مرات اخويا

ولأغراضها الشخصية البسيطة جعل القلق يتسرب إلى قلوبنا. تحول القلق إلى صدمة عندما رن هاتف المنزل، وكان المتحدث هو والد سحر.
قال والدها بصوت حازم، يحمل نبرة تحدٍ وألم في آن واحد
بنتنا عندنا يا جماعة.. وإحنا دلوقتي في المستشفى، ودخلناها العمليات عشان تعمل الجراحة وتنقذ حياتها. بنتي كانت بتموت وراجلها واقف يتفرج عليها عشان مظاهر كدابة!
بمجرد أن سمع محمود هذه الكلمات، فقد السيطرة على أعصابه تماماً. تملك منه الجنون، وبدأ يكسر ما حوله في الصالة وهو يصرخ بملء صوته
عملوا إيه؟! عملوها من ورايا؟! اتجرأوا ودخلوها العمليات من غير إذني ومن ورا ظهري؟! والله العظيم ما هعديها، والست دي ملهاش رجوع البيت ده تاني! ومش دافع مليم واحد.. ولا جنيه! خليهم يشيلوا شيلتهم!
حاول والدي تهدئته، وصاحت أمي وهي تبكي خوفاً من الفضيحة ومن مصير سحر، لكن محمود كان في حالة غياب تامة عن الوعي، مدفوعاً بكرامته الجريحة ورؤيته للأمر كإهانة شخصية وتمرد على كلمته.
أمسك محمود بمفاتيح سيارته وخرج مسرعاً، يملأه الغل والرغبة في المواجهة. شعرتُ بخوف شديد من أن يرتكب حماقة، فلحقتُ به فوراً وركبتُ بجواره. كان يقود بسرعة جنونية متوجهاً إلى المستشفى التي تقبع فيها زوجته بين الحياة والموت تحت سك..ين الجراح.
وصلنا إلى المستشفى، وكان الممر يؤدي إلى غرفة العمليات يغمره صمت ثقيل، يقطعه فقط دعاء والدة سحر وانتحابها. بمجرد أن رأى محمود والد سحر يجلس على المقعد، اندفع نحوه وعيناه تتطاير منهما الشرار، وصاح بصوت زلزل أرجاء المكان
الكاتب_رومانى_مكرم
يا عمي! بقى بتستغفلوني وتعملوا العملة دي من ورايا؟! بتكسروا كلمتي عشان حتة حتة من جسمها؟! اعتبروا بنتكم طالق، ومش هتدخل بيتي تاني، ومصاريف المستشفى دي تدفعوها من جيبكم!
وقف والد سحر، ورغم كبر سنه، إلا أنه نظر إلى محمود بنظرة احتقار شديدة، ولم ينطق بكلمة، بل رفع يده وأشار إلى باب العناية المركزة، حيث بدأت الأضواء الحمراء فوق الباب تومض فجأة، وخرج الممرضون يركضون في ارتباك واضح..
شحب وجه الجميع، وتحولت المواجهة فجأة إلى رعب من نوع آخر.. ماذا حدث داخل غرفة العمليات؟
اندفع محمود ناحية والد سحر وكأنه على وشك أن يفقد آخر ذرة من عقله، لكن قبل ما يوصل له، خرج دكتور التخدير من باب العمليات بسرعة وهو بينادي على الممرضين
هاتوا وحدات الدم بسرعة… بسرعة!
تجمد محمود مكانه.
كل اللي في الممر وقفوا.
أم سحر شهقت وحطت إيديها على قلبها.
أما والدها فكان واقف ثابت، وعينه على باب العمليات كأنه مش شايف أي حد حواليه.
محمود حاول يتماسك وسأل الدكتور بصوت متقطع
في إيه؟! حصل إيه؟!
لكن الدكتور ما ردش، وكمل جري.
مرت دقائق بدت كأنها ساعات.
لأول مرة من يوم ما عرف بالمرض، بدأ الخوف الحقيقي يدخل قلب محمود.
مش خوف على شكله قدام الناس.
ولا خوف على كلمته اللي اتكسرت.
خوف من فكرة واحدة بس…
ماذا لو ماتت؟
جلس على الكرسي المقابل للعمليات وهو يضغط على رأسه بين كفيه.
وفجأة خرج الجراح الرئيسي.
الكل وقف في نفس اللحظة.
الدكتور خلع الكمامة ونظر للجميع.
العملية تمت…
تنفس الجميع الصعداء.
لكن الدكتور أكمل بنبرة جادة
في حاجة لازم تعرفوها.
ساد الصمت.
حتى صوت أجهزة المستشفى اختفى من آذانهم.
نظر الدكتور مباشرة إلى محمود وقال
لو كانت اتأخرت أسبوعين أو تلاتة كمان، كانت فرص السيطرة على المرض هتقل بشكل كبير جداً.
ارتبك محمود.
أما والد سحر فأغمض عينيه وكأنه كان ينتظر سماع هذه الجملة منذ أسابيع.
