البنت الفقيره ساعدت ابن المليونير

الجزء الثاني الاتهام الجائر والبصيرة التي لم تُعمَ
التابلت وقع على الأرض بصوت صغير لكنه هز المكان كله.. مريم حاولت تلمسه بيد مرتعشة، لكن يد الحجة إلهام سبقتها ورفعته باحتقار وكأنه يحمل دليلاً على جريمة كبرى.
ها هي الجريمة! صرخت إلهام بصوت عالٍ، موزعة نظرات الانتصار على الحاضرين. قلت لكم المكان ده مش سبيل! والنتيجة؟ سرقة في أقل من ساعة!
سعاد وقفت كأنها صُبّت بماء بارد، مريم دموعها تجمدت وهي ترفع عينيها للجميع والله ما أخذتها.. والله ما شفتها قبل كده!
الكلام ده لغيرنا يا شاطرة! قالت لها أم التلميذ صاحبة التابلت وهي تقترب بغضب. لقيناها في شنطتك.. والدليل فوق راسك!
مدير المدرسة، الأستاذ رمزي، رفع نظارته بجدية مصطنعة البينة على من ادعى.. والشيء وجد بحوزتك.. أعتقد أن الكلام انتهى. سعاد، من اليوم أنتِ مطرودة من المدرسة، وبنتك ممنوعة من دخول أسوارها للأبد. وسنتصل بالشرطة فوراً لاتخاذ الإجراءات اللازمة!
سعاد انهارت

لمحة نيوز

على ركبتيها، دموعها تغسل وجهها الأسمر المتعب أرجوك يا سيدي.. بنتي طفلة.. عمرها ما سرقت قرش واحد.. أرجوكِ صدقوني!
مريم وقفت بجانب أمها، تمسح دموعها بكم سويترها الممزق، وتنظر للجميع بعينين صغيرتين لكنهما تحملان شموخاً لا يليق بعمرها أنا ما خنتش الأمانة.. وما أخذت حاجة مش بتاعتي!
ياسين كان واقفاً متجمداً، قلبه يخفق بسرعة لم يسبق له أن شعر بها. رأى مريم وهي تُتهم وتُهان، وهي التي كانت قبل دقائق فقط تُعلمه كيف يجمع 4 و ليصيروا 7. رأى أمها وهي تتوسل كأنها لا تملك غير الذل لتدافع عن شرفها. وفجأة، تذكر ما لاحظه طارق.. السوستة المقطوعة.. والتلميذ الذي ابتعد خوفاً..
طارق الألفي لم يتحرك بعد، لكن عينيه كانت تسجل كل شيء بدقة لم يُعهد به من قبل. رأى الخوف الحقيقي في عيني مريم، ليس خوفاً من العقاب، بل خوفاً على أمها. رأى توتر التلميذ زياد، الذي كان يضحك قبل قليل مع صديقه على ورقة امتحان ياسين، وهو يرتجف ويحاول الاختفاء خلف زميله. ورأى أيضاً كيف أن الجميع، المدير وأم التلميذ وحتى جدته، قد أصدقوا التهمة فوراً لمجرد أن المتهمين فقراء.. لا يملكون نفوذاً ولا مالاً يحميهم!
كفى! قال طارق بصوت هادئ لكنه اخترق صمت المكان كالصاعقة. لم يكتمل التحقيق بعد.. ولا أحد يُطرد ولا أحد يُتهم قبل أن نعرف الحقيقة كاملة.
إلهام التفت لحفيدها بدهشة يا طارق.. وجدنا الشيء المسروق بحوزتها.. أليس هذا دليلاً كافياً؟
الدليل المزور لا يُعتمد يا أمي. رد طارق وهو يقترب من مريم وينحني قليلاً لينظر في عينيها. قولي لي يا صغيرتي.. من وضع هذا الشيء في شنطتك؟
مريم رفعت رأسها، عيناها تتلألأ بالدموع لكنها لم تترقرق ما شفت حد.. بس كنت واقفة عند البوابة، وحسيت بحد دفعني من ورا.. ولما شفت، كان زياد واقف ورايا وبيضحك..
كل الأعين اتجهت لزياد فوراً. التلميذ البالغ من العمر 7 سنوات، ابن أحد كبار رجال الأعمال، الذي كان يرتدي بدلة بآلاف الجنيهات، ارتجف جسده كله واتسعت عيناه من الرعب.
أنا.. أنا ما عملت حاجة! صرخ محاولاً الدفاع. هي اللي سرقته!
طارق سار بخطوات ثابتة نحوه، ووقف أمامه بكل هيبة رجل اعتاد أن يُطاع انظر لي حين تتكلم. من أين علمت أن التابلت في شنطتها قبل أن تسقط؟ ولماذا ابتعدت فوراً حين رأيتها ترفعها؟
زياد صمت، وبدأت عيناه تدمعان خوفاً أنا.. أنا..
تكلم! صرخ أبوه الذي وصل للتو متأخراً ورأى المشهد من بعيد. إيه اللي عملته يا ولد؟!
انهار زياد تماماً وبدأ يبكي بصوت عالٍ أنا خبيته.. أنا خبيته في شنطتها عشان تُطرد.. كنت عايز أضحك عليها زي ما ضحكتنا على ياسين!.. كنت فاكرها هتتعاقب وهي تستاهل!
الصمت ساد المكان.. صمت ثقيل مهين.. صمت الكذب الذي انكشف فجأة أمام الجميع. إلهام شحب لونها، المدير انحدرت كتفيه خجلاً، وأم التلميذ صاحبة التابلت خفضت رأسها خجلاً من نظرات الجميع.
طارق التفت للجميع، صوته يملأ المكان بكل قوة وعدالة هذه الطفلة وأمها بريئتان.. وقد تعرضتا لأبشع أنواع الظلم، ليس فقط بتهمة ملفقة، بل بتحيز مسبق قائم على الفقر والوضع الاجتماعي! ومن اليوم، سيتغير كل شيء في هذه المدرسة.. فالعدالة لا تعرف الجيوب الفارغة ولا الجيوب المليئة.. العدالة تعرف الحق فقط!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *