حماتي رجعت الصباحيه

حماتي رجّعت الصباحية اللي أهلي جابوها بعد جوازي!
عندنا في الأرياف، من العادات إن أهل العروسة يجهزوا “الصباحية” لأم العريس، ويكون فيها زيت وسكر وسمنة، وبط وفراخ، وكحك وبسكويت وحلويات… وفي نفس الوقت بيملوا شقة العروسة وثلاجتها بكل اللي تحتاجه.
وأهلي عملوا الأصول وجابوا لحماتي صباحية تليق بيها، وأنا كنت مبسوطة إن كل حاجة تمت على خير…
لكن تاني يوم الصبح، حماتي فاجأتني بحاجة محدش كان يتوقعها!
رجّعت الصباحية كلها لأهلي، وقالت إن فيه سبب عمره ما جه على بالي… والسبب ده كشفلي من أول يوم إن جوازي من ابنها مش هيكون زي ما كنت متخيلة!
أنا هاجر، عندي 23 سنة، ولسه متجوزة محمود من امبارح.
لحد امبارح بالليل، كنت فاكرة إن أصعب لحظة في الجواز هي لحظة ما البنت تسيب بيت أبوها، وتقفل وراها الباب وهي عارفة إنها داخلة على حياة جديدة.
لكن ما كنتش أعرف إن أول صدمة في جوازي هتجيلي تاني يوم الصبح!
عندنا في البلد، فيه عادات بنحافظ عليها من زمان، ومن ضمنها إن أهل العروسة بيجهزوا “الصباحية” لأم العريس.
وأهلي، رغم إنهم ناس على قد حالهم، عملوا اللي يقدروا عليه.
أبويا وأمي كانوا لسه خارجين من جهاز بنتهم، وصرفوا كل اللي معاهم تقريبًا، وفوق ده كله عليهم ديون.
ومع كده، أبويا قال: “دي بنتي، ومش هسيبها تبدأ حياتها وهي ناقصة حاجة.”
فجهزوا الصباحية لحماتي، الحاجة زينب.
جابوا زيت وسكر وسمنة، وبط وفراخ، وكحك وبسكويت وحلويات، وحاجات كتير من اللي بنجيبها عندنا في البلد.
وكمان ملوا شقتي وثلاجتي بكل اللي أقدر أحتاجه في بداية جوازي.
كنت مبسوطة جدًا وأنا شايفة أهلي بيعملوا كل ده، وحاسة إنهم رغم ظروفهم الصعبة قدروا يفرحوني ويعملوا واجبهم.
لكن أول ما الحاجة زينب شافت الصباحية…
اتغير وشها.
فضلت تبص على الحاجات واحدة واحدة، وبعدين قالت باستنكار:
“إيه ده؟!”
أمي ابتسمت وقالت: “الصباحية يا حاجة زينب، ربنا يجعلها مباركة.”
بصت لها حماتي وقالت: “صباحية إيه بس؟! دي حتى مش مكملة عشرة آلاف جنيه!”
أنا اتصدمت.
أبويا حاول يهدي الموضوع وقال: “يا حاجة، والله دي الحاجات اللي قدرنا عليها، وإحنا عملنا اللي علينا.”
ردت عليه: “اللي عليكم؟! هو إنتوا مش عارفين عادات البلد؟”
وبعدين بصت لأمي وقالت:
“الصباحية الحلوة عندنا بتعدي العشرين ألف جنيه.”
أمي سكتت.
فكملت حماتي بكل ثقة:
“أختي مرات ابني جابتلي صباحية عدت العشرين ألف، وأنا مش هقبل بأقل من كده.”
أمي قالت لها بصوت مكسور: “والله يا حاجة، إحنا لسه خارجين من جهاز البنت، وعليهم ديون… ودي كل حاجة قدرنا عليها.”
حماتي ردت ببرود:
“أنا ماليش دعوة بديونكم.”
وبعدين زقت الحاجات ناحيتهم وقالت:
“خدوا صباحيتكم دي.”
أبويا بص لها باستغراب: “ليه؟”
قالت:
“أنا عايزة حقي ناشف.”
سألها: “حقك كام؟”
قالت بمنتهى الهدوء:
“عشرين ألف جنيه.”
ساعتها حسيت إن الكلام اتصب على دماغي.
بصيت لأمي، لقيت عينيها دمعت.
وبصيت لأبويا، لقيته ساكت ومكسور، لأنه عارف إن المبلغ ده مش موجود، وإنه لو حاول يدبره هيغرق نفسه أكتر في الديون.
أما محمود…
كان واقف وساكت.
أنا لسه متجوزاه من امبارح.
لسه حتى ما لحقتش أعيش معاه أول يوم كامل، ولسه فرحة الجواز في قلبي…
وفجأة لقيت نفسي واقفة بين أهلي وحماتي، ومش عارفة أعمل إيه.
كنت مستنية محمود يتكلم.
يقول لأمه إن أهلي عملوا اللي يقدروا عليه.
يقول لها إنهم مش معاهم عشرين ألف.
أي كلمة… أي موقف.
لكنه فضل ساكت.
وساعتها، حسيت بخوف حقيقى
مش من طلب حماتي للعشرين ألف…
لكن من إن جوزي اختار السكوت، ومن اول يوم جواز
فضلت واقفة مكاني وأنا مش عارفة أقول إيه.
أمي حاولت تلم الحاجات وهي بتقول: “خلاص يا حاجة زينب، ربنا يوسعها علينا ونشوف موضوع الفلوس ده.”
لكن حماتي ردت بسرعة: “مفيش موضوع يتشاف. أنا قلت اللي عندي… عشرين ألف جنيه، يا إما الصباحية دي ترجع لأهلها.”
أبويا بلع ريقه وقال: “يا حاجة، والله لو المبلغ موجود ما كناش اتأخرنا، بس إحنا لسه مخلصين جهاز هاجر، وعليا فلوس للناس.”
قالت: “استلفهم.”
الجملة وقعت على أمي كأنها صفعة.
قالت لها: “إحنا أصلًا مديونين.”
ردت حماتي: “ما هو الجواز له تمن.”
أنا مقدرتش أسكت أكتر.
قلت لها: “يا حماتي، أهلي عملوا اللي يقدروا عليه، والصباحية دي مش قليلة.”
بصتلي وقالت: “إنتِ مالك؟ دي حاجة بيني وبين أهلك.”
قلت: “بس دي حاجات أهلي جابوها لينا، وإنتِ رجعتيها.”
ضحكت وقالت: “لينا؟! الصباحية دي بتاعتي أنا.”
بصيت لمحمود.
قلتله بهدوء: “محمود… قول حاجة.”
رفع عينه وبصلي، وبعدين بص لأمه.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
“يا هاجر… أمي عندها حق، دي عادات بلدنا.”
حسيت إني اتخنقت.
قلت: “يعني إنت موافق إنها ترجع كل حاجة وتطلب عشرين ألف جنيه من أهلي؟”
قال: “مش موضوع موافقة، هي شايفة إن ده حقها.”
رديت: “وأهلي شايفين إنهم عملوا اللي عليهم.”
حماتي دخلت بينا وقالت: “خلاص، بدل الكلام الكتير… قدامكم أسبوع.”
أبويا سألها: “أسبوع لإيه؟”
قالت:
“عشان العشرين ألف يكونوا عندي.”
أمي بصتلها بصدمة: “وأنتِ عايزة بنتنا تعمل إيه؟”
ردت بمنتهى البرود:
“دي مشكلتكم.”
وبعدين دخلت أوضتها، وسابتنا واقفين في الصالة.
أبويا لم حاجات الصباحية، وحطها في العربية من غير كلمة.
وأنا كنت واقفة قدام باب البيت، ودموعي نازلة غصب عني.
قبل ما يمشي، أبويا قرب مني وقال:
“إوعي تزعلي يا بنتي… إحنا ما قصرناش معاكي.”
حضنته وقلت: “عارفة يا بابا.”
همسلي:
“ولو العشرين ألف هم اللي هيخلوا جوازك يكمل، أنا هحاول أدبرهم.”
رفعت راسي بسرعة وقلت:
“لا يا بابا.”
قال: “ليه؟”
قلت وأنا بعيط:
“عشان مش عايزاك تبيع حاجة ولا تستلف أكتر عشاني.”
هز راسه ومشي.
وأنا دخلت البيت وأنا حاسة إن فرحة امبارح اتحولت في يوم واحد لحِمل تقيل على صدري.
لكن أول ما دخلت أوضتي، لقيت محمود مستنيني.
قفل الباب وراه وقال:
“هاجر… لازم نتكلم.”
بصيتله وقلت:
“في إيه؟”
اتنهد وقال:
“أمي مش هتتنازل عن العشرين ألف.”
قلت: “وأنت؟”
سكت.
قرب مني وقال:
“أنا عايزك تعملي حاجة…
بصيت لمحمود وأنا مش فاهمة.
قلت: “عايزني أعمل إيه؟”
اتنهد وقال: “كلمي أبوكي.”
“أكلمه في إيه؟”
قال: “خليه يدبر المبلغ بأي طريقة.”
حسيت إن الكلام نزل عليا تقيل.
قلت: “محمود… إنت سامع نفسك؟ أبويا قالك بنفسه إنه مديون.”
رد: “عارف.”
“طب عايزه يستلف عشرين ألف كمان؟”
قال: “ما هو مش هيستلفهم لنفسه… دي عشان جواز بنته.”
بصيتله بصدمة وقلت: “جوازي أنا؟! يعني عشان جوازي منك، أبويا يفضل مديون سنين؟”
سكت شوية، وبعدها قال: “أنا مش طالب منه حاجة لنفسي.”
ضحكت من غير ما أقصد.
قلت: “أمال لمين؟”
قال: “لأمي.”
الكلمة وجعتني أكتر.
قلت: “يعني أنت شايف إن أمك من حقها تضغط على أهلي تاني يوم جوازي؟”
اتعصب وقال: “متكبريش الموضوع يا هاجر. دي عادة عندنا.”
قلت: “العادات مش معناها إننا نكسر ضهر بعض.”
فضل ساكت.
قربت منه وقلت: “بصراحة يا محمود… أنت كنت عارف؟”
رفع عينه لي.
“عارف إيه؟”
قلت: “إن أمك هتطلب عشرين ألف جنيه.”
اتغير وشه للحظة، لكنه حاول يخبي.
وقال: “مين قالك كده؟”
قلت: “محدش قال. أنا بس بسألك.”
سكت.
والسكوت المرة دي كان مختلف.
قربت منه أكتر وقلت:
“جاوبني يا محمود… كنت عارف قبل الجواز؟”
فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“أيوه.”




