دفنو جوزي

كانت إيدي لسه على مقبض الباب لما لقيت راجل واقف قدامي.

في أواخر الأربعينات من عمره، شعره فيه خصل بيضا كتير، ووشه باين عليه التعب كأنه شايل هموم الدنيا كلها فوق كتافه.

الغريب إنه كان واقف ومعاه شنطتين سفر كبار.

بصلي ثواني طويلة، وبعدين قال بهدوء:

“مساء الخير… أنا المتبرع.”

حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.

فضلت أبصله وأنا مش مستوعبة.

“إيه؟”

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

“أنا الشخص اللي اتبرع لمنة.”

اتشبثت بحلق الباب بإيديا الاتنين.

“إزاي؟! حضرتك مين؟!”

تنهد وقال:

“ممكن أدخل؟ القصة طويلة.”

دخل الصالة وقعد على طرف الكنبة.

كنت مرتبكة وخايفة ومش عارفة أقول إيه.

في اللحظة دي نزلت منة من أوضتها.

أول ما شافته وقفت مكانها.

الغريب إنها فضلت تبصله كأنها شافته قبل كده.

الراجل ابتسم لها وقال:

“الحمد لله… بقيتي أحسن بكتير.”

منة قالت باستغراب:

“حضرتك تعرفني؟”

رد:

“أكتر مما تتخيلي.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

سألته:

“حضرتك مين؟”

سكت شوية.

وبعدين قال الجملة اللي قلبت الدنيا فوق دماغي:

“أنا أبو منة.”

الصالة كلها سكتت.

منة شهقت.

أما أنا فحسيت إن نفسي اتقـ,ـطع.

قلت وأنا واقفة:

“أنت كداب!”

لأن أبو منة مـ,ـات من 14 سنة.

كنت دفـ,ـنته بإيديا.

حضرت جـ,ـنازته.

استلمت شهادة وفاـ,ـته.

شفت قـ,ـبره.

إزاي يبقى واقف قدامي دلوقتي؟!

الراجل مسح دمعة نزلت من عينه وقال:

“أنا مش والدها اللي رباها… أنا والدها الحقيقي.”

الدنيا اسودت قدامي.

قعدت وأنا مش قادرة أقف.

وبدأ يحكي.

قال إنه زمان كان متجوز أختي رضوى عرفي وهو في الجامعة.

كانوا صغيرين ومتهورين.

ولما حملت رضوى خافت من الفضيحة.

وحصلت مشاكل كبيرة بينهم.

وفي النهاية اتفقوا يفترقوا.

بعد الولادة مباشرة سلمت الطفلة ليا.

أنا وقتها كنت متجوزة من شهور قليلة ولسه فقدت طفلتي الرضيعة.

وزوجي وافق نسجل البنت باسمنا ونربيها كأنها بنتنا.

كنت فاكرة إني بحمي رضوى من انهيار حياتها.

ووعدتها إن السر ده يفضل مدفـ,ـون للأبد.

ولسنين طويلة محدش عرف الحقيقة.

حتى منة نفسها.

بصيت ناحية السلم.

لقيت رضوى واقفة.

وشها كله دموع.

واضح إنها كانت طالعة الشقة من شوية وسمعت كل حاجة.

قعدت على الأرض وهي بتبكي.

وقالت:

“سامحيني يا منة.”

منة كانت واقفة زي التمثال.

قالت بصوت مكـ,ـسور:

“يعني خالتي هي أمي؟”

رضوى هزت رأسها.

وانهارت من العياط.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *