الاخطبوط ١٦ أمانى سيد

بيها نفسك.. عن إذنك.”
بعد ما عمار مشي وقفل الباب وراه، ساد السكون في الأوضة. عزة فضلت واقفة مكانها وعينيها مثبتة على شنطة الفلوس، بس مكنتش شايفاها.. كانت سامعة صدى صوت عمار وهو بيقول: “مكنتيش هتلاقي واحدة على ذِمّة جوزها”.
قربت من التربيزة بخطوات بطيئة، ومدت إيدها ولمست رزم الفلوس. دموعها المحبوسة بدأت تنزل في صمت. الفلوس دي اللي كانت هتموت عشانها، دلوقتي حاسة إنها مابقتش فارقة أوي قدام السنين اللي ضاعت من عمرها.
قعدت على أقرب كرسي وبدأت تراجع نفسها وتفتكر كل اللي فات.. حست فجأة بوجع في قلبها وهي بتكتشف إنها ظلمت نفسها أكتر ما سعيد ظلمها. ضغطت على إيدها وقالت لنفسها بمرارة: “أنا اللي جيت على نفسي.. أنا اللي كنت بحاول أرضي الكل على حساب صحتي ونفسي وكرامتي، وفي الآخر طلعت أنا الخسرانة الوحيدة”.
مسحت دموعها بسرعة بقسوة، وملامح وشها بدأت تتغير من الانكسار للقوة. بصت للشنطة تاني، بس المرة دي بنظرة مختلفة تماماً.. نظرة للمستقبل. الفلوس دي مش هتقعد تصرف منها لحد ما تخلص، الفلوس دي هتكون خطوتها الأولى عشان تقف على رجلها بجد.
عزة أخدت قرار في اللحظة دي؛ مش هتعيش في ضل حد تاني، ولا هتستني حد يحن عليها بقرش أو بكلمة. شالت الشنطة وقامِت وهي بتفكر في حاجة واحدة بس: “أنا لازم أدور على شغل.. لازم يكون ليا كيان وشغل بتاعي أنا، ومحدش يكسر عيني تاني”.
مسحت عزة دموعها، وشالت شنطة الفلوس وخرجت راحت لماما حنان. حطت الشنطة قدامها وقالت لها بنبرة صادقة وكالها احترام:
– “خدي يا ماما حنان.. الفلوس دي شيليها معاكي، وأنا عايزة أتبرع بجزء منها للدار، الدار وأطفالها أولى بأي قرش يدخل.”
ماما حنان بصت للشنطة، وبعدين بصت في عين عزة وابتسمت بحنان كبير، هزت راسها بالرفض وقالت لها بطيبة:
– “لأ يا عزة.. الفلوس دي بتاعتك إنتي وتعبك وشقاكي، حطيها في عينك وأمني بيها مستقبلك. والدار الحمد لله ربنا ساترها وفيها اللي يكفيها بزيادة ومصلحتها ماشية. بكره الصبح هاخدك من إيدك ونروح البنك، وتفتحي حساب باسمك وتحطي حاجتك فيه، عشان تبقي مطمنة.”
عزة حست بأمان وراحة لأول مرة من فترة طويلة، وهزت راسها بالموافقة وهي بتفكر في خطوتها الجاية. وقبل ما تنام بالليل، بصت لماما حنان وقالت لها:
– “ماما حنان.. هاتي كدة رقم عمار من عندك.”
ماما حنان استغربت بس أدتهولها من غير ما تسأل، وعزة سيفت الرقم عندها وهي بتخطط هتقول له إيه.
تاني يوم الصبح، نفذوا كلامهم وراحت عزة مع ماما حنان البنك، وفتحت الحساب وحطت الفلوس كلها. أول ما خرجت من البنك وركبت المواصلات، طلعت موبايلها وبصت للرقم المكتوب باسم “عمار”.. أخدت نفس عميق، ودست على زرار الاتصال وضبطت الموبايل على ودنها وهي مستنية رده بقلب بيدق
التليفون بدأ يرن.. نغمة والتانية، وعزة حاطة الموبايل على ودنها ونبضات قلبها بتسرع مع كل رنة. كانت لسه مترددة تقفل ولا تستنى، وفجأة الرن وقف وجه صوت عمار الجاف والرسمي:
– “ألو.. السلام عليكم.”
عزة اتخضت ثانية والكلمات طارت من دماغها، حست بخجل غريب ومابقتش عارفة تبدأ كلامها منين ولا تقول إيه. فضلت ساكتة للحظات وهي بتحاول تجمع شتات نفسها، وبلعت ريقها بتوتر.
عمار لما لقى السكوت طول، كرر كلامه بنفس النبرة الهادية والرسمية:
– “ألو.. مين معايا؟”
عزة أخدت نفس عميق وبأصابع مرتعشة ضغطت على الموبايل وقالت بصوت واطي ومردد وفيه خجل واضح:
– “أنا.. أنا عزة يا عمار.”
أول ما عمار سمع صوتها، ملامحه الجافة اتمحت تماماً وتلقائياً ظهرت على وشه ابتسامة هادية ودافية، ونبرة صوته اتغيرت وبقت كلها ترحيب واهتمام:
– “أهلاً يا عزة.. أهلاً بيكي، عاملة إيه؟”
ترحيبه المفاجئ ده خلاها تتوتر أكتر وخجلها يزيد، فركت إيدها بتوتر وقالت بصوت واطي ومتردد:
– “الحمد لله.. أنا.. أنا آسفة لو كنت كلمتك في وقت مش مناسب أو أزعجتك..”
