رواية زهرة كاملة بقلم ملك ابراهيم

بص ناحيتها بنظرة كلها غضب واشمئزاز، عينيها كانت حمرا ومورمة، بس نظراته كانت حادة زي السكين. صوته طلع ناشف ومقرف: “اسمعي كويس اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة، مفيش أي حد هيعرف إنك مراتي. انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد عشان تشتغل في الفيلا. فاهمة؟”
زهرة رفعت وشها بصدمة، الدموع وقفت في عينيها للحظة. “خدامة؟” قالتها بصوت خافت، كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
“أيوه، خدامة. وهتسمعي الكلام اللي يتقال بالظبط. ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة. وحسك عينك حد يعرف الحقيقة. لو ده حصل، وحياة عمي اللي بقى في الحالة دي بسببك، لهتشوفي وش زين اللي عمرك ما شفتيه. مفهوم؟” كمل كلامه، ونبرته كانت بتتوعد، وعنيه بتوعد بالأسوأ لو ما سمعتش كلامه. نظراته كانت بتخترقها، بتخليها تحس إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار.زين نزل من العربية ورزع الباب وراه، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة، حاطة وشها في الأرض زي ما يكون بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه. حست بنظراته اللي بتلسعها في ضهرها، كأنه عايز يحرقها من مكانها.
صفحة الكاتبة ملك إبراهيم
زين دخل الفيلا الكبيرة وهو بينادي بصوت عالي: “يا سنية! يا سنية!”
سَنِيّة، مديرة الشغل في الفيلا واللي كانت كبيرة في السن، طلعت تجري على صوته. “أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.”
زين بص على زهرة اللي كانت واقفة بعيد شوية، كأنها خيال، وقال بصوت عالي ومسموع، وكأنه قاصد كل كلمة توصل لمسامعها: “دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد. هتشتغل معاكم هنا. وريها شغلها وقوليلها على كل حاجة.”
الكلمات دي كانت زي السكاكين اللي بتغرز في قلب زهرة. حسيت إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف. نظرة سنية ليها كانت نظرة عادية، نظرة عاملة لزميلة ليها، لكن في عيون زهرة كانت نظرة احتقار عالمية. الدموع اللي كانت بتحاول تحبسها، نزلت تاني بصمت، حرقت وشها المجهد.
سنية هزت راسها وقالت: “حاضر يا بيه. تعالي يا بنتي معايا.”
زهرة ما رفعتش راسها، بس مشيت ورا سنية زي الطفلة التايهة، خطواتها كانت بتجر وراها ألم الدنيا كله. كل ما بتبعد، بتحس إنها بتفقد أكتر وأكتر من نفسها، وبتتأكد إن “مظلومة” دي كلمة محدش هيسمعها ولا يصدقها أبداً.عدى شهر، وكل يوم كان بيعدي على زهرة كأنه سنة. حياة الخدامة الجديدة كانت صعبة ومُهينة، خصوصًا لما كانت كل تفصيلة فيها بتفكرها بحياة تانية كانت عايشاها كبنت عم زين، مش مجرد “زهرة الخدامة”. كانت بتصحى بدري، تعمل شغل البيت، وتنام وهي بتعيط بصمت كل يوم، كلمه “مظلومة” بقت زي ترنيمة حزينة جواها. زين كان بيتجنبها تمامًا، وكأنها شبح، ونظراته لو صادفها كانت دايماً باردة ومُنفّرة.


