كافيه

في ليلة، مالت على كتفي والغروب مخلي لون المية دهبي.
همست وقالت: “كنت فاكرة إنك رجعت البيت متأخر أوي.”
بست إيدها وقلت: “لأ.. أنا رجعت في الوقت المناسب عشان أ
ثبتلك إنك مكنتيش لوحدك أبداً.”
سبيكة ذهب عيار 24 من بي تي سي BTC
بعد مرور سنة كاملة على اللي حصل، الحياة كانت بدأت تاخد شكل جديد ومستقر. كنت قاعد في مكتبي براجع ملفات، لما تليفوني رن، كان رقم من إدارة السجن.
“كريم؟ إحنا بنبلغك إن والدتك، صفاء، طلبت تقابلك زيارة استثنائية.. هي حالتها الصحية متدهورة ومصرة تشوفك.”
سكت فترة، بصيت لنور اللي كانت داخلة المكتب بابتسامتها الهادية، وحسيت إن قلبي مفيش فيه مكان للحقد، بس كمان مفيش مكان للضعف.
قلت للمأمور: “أنا جاي.”
لما دخلت أوضة الزيارة، كانت قاعدة على كرسي متحرك، ملامحها اتغيرت كتير، وشعرها اللي كان دايماً متسرح بعناية بقى باهت، واللؤلؤ اللي كانت بتتباهى بيه استبدلته بلبس السجن الرخيص.
بصتلي بضعف وقالت: “جيت يا كريم؟”
قعدت قدامها من غير ما أنطق.
قالت وهي بتعيط: “أنا عارفة إني خسرت كل حاجة.. خسرت بيتي، وسمعتي، والأهم من ده كله، خسرت ابني. هشام بعتلي ورقة بيقول إنه بيحملني مسؤولية كل حاجة، وإنه مستعد يشهد ضدي عشان يخفف حكمه. أنا وحيدة يا كريم.”
بصيت في عينيها اللي كانت في يوم من الأيام مصدر خوفي، ولقيتها دلوقتي مجرد ست مكسورة.
قلت لها بصوت هادي: “يا أمي، إنتي اللي اخترتي طريقك. أنا كنت مستعد أضحي بروحي عشان أرجع وألاقي بيت دافي، بس لقيتكم بتنهشوا في أغلى حاجة عندي. الظلم اللي عملتوه، مش بس كسر نور، ده كسر كل خيط كان بيربطني بيكم.”
حاولت تمسك إيدي، بس سحبتها بالراحة.
كملت كلامي: “أنا مش هجي تاني. مش عشان أنا قاسي، بس عشان أحمي السلام اللي بنيته مع نور. إحنا بدأنا حياة جديدة، حياة مفيهاش خيانة، ولا تمثيل، ولا طمع. ووجودي هنا النهاردة، هو آخر حاجة ممكن أقدمها ليكي.. هو المغفرة، بس مش الرجوع.”
قامت عشان تمشي، نادت عليا بصوت مبحوح: “كريم.. سامحتني؟”
وقفت عند الباب، بصيت لها من فوق كتفي وقلت: “السامح هو اللي بيشيل الحمل من قلبه.. وأنا رميت الحمل ده من يوم ما خرجتكم من حياتي. أتمنى تلاقي السلام اللي دورتوا عليه في فلوس مش بتاعتكم.”
خرجت من السجن، كان اليوم مشمس، والهواء كان نقي. ركبت عربيتي ولقيت نور مستنياني عند المدخل، أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني كأنها حاسة بكل اللي دار جوايا.