عمار قاطعها بسرعة وبنبرة مريحة قال لها:
– “لأ طبعاً مفيش إزعاج ولا حاجة، تحت أمرك يا عزة.. في حاجة حصلت؟”
عزة أخدت نفس عميق عشان تطرد الخجل والتردد اللي جواها، وقررت تدخل في الموضوع بوضوح، فقالت وهي بتحاول تخلي صوتها ثابت:
– “لأ كله تمام الحمد لله.. أنا بس كنت بتصل عشان.. عشان كنت عايزة أطلب منك طلب لو ينفع.. أنا قررت إني لازم أعتمد على نفسي وأبدأ من جديد، وكنت عايزة أدور على شغل.. فكنت حابة لو تقدر تساعدني وتشوف لي أي فرصة شغل مناسبة.”
عمار سكت لحظة، وفهم من نبرة صوتها ومن طلبها إن الكلمة اللي قالها لها امبارح علّمت معاها، وإنها بدأت تفوق لنفسها بجد وعايزة تتغير. ابتسم بتقدير وقال لها بنبرة تشجيع:
– “أكيد طبعاً يا عزة أقدر أساعدك.. وبصي، إنتي كلمتيني في وقتك بالظبط. المزرعة الكبيرة خلاص قربت تشتغل، وهنكون محتاجين هناك ناس للإدارة ومدخلين بيانات، وأنا شايف إن الشغلانة دي هتكون مناسبة ليكي جداً، وأول ما المزرعة تبدأ شغل أنا هكلمك فوراً.”
عزة حست بلمعة أمل، بس سألته بتوجس وهي خايفة الخطوة دي تتأخر:
– “بس المزرعة دي قدامها كتير على ما تشتغل؟”
عمار رد عليها بثقة ويقين:
– “لأ مش كتير خالص، شهر ونص بالكتير والكل هيستلم مكانه.. وبعدين خليني أقول لك على حاجة تفرحك وتطمنك إنتي وماما حنان؛ إحنا خلاص مش هنِهد مبنى الملجأ القديم بالكامل زي ما كنا مخططين في الأول.. إحنا هنبقي عليه وهنجدده بالكامل، وهنخليه هو المبنى الإداري للمشروع.”
عزة سمعت كلامه وقلبها دق بفرحة وراحة مكنتش متخيلاها، فرحة لإنقاذ المكان اللي عاشوا فيه، وفرحة بإنها لقت طريق جديد ومحترم تبدأ منه حياتها.
ابتسمت عزة لأول مرة من قلبها وهي لسه ماسكة الموبايل، وحست إن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح. نبرة صوتها اتغيرت خالص وبقت مليانة امتنان وراحة وهي بتقول له:
– “أنا مش عارفة أقولك إيه يا أستاذ عمار.. بجد شكراً ليك. إنت مش عارف الخبر ده هيفرح ماما حنان قد إيه، موضوع الهد ده كان كاسر قلبها.”
عمار رد بصوته الهادي اللي فيه دفء حقيقي:
– “مفيش داعي للشكر يا عزة، ده حقكم والمكان ده يستاهل يفضل موجود. جهزي نفسك بس، والشهر ونص دول هيعدوا في ثانية، وأول ما نكون جاهزين للتعيينات هتلاقيني بكلمك.”
قفلت عزة الخط وهي حاسة إنها طايرة من الفرحة. نزلت من المواصلات وجريت على الدار بكل سرعتها، أول ما فتحت الباب ودخلت، كانت بتنهج ووشها منور من الفرحة، نادت بأعلى صوتها:
– “ماما حنان! يا ماما حنان.. تعالي بسرعة عايزة أقولك على حاجة!”
ماما حنان خرجت من أوضتها مستغربة من لهفة عزة، وبصت لها بقلق:
– “خير يا بنتي في إيه؟ خضيتيني! عملتوا إيه في البنك؟”
عزة قربت منها ومسكت إيديها الاتنين وهي بتضحك ودموع الفرحة في عينيها:
– “البنك تمام والفلوس في الحفظ والصون.. بس مش ده الموضوع! أنا كلمت أستاذ عمار، وقال لي خبر بمليون جنيه.. الدار مش هتِتهد يا ماما حنان! مش هيهدوها بالكامل، هيمشوا المشروع وهيجددوا المبنى القديم ويخلوه هو المبنى الإداري للمزرعة الكبيرة!”
ماما حنان حطت إيدها على صدرها وقعدت على أقرب كرسي، وعينيها اتملت دموع، ورفعت راسها للسما وقالت بنبرة هزت الأوضة من كتر الصدق:
– “الحمد لله.. يا ألف حمد وألف شكر ليك يا رب.. كنت عارفة إنك مش هتضيعنا ولا هتكسر بخاطر الغلابة دول.”
عزة قعدت على ركبها قدامها وكملت بحماس:
– “ومش بس كده يا ماما.. أستاذ عمار كمان قالي إنهم محتاجين موظفين إداريين ومدخلين بيانات للمزرعة، ووعدني إن أول ما الشغل يبدأ كمان شهر ونص، هاكون أنا أول واحدة معاهم.. أنا هاشتغل يا ماما حنان، هاشتغل وأعتمد على نفسي بجد!”
ماما حنان أخدتها في حضنها وطبطبت عليها بحنان وفخر:
– “مبروك يا قلب ماما، ربنا يفتحها عليكي ويسعدك.. عمار ده ابن حلال ومعدنه أصيل، وعارف الأصول.”