ثم أخرج الدكتور ملفاً طبياً من تحت ذراعه وقال
وفيه حاجة تانية… أنا مستغرب إنكم ما تعرفوهاش.
تبادل الجميع النظرات.
محمود رفع رأسه وقال
نعرف إيه؟
فتح الدكتور الملف وقلب عدة صفحات ثم قال
زوجتك كانت جاية لوحدها من أكتر من شهر للمتابعة… وكانت موقعة بنفسها على أوراق العلاج بعد ما رفضتوا تستكملوا الإجراءات.
شحب وجه محمود.
إيه؟!
أيوه… وكانت بتسأل كل زيارة نفس السؤال لو أنا وافقت على العملية وجوزي رفض، أعمل إيه؟
انخفضت عينا محمود إلى الأرض.
أما أم سحر فانفجرت بالبكاء.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن هنا.
لأن أحد الممرضين خرج من العناية المركزة وهو يحمل ظرفاً أبيض صغيراً.
وتوجه مباشرة نحو والد سحر قائلاً
المدام أوصتنا لو خرجت من العملية تسلموا الظرف ده لجوزها.
نظر الجميع إلى الظرف.
ومحمود أخذه بيد مرتعشة.
فتح الورقة الموجودة بداخله…
وما إن قرأ أول سطر حتى تغير لون وجهه بالكامل، وكأن الكلمات التي أمامه كانت أقسى عليه من خبر المرض نفسه…أخذ محمود الورقة وهو يحاول إخفاء ارتجاف يديه.
كانت الكلمات مكتوبة بخط سحر الهادئ المعروف.
قرأ السطر الأول، فتجمد مكانه
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خرجت من العملية، وربنا كتبلي عمر جديد… أو على الأقل حاولت أتمسك بالحياة لآخر لحظة.
ابتلع ريقه بصعوبة وأكمل القراءة.
أنا عمري ما زعلت إن المرض جالي… الزعل الحقيقي كان يوم حسيت إن خوفي من الموت أهون عندك من خوفك من شكلي بعد العملية.
انخفضت عيناه.
ولأول مرة منذ بداية الأزمة لم يجد كلمة واحدة يرد بها.
أكملت الرسالة
أنا مش بلومك، يمكن الخوف غلبك، ويمكن ما كنتش مستوعب حجم الخطر. لكن كل ليلة كنت أنام وأنا مش عارفة أصحى بكرة ولا لأ، وأنت كنت بتتكلم عن شكلي أكتر ما بتتكلم عن صحتي.
ساد الصمت في الممر.
حتى والد سحر الذي كان غاضباً منه طوال الوقت لم يتكلم.
قرأ محمود السطر التالي، فتسارعت أنفاسه
في حاجة ما قلتهاش لحد. آخر تحليل عملته قبل ما أسيب البيت بيوم، الدكتور طلب مني أرجع فوراً لأن النتائج ما كانتش مطمنة زي الأول.
رفع محمود رأسه نحو الدكتور بسرعة.
فأومأ الطبيب ببطء وكأنه يؤكد الكلام.
شعر محمود بأن الأرض تميد تحت قدميه.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
عشان كده مشيت. ما كانش عندي وقت أضيعه في جدال جديد. كنت محتاجة أنقذ حياتي.
أغلق عينيه للحظة.
ثم وصل إلى الجزء الأخير من الصفحة.
وهنا تغيرت ملامحه مرة أخرى.
لأن سحر كتبت
وفيه حاجة تانية لازم تعرفها. قبل العملية بساعات طلبت من الدكتور يعمل فحوصات إضافية بسبب أعراض غريبة ظهرت عندي الفترة الأخيرة.
توقف محمود عن القراءة.
نظر إلى الدكتور.
الدكتور بدت عليه علامات التردد.
فقال محمود بصوت خافت
فحوصات إيه؟
رد الطبيب
هنشرح كل حاجة لما حالتها تستقر.
لكن نظرات الأطباء لبعضهم البعض كانت كافية لتزيد التوتر.
وفي تلك اللحظة بالذات، خرجت ممرضة مسرعة من العناية المركزة وهي تنادي على الطبيب
يا دكتور… نتائج الأشعة الجديدة وصلت حالاً.
أخذ الطبيب الملف بسرعة.
فتح الصفحة الأولى.
وما إن وقعت عيناه على التقرير حتى تغير وجهه تماماً…
ثم نظر نحو أسرة سحر وقال
واضح إن عندنا موضوع تاني خالص لازم نتكلم فيه تسمرت الأنظار على وجه الطبيب.
أم سحر أمسكت بطرف عباءتها وهي ترتجف.
أما محمود فاندفع خطوة للأمام وقال بعصبية
اتكلم يا دكتور! في إيه؟
نظر الطبيب إلى التقرير مرة أخرى، ثم أغلق الملف للحظة وكأنه يرتب كلماته.
الأمر مش متعلق بالعملية نفسها… العملية نجحت والحمد لله.
تنفس الجميع الصعداء للحظة قصيرة.
لكن الطبيب أكمل
الفحوصات الإضافية اللي طلبتها سحر قبل

لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *