طوق الحريه منال على ١

سبـع سـنين وهو بـيمد إيـده عـليا عشـان “الخلفـة بـنات”..
وفـي اللـيلة اللي ولـدت فـيها الولـد، حـيطان المـستشفى شهـدت على الحـقيقة اللـي خـدت مـنه كل حـاجة، ورجعـتلي كـرامتي، وعـيالي، وحـقي في الحيـاة من غيـر خـوف.
— امضي هنا إنك وقعتي من على السلم، قالها “تامر” من غير حتى ما يقول حمد لله على سلامتك. وإلا وعهد الله هاخد منك البنات ومش هتشوفيهم تاني طول عمرك.
قميصه الأبيض المكوي كان بيزغلل العين تحت لمبة المستشفى النيون البيضا. قميص نضيف وزي الفل، ولا كأن نفس الإيدين دي كانت من كام ساعة بس بتجرني من شعري جمب البوتاجاز في المطبخ، وأنا بحاول أداري بطني بإيدي عشان أحمي اللي فيها من ضرباته. في صباعه كانت دبلة الجواز بتلمع، الدبلة اللي عمره ما قلعها قدام الناس عشان يفضل في نظرهم “الراجل المحترم ابن الناس الطيبين”.. الراجل المحترم ده، دبلته سابت علامة وخربوش على خدي جوه البيت. بقلم منــال عــلي
كنت ساندة ضهري على السرير الضيق، جلابيتي غرقت عرق، وشفايفي مشققة من كتر العطش. إيدي اليمين كانت بتترعش، بس كنت مخبية الموبايل تحت اللحاف وعصارة عليه بكل قوتي. مش عشان أتصل بحد.. أنا خلاص اتصلت. ومش عشان مستنية حد ينجدني.. النجدة كانت واقفة على الباب فعلاً: أمين شرطة شاب، ملامحه ناشفة، ومعاه الدكتورة “إيمان”، اللي كانت ماسكة التقرير الطبي بتاعي وكأنها ماسكة سكين هتدبح بيه الظلم.بقلم منــال عــلي
ورا تامر كانت واقفة أمه، “الحاجة ستهم”، لفة طرحتها ومطبقة إيديها الإتنين حوالين كوباية شاي، وكأن المستشفى فيها بتلج. عينيها ما جتش في عيني ولا لحظة، كانت باصة على الحيطة فوق راسي، مطرح ما أشعة إكس بتاعة ضلوعي المكسورة منورة. سبع سنين وهي بتبصلي بالمنظر ده.. بتبص “من خلالي” وكأن مش شايفة بني آدم، كأني كنت مجرد شرخ في بيت ابنها الغالي.بقلم منــال عــلي
— سامعاني يا “منى”؟ — تامر قرب خطوة، والحديد بتاع السرير عمل صوت لما سنده بإيده. — إنتي اللي هتقولي للشرطة بنفسك إن رجلك اتلوت على السلم. طول عمرك دلق وفيكي غباء في الحركة.. طول عمرك.بقلم منــال عــلي
صوته كان واطي وهادي، وده بالذات اللي كان بيرعبني. لما كان بيزعق ويجعر، كنت بقول الجيران هيسمعوا. لكن لما كان يوشوش ويهمس.. كنت بعرف إن اللي جاي سواد.
أنا دورت وشي الناحية التانية وبصيت للشبابيك. الفجر كان بيشقشق واليوم بيطلع. ومن أخر الممر، سمعت صوت عياط عيل صغير لسه مولود. الصوت الضعيف المبحوح ده ضرب في صدري بقوة خلاني مش عارفة أخد نفسي.
— عيالي فين؟ — سألت، وصوتي كان طالع مخنوق ومكتوم، كأنه مش صوتی.
تامر وشّه اتلوى بقرَف:بقلم منــال عــلي
— عيالنا.. — صلحلي الكلمة بزعيق مكتوم — الخيبتين بتوعك دلوقتي عند أختي. وادعي ربنا إن الخيبة الثالثة متبقاش زيهم.
غمضت عيني والوجع بيعصرني..
سبع سنين وهو بيسمعني نفس الكلام بأشكال وألوان. بعد ما ولدت “ليلى”، جالي المستشفى وبوكيه ورد أبيض في إيده، يبتسم للممرضات، ويبوس دماغي قدامهم، ولما الكل خرج والدنيا فضيت، مال على ودني وهمس: “المرة الجاية شدي حيلك وجيبي الراجل”.. أنا ساعتها افتكرته بيهزر! كنت بنت عندها خمسة وعشرين سنة، غرقانة في حبه، ومستوية من التعب وفرحانة بالبنت لدرجة إني ملمحتش الغل والبرود اللي في صوته.بقلم منــال عــلي
بعد ما جبت “سلمى”، مألتش حتى يشتري وردة. يوم السبوع والخروج من المستشفى كان واقف بوش خشب، وأنا أمي — الله يرحمها وقتها — كانت بتلف البنت في لفة بينك. في العربية، دَب كف إيده على الدريكسيون لدرجة إن ليلى صرخت من الخوف في الكنبة ورا.
قال بغل: “كل رجالة عيلتنا بيجيبوا صبيان.. إنتي الوحيدة اللي خلّيتيني فرجة وفضيحة وسطهم”.بقلم منــال عــلي
ولما أمي ماتت، مبقاش ليا ضهر ولا حد أروحله. أبويا الله يرحمه في قريته من زمان. والشقة اللي أمي سابتهالي وعرقت فيها عشان تضمنلي مستقبلي، طلعت متمضية لتامر، بحجة إنه “بيفهم في الأوراق ومصالح الحكومة أكتر”.. أنا مضيت عند المحامي وأنا شايلة بنتي الرضيعة على إيدي، كنت فاكرة إن مفيش راجل بيغدر بمراته اللي بتطبخله وتغسل هدومه وبتشيل اسمه.بقلم منــال عــلي
أول علقة أكلتها كانت بعد سبوع سلمى. عمه هزّر معاه على الطبلية وقال: “ها يا بو ليلى، مش هتحاول تالت عشان تجيب العزوة؟”.. الكل ضحك، وتامر ضحك معاهم. بس بالليل، بعد ما المعازيم مشيوا، مسك طبق صيني حدفه في الحيطة وضربني بالقلم على بوقي: “بسبب خيبتك بقيت لبانة في بوق اللي يسوى واللي ميسواش”.بقلم منــال عــلي
تاني يوم الصبح، جابلي روج أحمر غامق وقاللي: “حطي زفت من ده على شفايفك ومتمشيش في البيت كأنك ضحية”.
بعد كده، الضرب بقى حتة من البيت، زي صوت الباب المخلوع. مرة كتفي يتخبط في الحيطة، مرة زرقان تحت ضلوعي، ومرة خصلة من شعري تطلع في إيده. عمره ما ضربني قدام البنات أبداً عشان ميربّيش فيهم عقد، بس العيال بيسمعوا وبيحسوا باللي بنخبيه تحت المخدات. ليلى اتعلمت تكتم عياطها ومتطلعش صوت، وسلمى بقت تترعش وتتنفض لو شافت راجل بيتخانق في التلفزيون.
حاولت أهرب.. مرتين.بقلم منــال عــلي
أول مرة، حماتي “الحاجة ستهم” قفشتني في موقف العربيات وأنا معايا شنطتين والبنات في إيدي. قعدت جمبي، وظبطت شالها، وبصت لزرقان وشي وقالتلي ببرود: “الرجالة كلهم حاميين وطبعهم حامي يا منى، بس ابن عاقل ومبيشربش وقرش بيته بيدخله جواه. هتروحي فين؟ والناس هتاكل وشنا وشماتة الناس وحشة”.بقلم منــال عــلي
وتاني مرة، تامر بنفسه رجعني. كان بيبتسم للجيران وهو شايل سلمى على كتافه، بس كان عاصر على معصم إيدي لدرجة إن صوابعي قعدت تلات أيام مش عارفة أفردها.
وفي الأسانسير قاللي: “إنتي مراتي.. إياكي تنسي إنتي إيه من غيري.. إنتي ولا حاجة”.بقلم منــال عــلي
لما حملت التالت، اتغير تماماً لكام أسبوع. كان بيشتري فاكهة، ويحط إيده على بطني ويسألني: “البيبي بيتحرك؟”. كنت بشوف عينيه بتلمع بجوع وجشع لما يسمع كلمة “الولد”. كان خلاص سماه “ياسين”. كان بيتكلم مع بطني، بس مبيكلمنيش أنا.بقلم منــال عــلي
في الشهر الخامس، دكتورة السونار قالتلي إن البيبي قاعد قعدة مش مظبوطة والنوع مش باين دلوقتي. تامر وشه جاب ألوان من الغل جوه العيادة: “يعني إيه مش باين؟ إنتي مش دكتورة والكمبيوتر ده شغال ولا إيه؟”.بقلم منــال عــلي
الدكتورة إيمان بصتله بنظرة هادية وواثقة، ساعتها حسيت إن في حد قاري اللي جوانا وشايف الحقيقة اللي بنخبيها. بعد الكشف، دست في إيدي كارت الصيدلية بتاعها، وكتبت ورا بخط صغير: “لو حسيتي بأي خطر.. كلميني فوراً.. مفيش وقت للخوف”.بقلم منــال عــلي
شيلت الكارت في بطانة شنطة هدوم البنات.
امبارح بالليل، تامر رجع بدري. كنت واقفة في المطبخ بخرط بطاطس، ليلى بتكتب واجبها، وسلمى بتلعب بالمكعبات. تليفون تامر رن، بص على الشاشة وخرج البلكونة. ملقطتش غير كلمات مقطعة: “متأكدة إنها بنت؟.. واثقة؟…”.
بعدها دخل المطبخ بهدوء يخوف.بقلم منــال عــلي
— كنتي عارفة؟ — سألني.
— عارفة إيه؟
— متستعبطيش.
حدف على الترابيزة ورقة سونار مطبوعة. مش بتاعتي.. بتاعة حد تاني خالص، بس تحت مكتوب اسمي بخط إيد ملخبط. ملحقتش أنطق وأقول إني عمري ما شفت الورقة دي.. ضربني بالبونية في وشي لدرجة إني وقعت على سيراميك المطبخ.بقلم منــال عــلي
ليلى صرخت: “بابا لا.. عشان خاطر ربنا لا!”
عينيه ساعتها كانت فاضية، مفيهاش روح آدمية: “اخرسي!”
فاكرة منظر سلمى وهي بتستخبى تحت الترابيزة، والبطاطس وهي بتتدرج على الأرض. كنت حاطة إيدي الإتنين على بطني وبصرخ وأنا بهمس: “عشان خاطر اللي في بطني يا تامر.. ارحمني”.. وهو وطى عليا وقال: “بقى لي سبع سنين مستني الواد، وإنتي جاية تجيبلي العار تاني”.
بعد الضربة التانية.. الدنيا اسودت ومبقتش حاسة بحاجة.
فوقت على ليلى وهي حاطة الموبايل على وشي وبتعيط بدموع قهر: “ماما.. أنا درست على الزرار الأخضر.. ماما اصحي عشان خاطري”.بقلم منــال عــلي
ده كان زرار الاتصال السريع اللي كنت مبرمجاه على رقم الدكتورة إيمان بعد أخر مقابلة لينا. بنتي اللي عندها تسع سنين.. هي اللي أنقذت حياتي.
دلوقتي، تامر واقف جمب سرير المستشفى، بيظبط أسورة قميصه وفضل فاكر إن لسه قادِر يؤمر الدنيا إنها تسكت.
وقال بنبرة ثقة: “أنا اتكلمت مع مدير المستشفى، كلنا ولاد تسعة ومحدش عايز شوشرة وفضايح. هتمضي على التنازل المحضر ده إنك وقعتي، والبنات هتشوفيهم لما تهدي”.
أمين الشرطة اللي واقف على الباب ضغط على سنانه بغيظ، والدكتورة إيمان قدمت خطوة: “المريضة مش هتمضي على أي ورقة تحت التهديد”بقلم منــال عــلي
تامر لف ليها بابتسامة خبيثة أنا عارفاها حفظتها، دي الابتسامة اللي بيوزعها على موظفين البنك، البياعين في المحلات، ومدرسين البنات في المدرسة.
— “يا دكتورة إيمان، ياريت متدخليش بين الراجل ومراته، دي بيوت مقفولة”.بقلم منــال عــلي
— “لما الست تدخلي المستشفى بنزيف شديد، وكسر في الضلوع، وآثار ضرب مبرح في كل حتة في جسمها، دي مبقتش بيوت مقفولة.. دي بقت قضية وشروع في قتل”.
الحاجة ستهم فجأة حطت كوباية الشاي على الكومودينو. صوت الصيني عمل رنة ناشفة خلت الكل يلتفت لها.
قالت بصوت واطي: “تامر.. خلاص.. كفاية لحد هنا”.
هو مبصلهاش أصلاً: “أمي.. متدخليش إنتي كمان”.
حسيت بالموبايل بيسخن في كف إيدي. الشاشة كانت منورة.. والتسجيل شغال.بقلم منــال عــلي
تامر وطى عليا أكتر، وريحة بوقه كانت ميكس قهوة بالنعناع: “قوليلهم إنك وقعتي.. قولي إنك جالِك حالة نفسية وتعبتي.. قولي إنك غلطتي وأنا كنت بربيكي”.
فتحت عيني، ولأول مرة من سبع سنين.. مبعدتش عيني عن عينيه. وبصيتله بكل قوة وقلت:
— لا.بقلم منــال عــلي
هو تنّح.. كأنه مسمعش الكلمة صح. كأن كلمة “لا” دي لغة غريبة مش موجودة في قاموس بيته.
— إيه؟
طلعت الموبايل من تحت اللحاف ودوست على الشاشة. وفي وسط سكات الأوضة الكئيب، طلع صوته بتاع امبارح بالملّي: “بقى لي سبع سنين مستني الواد، وإنتي جاية تجيبلي العار تاني”.. وبعدها صوت خبطة مكتومة، وصرختي، وعياط ليلى المقهورة، وصوت سلمى الرفيع وهي بتقول: “يا بابا م تضربش ماما عشان خاطري…”.
وش تامر اتخطف ودَمُه هرب:بقلم منــال عــلي
— ده.. ده تركيب ومونتاج! — قالها وهو بيقطع في الكلام.
قلتله وصوتي تعبان بس طالع زي الرصاص:
— التسجيل ده اتبعث تلقائي لأختي، وللدكتورة، وللمحامي بتاعي.. وللنيابة دلوقتي.
لف بسرعة لأمين الشرطة وصوته عِلي: “أنتم ملكمش حق تعملوا كده…”بقلم منــال عــلي
أمين الشرطة رد عليه بهدوء وبرود قاتل: “لأ.. لينا حق ونص.. اتفضل معايا”.
وفي نفس اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، ودخلت الممرضة بتاعة الرعاية. كانت باين عليها التعب الشديد وعينيها حمرا من السهر، بس أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة دافية خلت قلبي يترعش:بقلم منــال عــلي
— مدام منى.. الحمد لله، المولود حالته استقرت وخرج من المحضن، وبيتنفس طبيعي دلوقتي ومؤشراته زي الفل.
تامر لف راسه بسرعة زي المجنون:بقلم منــال عــلي
— المولود؟!بقلم منــال عــلي
الممرضة بصتلي وبصت للدكتورة، ومكنتش فاهمة الشد والجذب اللي في الأوضة:بقلم منــال عــلي
— آه.. ولد زي الفل، وزنه زاد شوية بعد المحضن والدكاترة بيقولوا زي الورد.
الأوضة بقت ساكتة سكات الموت، لدرجة إني بقيت سامعة صوت نقط المطر وهي بتخبط في الشباك بره.
تامر نقل نظراته ببطء.. بص لبطني الفاضية، بعدين لوشي التعبان المتبهدل، وبعدين للموبايل اللي في إيدي. عينيه اتغيرت في ثانية واحدة؛ الغل والشر اللي فيهم اتقلب لجشع وطمع ولهفة:
— أنا جالي ولد.. — قالها وهو بيلهث.بقلم منــال عــلي
كنت ببص عليه وجم في بالي حقيقة واحدة واضحة زي الشمس: الراجل ده مسمعش أي حاجة. مسمعش صرخة ليلى، ولا قهر سلمى، ولا وجعي الكافر، ولا حتى كلمة “حالتها استقرت”. هو مسمعش غير كلمة “ولد” — اعتبرها مكسب، ميدالية، شهادة فخر ورجولة هيمشي يتمنظر بيها وسط الناس.بقلم منــال عــلي
قرب مني خطوة وصوته اتقلب لحنين وناعم زي الحية:
— منى.. حبيبتي، مكنتيش تقوليلي من الأول؟ أنتي عارفة أنا كنت مضغوط وأعصابي تعبانة من الشغل، ومكنتش اقصد.. أنتي اللي تنرفزيني وتخرجيني عن شعوري. بس خلاص، من النهاردة كل حاجة هتتغير، إحنا جالنا الواد اللي كنا بنحلم بيه.
رفعت إيدي ببطء، رغم إن كل حركة كانت بتسمّع في ضلوعي زي النار الموقدة، وشاورتله بصباعي وقلتله:بقلم منــال عــلي
— أنا اللي جالي ولد يا تامر.. ولد وله أختين بنات يشيلهم في عينيه.. أما إنت، فمن الليلة دي.. مبقاش ليك أي حد في الدنيا.
📍🧷 عايزين تعرفوا إيه اللي حصل لتامر في القسم وإزاي منى خدت حقها وحق بناتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *