، أول من قابل كان شقيقه الذي أخبره بنبرة جادة : - ظافر عايزك دقيقتين .. تحدث "ظافر" بإرهاق : - باسل مش قادرة أتكلم جعان نوم ، أجل أي حاجة لبكرة .. اوقفه "باسل" ممسكاً بساعده بنبرة لا تحمل النقاش : - ظافر .. مش هاخد من وقتك دقيقتين .. قطب "ظافر" حاجبيه لجدية "باسل" الشديدة بالحديث رُغم روحه المرحلة ليعلم أنه حقاً حديث هام ، أومأ له ليذهبا نحو مكتب "ظافر" ، دلفا للمكت ليجلس "ظافر" أمام شقيقه قائلاً : - خير يا باسل في ايه ؟ تنهد "باسل" قائلاً بنبرة لا تزال جدية : - عايز أتجوز !!!! حافية على جسر عشقي الفصل الخامس تفاجأ "ظافر" بما قاله "باسل" ، تمتم بنبرة متسائلة بجدية : - تتجوز ؟ دلوقتي !!! أومأ "باسل" بإصرارٍ و تحدٍ يلتمع بعيناه و هو يبادر بنبرة جامدة : - الوقت دة أكتر وقت مناسب .. أشتعل صدر "ظافر" غضباً لينهض صارخاً به : - أنت أتجننت يا باسل ؟ أخوك يبقى عامله المصايب دي ومرمي في المستشفى و امك لسة طالعة من نكسة وتقولي عايز أتجوز !!!! نهض "باسل" قبالته قائلاً بعقلانية : -ظافر أهدى .. مش لما تعرف الأول هتجوز مين ؟!! مسح "ظافر" على وجهه بغضب و هو يقول بسُخرية لاذعة : - وتبقى مين الهانم ؟! - رهف .. قالها كمن قال شئ أعتيادياً غير عابئاً بما فجره في وجه أخيه الذي لم يستوعب ما قاله ، أستغرق دقيقتين ليتقبل ما قاله ، و بعد ذلك الصمت الرهيب لم يقل سوى شئ واحد : - ليه ؟!!!! - حبيتها !!! قالها رافعاً كتفيه بإعتيادية ، لم يصدق "ظافر" حرف مما قاله أبداً ليبتسم أبتسامة صفراء ساخرة : - حبيت اللي أخوك كان هيغتصبها و أنت لسة شايفها من يومين ؟ أعقل يا باسل ، أنا هعتبر نفسي مسمعتش ولا كلمة !!!! كاد أن يذهب لولا يد أخيه التي أمسكت بذراعه بقوة ، عيناه بها وميض غريب تفاجأ به "ظافر" ليلتفت له بكامل جسده .. فكّر بعقلانيه قليلاً أستغرقت بعض الدقائق ، رفع أنظاره له ليقول بـ بريق مخيف ظهر في حدقتيه هو الأخر : - و انا موافق !!!!! • • • • دلفت لشقتها لتخلع حذائها ذو الكعب العالي ، ألقت بحقيبتها على الأرضية بأهمال تجلس على الأريكة ، عقدت اصابعها معاً تنظر أمامها شاردة ، لا تعلم لما بدأت تلك الاحاسيس تدفق عليها كتدفق الدم بالشرايين ، نظراته الدافئة لم تتغير من صِغره ، منذ ذلك اليوم الذي أنقذها من بين براثن أبيه ، و منذ رؤيتها لعيناه وهي صغيرة لم تتجاوز الخمس سنوات .. شعرت بشعور غريب يخالجها ، و كأنها أستوطنت عيناه !!! ذهنها يكاد ينفجر من شدة التفكير ، نظرت إلى كفها المحاوط بضمادة خفيفة ، ظهرت شبح أبتسامة على ثغرها و هي تتذكر نظراته الحنونة لها ، و عندما جذبها من كفها موبخاً شقيقتها عما فعلته ، و عند تلك النقطة تيبس جسدها صائحة بقلقٍ عارم : - براءة !!!! ركضت نحو حقيبتها لتخرج منها هاتفها ، سرعان ما هاتفت "فتحية" التي ردّت عليها بقلق هي الأخرى : - ملاذ يابنتي .. انتِ كويسة يا حبة عيني ؟! همهمت "ملاذ" سريعاً و اضعة كفها المضمد على جبينها : - كويسة يا دادة كويسة .. براءة كويسة روّحتوا البيت ؟! أسبلت "فتحية" بعيناها تشعر بالعطف تجاه تلك المسكينة لتجيبها بتنهيدة حارة : - كويسة يا حبيبتي و احنا روّحنا دلوقتي ، قوليلي يا ملاذ مين الراجل اللي كان معاكي دة ؟ أرتبكت "ملاذ" و زاغت أنظارها قائلة بتلعثم : - دة .. دة ظافر يا دادة .. بينا business .. قولي لي طيب يا دادة هي براءة كان مالها .. - ولا حاجة يا بنتي داخت شوية والدكتور قال نقص كالسيوم و اني اهتم بصحتها .. أومأت "ملاذ" متنهدة بعمقٍ لتودع "فتحية" .. همت بأغلاق الهاتف معها ولكن سمعت "براءة" تقول بنبرة حادة : - عايزة أيه تاني الست ملاذ مش قولتلها مش عايزة اسمع صوتها و لا ألمحها حتى ولا هي معندها ذرة كرامة .. انا مش عارفة أزاي قابلة على نفسها تيجي تزورني و أنا أصلاً مش طايقة أشوف وشها!!! ثم أُغلق الهاتف ، للمرة المائة و العشرون تشعر "ملاذ" بنغزة حادة بقلبها ، و كأنه يُطعن بنصلٍ حاد طعنات أماتتها و هي على قيد الحياة ، شعرت بأن شقيقتها توجه لقلبها لكمات أدمته بلا رحمة ، لم تشعر بنفسها إلا و هي تلقي الهاتف في الحائط امامها ليسقط على الأرضية تتبعثر محتوياته ، أنقبض صدرها تشعر بضيق شديد في التنفس .. و كأن الهواء لا يصل لرئتيها ، أهتاج صدرها علواً وهبوطاً لتخرج رذاذ الربو من حقيبتها .. وضعته بفمها مستنشقة إياه ، هبط صدرها مفمضة عيناه لتستند برأسها على مسند الأريكة ، تدفقت الدماء داخل عيناها التي تلونت بالأحمرار القوي ، نظرت لتلك الشقة الباردة التي تقطن بها بمفردها ، لا أحد يزورها ولا أحد يطمئن عليها ، و كل هذا بسبب من ؟ .. نعم بسبب والد "ظافر" ذاك ، عند تلك النقطة أشتعل صدرها و لمعت عيناها بوميض أنتقام مخيف ، بدت و كانها فقدت عقلها عندما لاحت أبتسامة خبيثة على ثغرها ، عادت لتلتقط هاتفها تحاول لملمة شتاته المتفرقة ، أعادته لحالته الطبيعية لتعبث به قليلاً ،وضعت الهاتف على أذنها والأبتسامة الجذابة لا تمحو من على ثغرها الصغير ، جاءها صوت رجولي من الطرف الأخر يقول بترحيب حار : - مش معقول ملاذ الشافعي بتكلم جريدتنا المتواضعة !! أزيك يا ملاذ هانم .. رفعت أنفها بشموخ يضاهي شموخ الجبل ، خرج صوتها في كبرياءٍ ملحوظ : - مش عايزة رغي كتير يا صابر ، عندي للجورنال بتاعكوا خبر بمليون جنيه هيطلعكوا لفوق !!!! تأهبت حواس المدعو "صابر " ليعتدل بجلسته قائلاً بتركيز شديد : - سامعك ؟! - مازن سرحان الهلالي في مستشفى *** دلوقتي نتيجة محاولة أغتصاب بنت و هو سكران .. ولما اخوه ظافر عرف ضربه لحد مـ كان هيموت واتحجز في المستشفى !!!! • • • • وبالفعل بعدما فعلوا الصحفيين اللازم و الذهاب إلى المشفى و تأكدوا من أنه بالفعل قابع بالمشفى ، رغم تردد مدير الجريدة عن نشر خبر كهذا لخوفه من شر "ظافر" و أبناء الهلالي باكملهم ، ولكن حثته "ملاذ" على فعل ذلك مخبرة إياه بأنها ستُعطيه "مبلغ محترم" جعلت لعابه يسيل ، كُتب ذلك الخبر -الذي كان كالفرصة الذهبية لهم- بخطٍ عريض في تلك الجريدة .. قرأت "ملاذ" الخبر على الأنترنت بأبتسامة شامتة أكتسحت شفتيها : - محاولة "مازن سرحان الهلالي" بن أكبر عائلات الصعيد و شقيق "ظافر سرحان الهلالي" بأغتصاب فتاةٍ .. ثم قرأت ما يليه عما حدث بالتفاصيل التي أخبرته بها ، لاخت أبتسامة خبيثة لا تنم بخير على شفتيها ، بل صاح عقلها بفرحةٍ بما أودت بمصيبةٍ ستلاحق عائلة "الهلالي" مهما حيت ، ألتمعت عيناها بنصرٍ له مذاقٍ لذيذ بفمها لتجلس على الأريكة خلفها بأريحية واضعه قدمٍ على الأخرى وهي تقول بغلٍ حاقد : - قربت نهايتك يا ظافر !!!! • • • • كاد أن يقتلع خصلاته من فرط غضبه ، لا يصدق من ولماذا ينشر ذلك الخبر وكيف ولا أحد يعلم ما حدث أبداً خارج عائلتهم !!! ، زمجر بعنفٍ شديد ليقلب غرفة مكتبه رأساً على عقب ، طرح بكل شيء على الأرضية بغضبٍ أهوج ، تشنج فكه بغضبٍ بل و أسودت عيناه كظلام الليل .. أقسَم برحمة أبيه أنه لن يرحم من فعل تلك الفعلة المشينة و تجرأ وأساء لسمعة عائلته ، وجد "ظافر" الباب يُفتح على مصراعيه ليجد أخيه "باسل" يكاد يطوي الأرض من غضبه الأعمى ، أقترب "باسل" من شقيقة متفادياً الأشياء المتناثرة على الأرضية و هو يقول بعصبية : - مين اللي عمل كدا يا ظافر !!!! مين ابن **** اللي عمل كدا !!! مسح "ظافر" على وجهه بعنفٍ و هو يردد بجنون تلبسه : - معرفش معرفش !!!! ثم تابع متمتماً بسرعةٍ و كأنه يسابق الوقت : - أسمع يا باسل .. أنت لازم تتجوز البنت دي بسرعة بأسرع ما يمكن و تاخدها وتسافر على مصر .. أومأ "باسل" سريعاً مؤكداً على.كلامه المنطقي : - فعلاً دة اللي هيحصل عشان نشيل عننا أي شبوهات و نصرّح أن هي مراتي و أن مازن مستحيل يقرب من مرات أخوه ..!! - صح .. دة اللي هيحصل يلا روح خدها دلوقتي ع أقرب مأذون و أكتب كتابك عليها و سافروا مصر روح ع شقتي اللي في المعادي غير اللي في الزمالك و انا هديك المفتاح .. ثم ذهب "ظافر" إلى خزانته ليفتحها مخرجاً مفتاحاً فردي ليُعطيه إلى "باسل" الذي أنطلق من أمامه سريعاً .. أعتلى الحقد ملامح "ظافر" قائلاً بتوعدٍ مُريب : - هدفع اللي عمل كدة تمن غلطته كبير أوي .. أخذ مفاتيح سيارته لينطلق خارج القصر بل خارج قنا بأكملها متجهاً إلى القاهرة .. • • • • جلسا الفتاتان "رهف" و "ملك" يتسامرون بأشياء عدة يتخلل حديثهم ضحكاتهم المرحة ، ليقتحم "باسل" الغرفة دون أستئذان و هو يقول سريعاً : رهف ألبسي أي حاجة من عند ملك و هاتي بطاقتك و حصليني على تحت .. كانت نبرته لا تنم على خير أبداً لتضيق "رهف" ما بين حاجبيها قائلة بغرابة : - ليه ؟ هنروح فين ؟! .. أنفجر بوجهها فالوقت يمر على تساؤلاتها الحمقاء : - أنتِ هترغي ألبسي يلا مش عايز كلام كتير !!! تفاجأت من صراخه بوجهها لتومأ برأسها بهدوء ، كاد أن يخرج لولا "ملك" التي أوقفته متجه له و هي تشعر بأن أخاها ليس على ما يُرام ، أمسكت بذراعه المفتول قائلة بتساؤل عجيب : - خير يا باسل شكلك أجده مش مظبوط في حاچة حُصلت ؟ نفى برأسه يحاول أن يرسم أبتسامة زائفة ليطمئنها ، حاوط كفيه الغليظتان وجهها و يُملي عيناه من شقيقته الصغيرة فهو لن يراها لفترة ربما تكون طويلة حتى تهدأ الأوضاع ، خرج صوته في حنو ودفئ لطالما كان يغلف نبرته : - مافيش حاجة يا حبيبتي .. لو أحتاجتي أي حاجة قوليلي و قولي لظافر و قولي لأمك متزعلش مني !! وقع قلب الأثنتان أرضاً تتعالى نظرات الدهشة من حدقتي كِلتاهما ليخرج "باسل" منتظراً "رهف" في سيارته .. أنتظر خمسة دقائق ليراها تنهض مرتدية إحدى قطع ملابس شقيقته المحتشمة ، أستقلت "رهف" السيارة جواره ملتفة له قائلة بتوجسٍ : - ممكن أعرف هتودينا فين ؟!! - رايحين للمأذون .. قالها بأعتيادية لا يشعر بالقنبلة التي فجرها بوجهها للتو ، نظر لملامحها يراقب تعبيراته المصدومة و شفتيها التي تحرك بهمسٍ خافت متلعثم من حجم صدمتها : - مأذون !!! ليه ! نظر لها بحنق هادراً بعصبيه : - هو أيه اللي ليه اكيد مش هنروح عنده نعمل مكرونة بشاميل .. عشان هنتجوز يا رهف !! - دلوقتي !! قالت بغباء تلبسها لتتمتم مصححة ما قالته : - يعني .. ليه بالسرعة دي ؟! - حصلت مشكلة وهنطلع ع القاهرة هنجيب المأذون هناك وياريت بلاش اسئلة كتير كانت إجابته مختصرة بإنجاز ، أدار مقود السيارة لينطلق .. • • • • وفي مكان أخر بالقاهرة و بمشفى عائلة الهلالي تحديداً .. جلست "فريدة"_ ممرضة "مازن" و التي تتابع حالته_ على الفراش امامه متأملة محياه الهادئة و المستكينة ، جفنيه المسبلتين و أنتظام أنفاسه ، لا تصدق أن ملامحه الهادئة ينبع منها ذلك الشر !! ، بدأت بتفقد حالته لتجد وجهه المكدوم قد بدأ في الشفاء قليلاً ، كادت أن تنهض من أمامه لتجد جفنيه يتحركان ببطئٍ واهن ، أقبلت عليه سريعاً تنحني بوجهها له قأئلة بقلق : - أنت سامعني ؟ لو سامعني حرك أيدك .. نزلت بحدقتيها إلى كفه لتجده يتحرك ببطئ ، همت بالركض لتنادي على طبيبها حتى يرى المريض و لكنها وجدت يده تمتمد ليمسك برسغها ضاغطاً عليه بقوة ، تجمعت حبات العرق على جبينه و هو يقول بمهس و هو مازال مغمض العينان : - أنا مش وحش أوي كدا .. والله مش وحش !!! خرجت الحروف من شفتيه مرتجفة كأرتجاف كفه الممسك بذراعيها الأن ، هي لا تُخفي أنها تشمئز منه و من أفعاله ، و لكن نبرته تلك جعلت قلبها يرق لحاله ، ربما هو يُخفي ألمٍ كبير داخله ، بلا وعي وجدت كفها الأخر موضوع على كفه الممسك برسغها ، ربتت عليه بأبتسامة ملائكية رُسمت على وجهها و هي تقول بنبرة دافئة : - أنا عارفة أنك مش وحش .. نزعت يدها من يده ببطئ لتنادي على الطبيب وقد تغيرت صورته بعيناها تماماً .. عادت "فريدة" مع الطبيب ليطمئن عليه وبالفعل أخبرها بأن حالته أصبحت تتحسن تدريجياً لاسيما أنه من أبناء عائلة الهلالي ف العناية به تكُن على أكمل وجه ، أخبر الطبيب ممرضته "فريدة" قائلاً بجفاء : - ممكن يقوم كمان شوية ، أول م يقوم أهتمي بيه كويس و بأكله .. أومأت له "فريدة" ليخرج الطبيب تاركاً إياه معه ..بمفردهما ، و بالفعل بعد القليل من الوقت فتح "مازن" عيناه السمراوتين ، وجد "فريدة" واثبة و هي تعلّق المحاليل بجانب فراشة ، طالع بشرتها ناصعة البياض و خصلاتها بلونها كالشوكولا الذائبة المنسدلة على وجها بنعومة ، براءة عيناها العسلية و أنفها الرقيق مع شفتيها المكتنزة ، بدى و كأنه يرى لوحة تمزُج بين البراءة و الأنوثة ، للحظة برقت عيناه و تعالت دقات قلبه ، هزّ رأسه بعنف يخالف ذلك الشعور الذي يخالجه عندما يراها ، بل تعالى غضبه من حاله ، وجد نفسه بلا وعي يصرخ بها بنبرة أفزعتها : - أنتِ واقفة بتعملي أيه عندك و ليه أنا لسة هنا لحد دلوقتي .. وضعت يدها على قلبها تخفف من فزعها لتطالعه بعنف هادرة به بعصبيه : - في حد يخُض حد كدا !!! ، و بعدين أنت بتزعق ليه كدا اللي يشوفك دلوقتي مش يشوفك و أنت نايم و مسالم جداً و كان شكلك .. زي الأطفال !!! أرتفعا حاجبيه و هو ينظر لها بدهشة ، و لكن سرعان ما غضبت ملامحه ليهم بالنهوض معتدلاً بوقفته و لكنه عاد جالساً عندما شعر بالدوار يهاجم رأسه ليحاوط جبينه بوهنٍ ، أمسكت "فريدة" كتفيه سريعاً لتوبخه بنبرة حانية : - مينفعش تقوم فجأة كدة عشان متدوخش ، أنا هروح أجبلك أكل عشان وشك أصفر أوي .. ثم ذهبت من أمامه و كأنها تبخرت ، لأول مرة تبقى قريبة منه هكذا ، رأئحتها تغلغلت روحه مدابعه كيانه بأكمله ، أغمض عيناه متمنياً أن تظل رائحتها معبقة بالأجواء حوله ، أنحنى برأسه ممسكاً بها سانداً مرفقية على فخذيه محدثاً نفسه بغضبٍ من نفسه : - فوق يا مازن .. أنت مستحيل تحبها أنت مش بتحب و معندكش قلب ، أنت عايزها بس عايز تملُكها و دة اللي هيحصل !!! • • • • - يعني أيه باسل راح وخد البت اللي أسمها رهف دي ؟ هو ناوي يچنني !!! صاحت السيدة "رقية" و هي تضع يدها على قلبها تخفف من الألم الذي يخالج صدرها ، حاولت "ملك" تهدئتها حتى لا تنتكس مرة أخرى و هي أيضاً لم تفهم شئ .. هدأت والدتها قليلاً و هي تقول : - طب ظافر أخوكي فين راخر (هو كمان) ؟ رفعت الأخيرة منكبيها و هي تقول بأسى : - معرفش ياما هو كمان كلمني وقالي أنه راح مصر .. ضربت السيدة "رقية" على رأسها ببكاء : - يا حزنك يا رقية ولادك الأتنين ضاعوا و الثالت مرمي في المشتشفى (المستشفى) معرفش عنه حاچة .. اهه يا حزنك يا رقية يا حــزنك !!! - ياما أهدي أبوس يدك متعمليش فنفسك أكده هما چايين بليل أن شاء الله .. قالت "ملك" مربتة على كتفيها و هي الأخرى أصبح ينتابها القلق مما سيحدث .. كانت "مريم" تستمع لهم من وراء الباب عيناها مشتعله كالجمر ، بالتأكيد ذهب وراء تلك الملعونة كما أسميتها ، ركضت إلى غرفتها تبحث عن هاتفها بعيناها لتجده قابع على الفراش ، ألتقتطه بنيران مشتعله داخل صدرها لتعبث بأزرارة لتجد أسمه مسجل لديها "حبيبي" ، ضغطت على أزراره بعنف حتى كادت أنه تهشمه ، وضعت الهاتف على أذنها و ملامحها لا تنبؤ بخير أبداً ، سمعت صوته من الطرف الأخر يقول بنبرة عادية : - في حاجة يا مريم ؟ خرج صوتها غاضب و هي تقول بصوتٍ عالٍ : - أنت فين يا ظافر ؟!! تخشب وجهه و هو يقول بنبرة تحذيرية : - متعليش صوتك وملكيش دعوة أنا فين ، و يلا أقفلي دلوقتي عشان ورايا حاجات مهمه ..!! ثم فصل الخط بوجهها ، شهقت "مريم" من أفعاله لتقذف الهاتف بالحائط أمامها ليقسط متهشماً ، هتفت بحقدٍ تلألأ بحدقتيها واضعة يدها في خصرها : - ماشي يا ظافر .. أنا هفرجيك (هوريك) .. •• •• •• حدث .. و أصبحت زوجته أمام الجميع ، فركت يداها مبعدة خصلة ثائرة سقطت على وجهها الذي يشتعل أحمراراً ، لأول مرة تكُن خائفة لتلك الدرجة فـ الأمور جرت سريعاً لتصبح الأن تقف في منزل "ظافر" الذي أعطى المفتاح إلى "باسل" ، تراه يودّع أصدقاءه الشاهدون على تلك الزيجة ، خرج الجميع من المنزل تاركين العروسين لتصبح هي و هو بمفردهما ، أقتري منها "باسل" خطوة لتبتعد هي عشر خطوات ، رفع "باسل" كلتا حاجبيه و هو يقول بدهشة : - أنتِ خايفة مني يا رهف ؟!!! نكست رأسها للأسفل و لم تنبث ببنت شفة و كأن الحروف تأبى الخروج ، رق قلب "باسل" لها مبادراً حتى يُطمئنها : - متخافيش يا رهف أنا مستحيل أغصبك على حاجة لأني مستحيل أأذيكي .. أنا عارف أنك زي أي بنت عايزة فستان أبيض وفرح بس صدقيني مكنش فيه وقت .. قطبت "رهف" حاجبيها لتتخلى عن صمتها و هي تقول بهدوء : - أنا مكنتش عايزة حاجة من دي .. كفاية أني هبعد عن شر زوج ماما .. ثم تمتمت بشك ناظرة له بتساؤل : - بس عايزة أعرف ليه دة حصل بسرعة كدا يا باسل ؟ توترت ملامح "باسل" لوهله ولكنه حافظ على توازنه حتى لا يجعلها تشعر بشئ : - أنا كنت قلقان الزفت زوج أمك دة يعمل حركة واطية من حركاته عشان كدة سرّعت الموضوع .. و كمان عشان ورث أبوكي .. أومأت "رهف" بأقتناع فهي تثق بـ "باسل" فيما يقوله ،ردد "باسل" بمزاح حتى يغير مجرى الحديث : - بقولك أيه بقا أنا جعان أوي بتعرفي تعملي أكل ولا هتسمميني و هتدخليني المستشفى و أنا لسة عريس جديد ؟ قهقهت "رهف" برقة و هي تقول بثقة : - عيب عليك أنا طباخة قديمة !!! ضيق عيناه و هو ينظر لها بشك مصطنع : - أنا قلقان منك يا رهف ..!!! صدح صوت ضحكاتها الرقيقة ، أبتسم "باسل" ملء فمه و هو يطالع ضحكتها الملائكية ، بل مال برأسه جهة اليمين ينظر لها و قد برقت حدقتيه بإحساس جديد لأول مرة يشعر به ، صمتت "رهف" و هي تنظر له بخجلٍ لينفجر الدماء في وجنتيها الممتلئتان و هي تطالع عيناه السمراوتين الساحرة قائلة بصوتٍ مذبذب : - أنت بتبصلي كدة ليه بقى ؟.. لم تمحو الأبتسامة من على وجهه ليقول بلا وعي و لأول مرة يصبح شفاف أمام أمرأة بتلك الطريقة : - ضحكتك .. حلوة اوي .. حتى خدودك وهي شبه الفراولاية كدة !!! جحظت عيناها العسلية الواسعة لتعُض على شفتيها السفلى بخفة ، ضربت بقدميها بالأرض كالأطفال و هي تقول بخجل شديد : - يا باسل خلاص بقى الله !!! قهقه "باسل"بقوة عائداً برأسه للخلف على مظهرها الذي كالطماطم الجاهزة للقضم ، نظرت له بغيظ لتذهب من أمامه إلى الغرفة التي قابلتها ، بينما صاح "باسل" و هو يقول محاولاً السيطرة على ضحكاته الصادحة : - اسمعي بس في شنطة هدوم عندك غيري لبسك و خودي شاور و تعالي عشان ناكل .. لو أتأخرتي هاكل لوحدي !!! دلفت "رهف" إلى الغرفة لتجد بالفعل حقيبة مكتظة بالملابس موضوعة على الفراش ، أخرجت بيجامة تتكون من بنطال و كنزة رُسمت عليها أشخاص كرتونية مختلفة و بنصف كُم ، وضعتها على الفراش لتبحث عن الأشياء الأخرى بالحقيبة فـ وجدتها ممتلئة بملابس الخروج و ملابس النوم و العديد من الملابس ذات الذوق الرفيع ، دلفت إلى المرحاض و لم تتذكر منامتها أبداً تاركة إياها موضوعة على الفراش كما هي .. تجولت أنظارها بإنبهار كم هو واسعٌ و به كل شئ تحتاج له .. مضت نحو رذاذ الماء لفتح الصنبور ، بعد دقائق من أنتهاءها بحثت بعيناها عن البيجامة لتضرب كلها برأسها قائلة بغباءٍ : - نسيت البيجامة على السرير .. طب وبعدين !!! ألتقطت المنشفة كبيرة الحجم لتحاوط بها جسدها ، وثبت في مكانها قليلاً و هي تفكر بصوتٍ عالي : - هو ممكن يدخل الأوضة ؟ لاء أكيد لاء يا رهف هو عارف أني بغيّر هدومي .. يارب ميدخلش .. قالت جملتها الأخيرة برجاء حار ، أمسكت بمقبض الباب لتتوقف قليلاً مفكرة : - طب م أنا أندهله هو يجبهالي أحسن !! و بالفعل فتحت الباب نصف فتحة لتصرخ بصوتٍ عالٍ حتى يسمعها : - بــاســل .. يا بـاســل !!!!! ركض "باسل" ليفتح باب الغرفة و هو يقول بهلعٍ : - في أيه يا رهف وقعتي في الحمام ولا أيه !!!! منعت "رهف" ضحكتها من الخروج لتقول من وراء الباب بخجلٍ : - أسمع يا باسل في بيجامة على السرير هتهالي لو سمحت .. ألتمعت مقلتي "باسل" بخبث لم تستطع "رهف" أن تراه ليذهب نحو المرحاض و هو يقف خلف الباب مستطرداً و هو يضع كلتا يداه في جيب بنطاله : - تدفعي كام يا حلوة ؟!! - يا باسل انجزز !!! قالت "رهف" بغضب ليبتسم "باسل" قائلاً : - طب خلاص خلاص .. ذهب نحو الفراش ليلتقط البيجامة .. نظر لها بصدمة ليلوح بها بالهواء و هو يقول بدهشة : - أيه يا رهف دة !!!! دي بيجامة بنت أختك الصغيرة دي ولا أيه !!! ضربت "رهف" الأرض بقدميها و هي تقول : - يا باسل" هات بقى أنجز الجو برد و انا لابسة الفوطة و هبرد كدة !!! أزداد بريق عيناه السمراوتين ليأخذ البيجامة متجهاً نحو المرحاض ، أنزوت شفتيه بأبتسامة ماكرة لمد البيجامة بجانبه و هو ليأمرها أن تأخذها ، مدت "رهف" ذراعها المبتل بحسن نية لتجد يد تسحبها خارج المرحاض ، لم تستطع "رهف" أن تُكتم شهقتها جاحظة العينان و هي ترى مقلتيه يتفرسان بها ، سُحر "باسل" من جمالها ، بدايةً بخصلاتها المنسدلة على كتفيها يقطران بالماء لتزحف قطرات الماء على ذراعيها و عنقها و بشرتها البيضاء ، ترفع رأسها له لقُصر قامتها أمام طوله المهيب ، عيناها العسلية تحدق به في براءة ممتزجة بخجلٍ فجعل من عيناها كلوحة فريدة من نوعها ، رأئحتها المسكرة التي تختلج جوارحه بأكملها ، كيف لها أن تكن بتلك النعومة !!!! ، و بلا وعي منه مدّ أنامله متلمساً وجنتيها الساخنتان كاللهيب من شدة خجلها ، لا يعلم لِمَ يريد أن يقترب و يقبل كل إنش بوجهها ..إحساساً داخلياً يدفعه إلى ذلك ، لم يمنع نفسه من تلك القبلة البريئة -من وجهة نظره-، ليقترب مبهوراً من جاذبيتها التي تعادل جاذبية نيوتن ، أقترب بثغره لوجنتها ليطبع قبلة بثّ بها أحاسيسه المكبوتة ، أغمضت "رهف" عيناها تستشعر شفتيه على وجنتها الناعمة ، و ذقنه الخشنة المنمقة التي ربما تجرح وجنتيها ، كانت كالهش بين يداه ، لا تعلم لمَ لم تمنعه .. و كأن قدميها شُلت !!! ، زحف "باسل" بشفتيه بزاوية شفتيها قُرب شفتيها بالضبط ، أغمض عيناه بلا وعي لِمَ يفعله ، بل توطدت أكثر قبلاته ليصبح مقبلاً كل إنش بوجهها و كأنها طعامه اللذيذ ، و جاء عند شفتيها الكرزية ، رويداً طبع قبلة رقيقة على شفتيها ، قبلة دامت كثير من الوقت .. بينما هي مستسلمة تماماً من رقة قبلاته التي جعلتها تكاد تذوب بين ذراعيه ، جذبها "باسل" من خصرها متعمقاً بقبلته لتصبح أكثر شغفاً ، أصبحت قبلته كالزلزال يعصف بكيانها ، بل و تجرأ اكثر ليمد كفه حتى كاد أن ينزع المنشفة من عليها ، هنا جحظت مقلتيها برعبٍ قوي ، تداهمت الأفكار على ذهنها كالموجات العاصفة ، أمسكت بكفيه تمنعه لتضرب صدره بقوة مبعدة إياه ، تلبستها حالة من الفزع جعلتها تبتعد عدة خطوات للخلف و هي تنفي برأسها بهيستيرية ، و كأن أحدا صفعه على وجهه ليفوق مما كان مقبل عليه ، مسح على وجهه بكفه بعنف ليستعيد رباطة جأشه ، نظر لها "باسل" رافعاً كفيه حتى يطمئنها قائلاً بصوتٍ متحشرج : - أهدي يا رهف .. متخافيش مش هعملك حاجة .. نفت برأسها بقوة أكبر ممسكة بالمنشفة مثبتة إياها على جسدها بقوة و هي تصرخ به بصوتٍ مبحوح : - لاء أنت زيهم ، أنت زي الحيوان جوز ماما و أخوك مش هتفرق عنهم يا باسل ، أبـعـد عني أنا عايزة أروح عند ماما .. أنهارت عند تلك اللحظة لتسقط على الأرضية تخفي وجهها داخل كفيها ، شهقاتها تقطع نيّاط قلبه .. كانت أشبه بخناجر تمزق قلبه ليسير صوبها .. أنحنى على ركبتيه ليصبح بمستواها ، و بهدوء شديد أبعد كفيها عن وجهها ليطالع عيناها الغارقة بالدموع العالقة بأهدابها ، حاوط وجهها قائلاً بحنو و دفئ ينبعث من نبرة صوته : - أنا مكنش قصدي يا رهف .. ومش عارف أزاي كنت هعمل كدة ، أنا أسف أنا هروح أنام في الاوضة التانية وصدقيني مش هقربلك أبداً .. بس أنا عايز أقولك حاجة يا رهف ، إياكي تاني مرة تشبهيني بجوز أمك ابن ***** دة تمام ؟.. أسبلت "رهف" بعيناها ليمسك بذقنها رافعاً إياها و هو يقول بحنان : - ألبسي هدومك و الأكل برا على السفرة أنا طلبته من مطعم جنبنا م هو أكيد مش هسيبك تعملي أكل في يوم زي دة ، كُلي و نامي .. أنا داخل أنام تصبحي على خير !!!! ثم تبخر من أمامها .. عصفتها البرودة عندما أبعد يداه الدافئتين من على وجهها .. و كأنه الأمان و المسكن لها ..~ •• •• •• •• تفاجأ مدير الجريدة بـ "ظافر" يقتحم المكتب بعنف ، وثب المدير بصدمة وقد شُلت أطرافه بالكامل ، أقترب منه ظافر بخطوات باردة ، بدت ملامحه كالهدوء الذي يسبق العاصفة ، وقف أمامه يد وضعت في جيب بنطاله والأخرى ببطئٍ شديد التفت حول عنق الأخير ليدفعه نحو الحائط بعينان سوداوية ، وضع المسكين يده على كف "ظافر" الصلب بطبيعة الحال ، حاول إزاحة كفه و لكنه كان كالجداه لا يتزحزح فقط يوجه له نظرات مشتعله جعلته يرتجف ..!! - مين اللي طلب منك تنزل الخبر ؟!!!! جحظ المدير بعيناه ليشعر بأنقطاع أنفاسه ، تلونت شفتيه باللون البنفسجي المائل إلى الأزرق ، خرج صوته في ضعفٍ شديد و نبرة صوته تختفي تدريجياً : - سيبني يا باشا ..وأنا هحكيلك على كل حاجة بس سيبني أبوس إيدك !!!! دفعه "ظافر" بقوة ليسعل ذلك الرجل بقوة لينحنى إلى الأمام و هو لا يستطيع إلتقاط أنفاسه ، نظر له "ظافر" بإحتقار ليلتفت إلى المقعد ، جلس واضعاً قدم على الأخرى ليُخرج لُفافة تبغ بنية اللون .. أشعلها بقداحته الذهبية لينفث دخانها متابعاً ذلك المدير بنظرات ثاقبة كالصقر تكاد تخترق عظمه ، جلس المدير بالمقعد المقابل إلى "ظافر" بعد أن هدأ قليلاً و أستعاد أنفاسه المبعثرة ، فرك يداه بتوتر فهو يعلم من هو "ظافر سرحان الهلالي" ويعلم بروده و جموده .. يعلم أيضاً أن لا أحد يستطيع أستفزازه فهو عندما يغضب يتحول إلى جحيم مشتعل بالنيران !!! أشار "ظافر" بسبابته ليتحدث و هو لازال ينظر له مضيق عيناه بإنصات .. و بالفعل أملى عليه المدير ما أمرت "ملاذ" بأن يتحدث به قائلاً بتوجس متلعثماً : - آآآ .. اللي قالي انشر الخبر دة .. بنت أسمها رهف ، رهف محمد الجندي يا ظافر باشا !!!!!! •• •• •• بقلم سارة محمد. الفصل السادس: دلفت "فريدة" إلى الغرفة القابع بها "مازن" و على يدها صينية بها تحمل طبق من الحساء الساخن ، وجدته مستنداً على فخذيه برمفقيه محاوطاً رأسه بعينان مغلقتان ، تنحنحت "فريدة" لتلفت أنتباهه و هي تتمتم : - الأكل .. -مش عايز ..!!! قال بأقتضاب و هو لازال على وضعه ، تقدمت منه واضعة الصينية على الكومود بجانب الفراش قائلة ببرودٍ و رسمية : - الأكل عندك أهو .. هسيبهولك لحد مـ تجوع و آآآ شهقت "فريدة عندما دفع "مازن" الصينية لتسقط على الأرضية ليتناثر الحساء مزمجراً بقوة واثباً بأندفاع : - بقولك مـش عـايـز أنتِ مبتفهميش !!! تراجعت "فريدة" للخلف من غضبه الجحيمي ، جف حلقها و هي تراقب وجهه شديد الإحمرار وعيناه اللتان تحولتان لجمرتين من الجحيم ، صرخت "فريدة" و هي تقول بلا وعي وحدةٍ : - أنت مش طبيعي .. أنت مريض مستحيل تكون طبيعي !!!!! تخشبت عيناه عليها ليقترب منها موجههاً لها نظرات مرعبة ، أبتعدت "فريدة" عدة خطوات للخلف حتى وجدت أنها حوصرت بين يداه فـ خلفها ذلك الحائط المنيع و من أمامها صدره العريض ، إزدردت ريقها تراقب وجهه الجامد وعيناه الباردتان ، لم تجد بمقلتيه ذرة من الشفقة .. لم تجد سوى جحودٍ و قسوة جعلتها ترتعد من الداخل مما هي مقبلة عليه ..!! أفاقت على صوته المخيف و هو يقول بنبرة مشتعلة : - كنتِ بتقولي أيه يا حلوة ؟!!! أستعادت رباطة جأشها لتنتصب أمامها قائلة بشجاعةٍ : - بقول أنك مستحيل تكون طبيعي ..