ابن امه

.. إيصال الأمانة اللي كان حاميكي وحاميني.. ضاع!”.الدنيا دارت بيا، والسقف كان هيقع على دماغي.. صرخت بصوت مكتوم: “يعني إيه ضاع يا بوي؟
! ضاع كيف يعني؟!”.قال وهو بيعيط: “الورقة اللي كانت مع المأذون العرفي، المأذون مات من سنة، وأهله لما قلبوا في دفاتره وورقه ما لقوش حاجة، وإيصال الأمانة اللي كان معايا وقع مني ولا اتسرق لما كنت في المستشفى بنقل دم.
. أنا ما حبتش أقولك عشان ما أكسرش خاطرك يا بنيتي، بس إحنا معاناش ولا ورقة نثبت بيها إنك مراته أصلاً، ولا إيصال نلوّي بيه دراعه!
“.السما اتطبقت على الأرض في عيني.. الحلم اللي صبّرت بيه نفسي أربع سنين اتحول لسراب. خرجت من الأوضة وأنا ماشية زي المجنونة، مش حاسة برجليا.. ولقيت حماتي واقفة في الصالة، وحاطة إيدها في وسطها، وجوزي واقف وراها زي الخيال.
بصتلي بمنتهى التشفي والقسوة، وضحكت ضحكة سمّت عروقي، وقالتلي:”إيه يا حلوة؟ فاكرة إنك لما تتمي الـ 18 هتلوي دراعنا وتعملي فيها ست؟ أصلك فاكرة إننا مجانين ومش عارفين إن الورقة راحت وإيصال الأمانة بقى تراب؟
إحنا عارفين من سنة يا عيلة! وعارفين إن مالكيش عندنا لا حق ولا مستحق، ولا ليكي قبالنا أوراق نثبت بيها إنك دخلتي البيت ده أساساً!”.كلامها نزل عليا كأنه مية نار.. بصيت لجوزي، لابن أمه اللي صنت بيته وخدمته، ومنتظرة منه كلمة واحدة تشد أزري، لقيته بصلي بقرف ورفع حاجبه وقال بمنتهى البرود وندالة ابن الأصول:”أمي بتتكلم صح.
. أنتِ هنا لا مراتي ولا أعرفك، أنتِ كنتِ حتة عيلة أبوي جايبها تسلّيكي وتخدم البيت بلقمتها، ورقتك وبُلت.. وإن كان عاجبك تقعدي تخدمي وتحمدي ربنا إننا مأكلينك شاربينك وقافلين عليكِ باب، أهلاً وسهلاً.. مش عاجبك، الباب يفوت جمل، غوري لبيت أبويكي حافية من غير ولا مليم، ورّينا هتاخدي حقك بأنهي ورقة يا شاطرة!
“.ساعتها بس فهمت ليه كان بينازيل ينام عند أمه، وليه كانوا بيتعاملوا معايا بمنتهى الفجر والافتراء.. هما كانوا ضامنين إن ماليش ظهر، وإن الحلم اللي عايشة عليه مقتول من سنة من غير ما أعرَف. وقفت في نص الصالة، دموعي جفت في عيني، والكسرة اللي كانت في قلبي أتحولت لنار شرار.
أدركت إن الطفلة اللي دخلت عندهم وهي عندها 14 سنة ماتت، وإن الضعف والرجا في ناس ما بتعرفش ربنا مش هيجيب غير الذل. مسحت وشي بطرف طرحتي، وبصيت في عين حماتي وجوزي بثبات وقسوة عمري ما عرفتها في نفسي قبل كده، وقولتلهم بصوت هادي وزي الموس:”حق الورق ممكن يضيع.