لأن دي مش أفعال ناس سويّة !!! تلاعبت أصابعه على وجنتيها و هو يقول بوقاحةٍ بالغة : - خافي على نفسك يا فريدة .. أنا مبرحمش !!!! أبعدت وجهها بتقزز و هي تنظر له بإشمئزاز قائلة : - أنا مبخافش ..!!! رمى بها بنظرة متوعد ليلتوى ثغره بإبتسامة خبيثة و هو يقول متلاعباً بأعصابها التالفة : - أخبار أخوكي الصغير أيه .. "يزيد" !!!! جحظت عيناها تلك المرة بصدمة و كأنه أسقط دلواً بارداً فوق رأسها ، تعالت نبضات قلبها فهو علِم نقطة ضعفها الوحيدة لترتجف شفتيها أمام عيناه التي تراقبها كالصقر ، نظفت حلقها بعد أن شعرت بجفافه التام لتقول بنبرة مهتزة : - أنت تعرف يزيد منين ..!!! ، أسمع ، ورحمة أبويا و أمي لو لمست شعرة من أخويا هندمك باقي حياتك !!!! تعالت ضحكاته الصاخبة الرجولية مقهقهاً بتسلية ليبتعد عنها .. سرعان ما ظهر وجهه الحقيقي لتتوّحش حدقتيه مكشراً عن أنيابه ، أمسك بخصلاتها البندقية بقوة يكاد أن ينزع جذورها بين يداه ، شهقت "فريدة" بقوة لتضع يدها على كفه الغليظ تحاول أن تبعده و هي تصرخ به بعنف : - أبعد عني يا حيوان .. ألـحـقـونـي !!! صرخت بكل ما أوتيت من قوة ليكتم "مازن" صراخها بكفه الأخر ، أشتدت قبضته على خصلاتها محدقاً بحدقتيها الثابتتان ، أراد أن يرى ولو ذرة من الخوف في عيناها ولكن تطايرت آماله و هو لازال يرى عيناها تحطم ذلك العهد الذي أخذ به على نفسه على أن يذُلها ويجعلها كالحشرة يتركون بصمات أحذيتهم عليها، أتخذ وعداً حتى لا تعود و تتحدى أسيادها ، أعاد رأسها للوراء و الألم الذي يعصف بخصلاتها التي تكاد تتمزق من جذورها لا يُحتمل ، ظهر عنقها الطويل أمامه لينظر لها برغبةٍ سرعان دفن أنفه بعنقها و رائحة زهور اللافندر المنبعثة منها تجعله كالثمل الضال .. أغمضت "فريدة" عيناها بألمٍ جسدي و نفسي ، تشعر بروحها تتمزق عندما تعصف أنفاسه الغاضبة بشرة نحرها الرقيق ، ظنت أنه سيفعل ما أراد فعله بتلك الفتاة التي نجت من بين براثنه ، ولكنها عادت لفتح عيناها بقوةٍ تكاد تخرج من محلها عندما أستطرد بأنفاسٍ لاهثة : - هتجوزك يا فريدة ، غصب عنك أو برضاكي هتجوزك .. شهقت بقوة لتلكم صدره بقوة ليبتعد "مازن" ينظر لها بحدقتان زائغتان لاهثتان، بللت شفتيها الجافة مبتعدة عدة خطوات للخلف و نبرته التي تشع أصراراً عميقاً أخافتها ، هي تعلم إن وضعها برأسه لن يتركها إلا وهي بقايا انسانه محطمة، عند تلك النقطة نفت برأسها بقوة هيستيرية و هي تُردد : -مستحيل .. مستحيل أتجوزك فـاهـم !!!! -بـرا .. قال ببرودٍ مشيراً نحو الباب وكأنه لا يأخذ برأيها بل جوازها منه هو واقع محتوم ستتقبله رغماً عنها • • • تجولت "رهف" في منزلها بحرصٍ تتفرسه ، رأت غرفة مغلقة لتتجه نحوها ، طرقت على الباب بخفة لتسمع صوته المحبب إلى قلبها مردفاً : - أدخلي يا رهف .. كم تعشق أسمها عندما يخرج من ثغره ، أدارت مقبض الباب لتدلف ، وجدت الغرفة يُطغى عليها اللون الرمادي و ذلك الفراش الوثير الذي يتوسطها ، تنحنحت بإحراج عندما وجدته مستلقي على الفراش و جزعه العلوي عاري واضع ذراعه الملئ بالعضلات على عيناه ، أعتدل "باسل" ليجلس على الفراش ناظراً لها بحدقتيه السمرواتين الناعستان : - عايزة حاجة يا رهف ؟ نظرت "رهف" أرضاً بوجهٍ متورداً وهو تقول بقنوط : - ألبس حاجة يا باسل .. رفع "باسل" كِلتا حاجبيه قائلاً بمزاحٍ : - بس أنا مش بعرف أنام غير وانا قالع التيشرت وبعدين انا نايم ف أوضتي ..!! رفعت "رهف" عيناها له لتلتفت نحو الباب قائلة بحزنٍ : - أسفة أزعجتك .. نهض "باسل" سريعاً من على الفراش ليلتقط ذراعها مانعاً إياها من الذهاب و هو يقول : - أستني يا بنتي أنتِ بتقفشي ليه كدا أنا كنت بهزر والله .. خلاص يا ستي هلبس اهو عشان خاطر خدودك الحمرا دي !!! نظرت "رهف" أرضاً لتبتسم بخجلٍ ، ألتقط "باسل" كنزته ليرتديها سريعاً ثم نظر إلى "رهف" قائلاً بتساؤل : - قوليلي بقا كنت عايزة حاجة ؟ الأكل برا عندك على السفرة طلعيه وكلي .. وفي التلاجة اللي أنتِ عايزاه و آآآ.... - أنت زعلان مني صح ..؟ بترت "رهف" عبارته قائلة وهي تنظر بالأسفل بحزنٍ أعتلى صفحات وجهها ، قطب "باسل" حاجبيه بدهشة لتعتلي أبتسامة حانية وجهه ليمسك بذقنها رافعاً إياها بلطف قائلاً بحنو : - أولاً أياكي تنزلي عينك قدام أي حد حتى لو أنا ، ثانياً بقا أنا مقدرش أزعل منك أساساً وانتِ معملتيش حاجة تزعل .. شخصت أنظارها على عيناه السوداوية البرّاقة ، لم تستطيع وصف مشاعرها نحوه ، كل ما تعلمه أنه حنون كأبيها التي تفتقده بشدة الأن ، أبتسمت بحزن عندما تذكرت أبيها وذلك الرجل المحتل مكانهِ ، أغرورقت عيناها بالدموع عندما تذكرت ما كان يفعله بها ذلك الرجل ومحاولته للتحرُش بها وأنتهاك حُرمة جسدها قطب "باسل" حاحبيه و هو يرى الدمعة التي فرت من عيناها بل و نبرتها التي تقول أنها على مشارف البكاء : - باسل أنا شوفت حاجات كتيرة وحشة في حياتي ، فجأة لقيت بابا بيضيع من بين أيديا .. كان مريض وبيحتاج أدوية كتير و أحنا وقتها ظروفنا مكانتش أد كدا بس أنا كنت بحاول أوفرله اللي أقدر عليه كنت بشتغل صبح وبليل و كنت بدرس كمان ، و ماما مكانش بيهمها حاجة وكانت بتكره بابا أوي وكان نفسها يموت النهاردة قبل بكرة عشان تعيش حياتها ، و فعلاً بابا توفى بعد شهر ووصى ماما عليا ، و أول مـ العدة بتاعة ماما خلصت أتجوزت على طول يا باسل كأنها مصدقت ، و ماما حبته جداً لدرجة أنها كتبت كل حاجة بابا سابهالنا ليه و حتى الشقة كتبتها بأسمه .. و كنت دايماً بشوف الراجل دة بيبصلي بنظرات مكنتش مرتحالها لحد مـ فيوم ماما كانت برا و أنا كنت نازلة رايحة الشغل .. و بكل وقاحة دخل أوضتي وكان عايز آآآ .. أظلمت مقلتيّ "باسل" لترتجف خلايا جسده غضباً شديداً ، نبض فكه كالطبول ليغمض عيناه بتوعد ليقول يحثّها على الكلام : - كملي .. إزدردت ريقها لتكمل بقية الحديث بنبرة متألمة : - و لما روحت أقول لماما مصدقتنيش .. أفتكرت أني بقول كدا بس عشان أخليهم يطلقوا عشان هي عارفة أني مش برتاحله ، بدأ أنه يتمادى لما بقى واثق أن ماما مش هتصدقني و أنا للأسف مكنتش بفتح بوقي ولا بقول لحد حاجة ، لدرجة أنه في يوم خلاص كان هينفذ اللي في دماغة وقتها أنا هربت من البيت وقابلت أخوك و للأسف هو كمان كان هيكمل عليا ، أنا مريت بظروف صعبة يا باسل أنا حقيقي تعبانة أوي و حاسة أن روحي بتتسحب مني بالبطئ !! أنفجرت في بكاءٍ مرير ليجذبها "باسل"إلى صدره يدفن وجهها بجانب قلبه تحديداً ، حاوط خصرها النحيل بقوة و باليد الأخرى ربّت على خصلاتها الحريرية لتحاوط هي الأخرى خصره و بكائها يزداد ، تذكرت عناق والدها الذي مان يشبه عناق "باسل" بالضبط ، فزوجها يمتلك دفئ والدها وحنوه المفرط ، شددت على خصره لتتبلل كنزته أثر دموعها ، مسح على ظهرها مغمضاً عيناه بألمٍ ، صوت بكاءها يتردد بأذنه ممزقاً قلبه تمزيقاً .. جسدها المرتجف بين يداه جعله يود لو أن يقتل كل من تسبب بنزول دمعاتها ، توعد أمام نفسه و أمام خالقه على أن لا يترك من أذاها وجعل تتذوق المرار كؤوساً ، ألتهبت عيناه بقوة لتصتك أسنانه ببعضهما حتى كاد أن يحطمهما ، أنحنى بعيناه لها عندما وجد جسدها يتراخى بأحضانه ، نبرتها الواهنة و عيناها الناعسة التي تشبه الغزلان ترتفع نحو عيناه قائلة بإرهاقٍ : - أنا تعبانه و عايزة أنام .. أنحنى بجزعه ليضع ذراع على ظهرها والأخر أسفل ركبتيها ليحملها بخفةٍ ، تشبثت "رهف" بعنقه بعفوية لتستند برأسها على صدره ، وضعها "باسل" على الفراش بلطفٍ شديد ليجدها قد نامت ، أنحنى نحوها وعيناه تتأمل كل إنشٍ بوجهها ، أمتدت أنامله لتُزيل العبرات العالقة بعيناها و على وجنتيها الناعمة ، مال أكثر مقبلاً جبهتها ليُطيل بالقبلة مغمضاً عيناه ليُشبع نفسه بتلك القبلة البريئة ، أبتعد ينظر لها بشفقةٍ .. ف هي لا زالت لم تُكمل العشرون ولكن عيناها الحزينة تخبرك بأن الهموم أثقلت ظهرُها .. كاد أن يذهب حتى ينام خارج الغرفة ليجدها مشبثة بكفه الغليظ وهي لازالت مغمضة العينان لا تعي ما تتفوه به : - بابا متمشيش أرجوك .. متسبنيش لوحدي يا بابا خليك جنبي !!!! رقت عيناه السمراء ليبتسم بحنوٍ نحوها ، و سرعان ما أستلقى بجانبها واضعاً ذراعه المفتول أسفل رأسها والأخر حاوط خصرها النحيل ، أستند برأسه على خاصتها دافناً وجهه بخصلاتها لتكن نائمة داخل أحضانه الدافئة .. وبين ذراعيه الحنونة .. • • • • أمسك ذلك الرجل بالهاتف المحمول واضعاً إياه على أذنه و هو يقول بنشوةٍ تجلت في نبرته : - أنا عملت اللي قولتيلي عليه يا ملاذ هانم .. بس أهم حاجة تحليلي بؤي يا ست البنات !!! على الطرف الإخر ، زمت "ملاذ" شفتيها ليتقلص وجهها بإشمئزاز قائلة : - أي الأسلوب المقرف اللي بتتكلم بيه دة مش انا قولتلك هديلك الفلوس مش عايزة رغي كتير بقا .. لم تنتظر إجابته لتُنهي المكالمة بنفاذ صبر ، وضعت الهاتف على الأريكة وقد أصابها ضيقٌ كبير ، صدرها مختنق وكأن الهواء لا يصل إلى رئتيها ، أنزوى مابين حاحبيها و هي تقول موبخة نفسُها : - مالك يا ملاذ مش اللي عايزاه حصل و فضحتي عيلة الهلالي فضيحة مش هتتنسي بسهولة ؟!! أومال أنا مالي مخنوقة ليه وحاسة اني مش كويسة .. نفت برأسها بقوة مبعدة تلك الأفكار عن ذهنها لتعود قائلة بأنفٍ شامخ : - لاء يا ملاذ فوقي .. اللي مضايقة عشانه دة أبوه رفض يساعد أختك ودمر أسرة كاملة ، و لسة لحد دلوقتي أختي بتكرهني بسببه .. الرجالة كلهم ملهمش أمان ..!!! صدح رنين الهاتف مجدداً لتنظر له بقنوط ، ألتقطته لتضعه على أذنها مستطردة بنبرة فاترة : - في أيه يا عماد .. على الجانب الأخر .. زفر "عماد" بحزنٍ مغمضاً عيناه ، أخذ نفساً عميقاً متأهباً لتلك القُنبلة التي ستنفجر بوجهُها ، نظف حلقه لتتسلل العبارات من بين ثغره قائلاً : - ملاذ آآآ .. أنا عرفت مين اللي سرق التصاميم بتاع ال show اللي كان لـ "سالم العياط" .. أنتصبت "ملاذ" منتفضة معها حواسُها بالكامل قائلة بإنتباه : - مين يا عماد !!!! - لما عرفت البنت اللي خدتهم طلعت من قسم الحسابات .. لما جبتها وحبستها عندنا في المخزن وخليتها تعترف .. عرفت أن براءة أختك هي اللي بعتاها وهي اللي قالتلها تسرق التصاميم عشان تبوظلك شغلك !!!!! توقف قلبها عن النبض .. أو هذا ما تخيلته ، سارت برودة غريبة في جسدها ، برقت عيناها بدموعٍ تسربت إلى حدقتيها لتشرد في اللاشئ .. ليسقط الهاتف من كفها ليستكين على الأرضية أسفلها تاركاً "عماد" ينادي عليها ، بدت وكأنها بعالمٍ منزوي عن ذلك العالم الشرير ، شعرت بشئٍ يكمن على صدرها مانعاً إياها في التنفس ، و لأول مرة تشعر أنها لا ترغب في التنفس .. بل لا ترغب في الحياة أبداً ، أستندت على الحائط بجانبها بصدرٍ يعلو ويهبط ، رفعت رأسها إلى الأمام تنظر إلى سقف الغرفة واضعة كفها على صدرها لا تستطيع التنفس ، جلست على الأرضية تشهق بقوة تشعر بأنها بين الحياة والموت !!! تصببت عرقاً من جميع أنحاء جسدها رُغم ملابسها الفضفاضة ، وبصعوبةٍ شديدة أسترقت السمع للباب الذي يُضرب بعُنفٍ شديد ، تحاملت على نفسها لتنهض رُغم جسدها الذي بدأ بالتراخي ، توجهت نحو الباب بصعوبة مستندة عليه لتفتحه و ليتها لم تفعل .. فقد رأت أكثر وجهه تبغضه لتقول بصعوبةٍ ونبرة خافتة : - سـالـم !!!! دفعها "سالم" بذراعه القوي لتترنح "ملاذ" للخلف و هي تراه يدلف مغلقاً الباب خلفه و قد أرتسمت على وجهه معالم الخُبث و هو يقول بصوته المخيف : - أيوا سالم يا ملاذ .. سالم اللي هيطلع عليكي القديم والجديد !!!! ثم هبط بأنظاره متفرساً جسدها الرشيق و الملابس التي تظهر حدقتيه أمتلئت بالرغبة المُقززة ..! • • • • طرح بالمزهرية الموضوعة على الكومود أرضاً لتُبرز عروقه ، أشتدت عيناه أحمراراً ملتهباً ، لم يستطيع إخبار أخيه بما قاله مدير الجريدة ، هو موقن إن أخبره ربما يؤذي "رهف" لما تسببت لهم بفضيحة لن تُمحى بسهولة ، و لكن و للأسف لا مفر من إخباره .. سينتظر إلى الغد و من ثم يُخبره بما فعلته وجهاً إلى وجه ، مسح على وجهه بعصبية مفرطة لينظر لهاتفه الذي يرن ، أمسك به و بنبرة لاهثة قال : - في حاجة يا صلاح ؟! أجاب المدعو صلاح و عيناه تراقب ما أمر به "ظافر" كالصقر : - أنا واقف قدام بيت "ملاذ" هانم زي ما حضرتك أمرتني ، و في واحد طلع البُرج و سأل البواب عن شقتها .. ولما سألت البواب مين دة قالي أنه سالم العياط يا ظافر باشا .. لا .. ذلك كثير على أن يتحمله .. ماذا يُريد منها ذلك الذي صفعه بمكتبها ، تدفق الأدرينالين بأوردته عندما مرّ على ذهنه ما يُمكن أن يفعله لينتقم منها ، أنطلق كالذئب الجريح ملتقطاً مفاتيح سيارته و هاتفه ليعبُر الدرج سريعاً غير مُنتظر ذلك المصعد ، أستقل سيارته و لأول مرة من مجيئه لخبر أنتقال أبيه إلى المشفى يسوق بذلك التهور ، كاد أن يفتعل حوادث كفيلة أن تؤدي بحياته ولكن رغبته في الذهاب إليها والأطمئنان عليها من ذلك الـ "سالم" كانت أقوى بكثير ، وصل و أخيراً عبر ذلك الموقع الذي أرسله له "صلاح" حارسه و المكلّف بمراقبة "ملاذ" و جمع أدق المعلومات عنها ، ترجل من السيارة غير عابئاً بـ بابُها الذي تُرك مفتوحاً للعنان ، وجد "صلاح" بإنتظاره مخبره بالطابق التي تسكن به ليصعدا الأثنان لها وقفا خلف الباب ليسترق "ظافر" السمع .. وجد "سالم" يصرخ بصوته الجهوري ونبرته الحاقدة : - مش هسيبك يا ملاذ .. مش سالم العياط اللي يضحك عليه فــوقـي أنا مش عيل برياله سامعه !!!! لم يجد "ظافر" رد من "ملاذ" .. أنقبض قلبه بألم من أحتمالية أن يكن فعل لها شئ يتمنى ان لا يحدث ، تراجع للخلف خطواتٍ قليله ليركض تلك المسافة مرتطماً بالباب بقوة ليسقط الباب محطماً ، غلت الدماء بدمه عندما وجد "ملاذ" مستلقية على الأرضية بسكونٍ تام مغمضة عيناها بينما "سالم" يشرف عليها صافعاً إياها بكل ما أوتي من قوة ، ركض "ظافر" نحوه ليبعده عنها ، سدد له لكمات ليتكوم "سالم" على الأرضية صارخاً بألمٍ بصوته الجهوري ليركله "ظافر" في معدته و "تحت الحزام" جاعلاً "سالم" يتلوى على الأرضية يجأر بقوة و هو يقول مقبلاً حذاء "ظافر" بدنائةٍ وبخس : - أرحمني يا ظافر باشا أرجوك سيبني !!! أنحنى له بجزعه ليقبض على فكه بقوة كادت أن تُسحق أسنانه ، تشنج وجه "ظافر" بوضوح وعيناه الملتهبة تُصدر شرارات جحيمية نحو "سالم" قائلاً بزمجرةٍ كالأسد : - اللي يتجرأ ويتطاول على أسياده وعلى حاجة تخص ظافر الهلالي لسة متخلقش يا روح أمك .. و أنا هخليك تبوس رجلها هي وتتوسلها عشان تسامحك يا ***** أنتصب بقوة ليضغط على وجه "سالم" كالحشرة الحقيرة بحذائه البراق ليجعل من كرامته ورجولته خرقة ينظف بها الأرضيات ، ألتفت إلى "صلاح" ذو الجسد الضخم قائلاً بنبرة جحيمية : - أربطه يا صلاح و وديه المخزن وخلي الرجالة يعملوا أحلى شغل معاه !!! أوماً "صلاح" دون أن ينطق ، تركه "ظافر" ليتوجه نحو تلك المسجية أرضاً .. آلمه قلبه لرؤية خصلاتها المشعثة و وجهها الأحمر المكدوم وكنزتها التي تمزق جزء منها ، جلب "ظافر" إحدى الشراشف الموضوعة على الطاولة ليحاوط جسدها به ثم وضع ذراعٍ عند ظهرها والأخر أسفل ركبتيها ليحملها ، تراخى جسدها بين ذراعيه ليقترب بوجهه من وجهها ليجد أنفاسها بطيئة وكأنها تُصارع الموت .. تجمعت الجيران أثر صوت الصراخ ليشهقوا جميعهم مشفقين على حال تلك الفتاة ، يتمنوا أن تكثُر أمثال "ظافر" بذلك المجتمع ، أنزوت إحدى الجارات لتمسك بهاتفها واضعة إياه على أذنها و هي تقول بفزعٍ : - ألحقي يا ست فتحية في مصيبة!!!! نزل بها الدرج بسرعة شديدة ليستقل السيارة واضعاً إياها في المقعد بجانبها ، ألتفت سريعاً ليحتل مقعده هو الأخر ، أدار السيارة ذاهباً إلى مشفى "الهلالي" و هو يقبض على كفها الصغير متمتماً بصدرٍ مهتاج : - مافيش حاجة هتحصلك .. متخافيش !!! بقلم سارة محمد.