جوزى كان بيجهز
الندم الحقيقي في عينيه.
أما شيرين، فخلعت خاتم الخطوبة وحطته على الترابيزة.
وقالت
أنا مش هكمل معاك.
محمود رفع عينه بسرعة
شيرين، استني
هزت رأسها
أنا كنت فاكرة إني هتجوز راجل مسؤول. لكن النهارده اكتشفت إنك مستعد تضحي بحقوق بناتك عشان تحقق رغبة أمك وتجهز شقة لجوازتك.
حماتي حاولت تمنعها
إنتِ فاهمة غلط!
شيرين ردت
أنا فهمت كل حاجة.
وبعدين بصتلي وقالت
هبة أنا آسفة.
أنا ما رديتش.
لأن اللي كان شاغلني وقتها مش شيرين
كان محمود.
وقف قدام بناته، وعينيه مليانة دموع، وقال
بابا غلط.
فريدة ردت
هتسيبنا؟
محمود هز راسه
لأ.
سكت لحظة، وبعدين قال
أنا اللي كنت سايبكم وأنا عايش معاكم.
الجملة دي خلتني لأول مرة أحس إن المواجهة وصلت لقلبه.
لكن قبل ما حد يتكلم
رن جرس الباب.
محمود فتح.
وكان واقف قدامه شخص ما حدش في البيت كان متوقع يشوفه.
وأول ما محمود شافه، وشه اتغير.
الرجل قال
أنا جيت عشان الموضوع اللي بينا لازم يتحسم النهارده.
بصيت لمحمود باستغراب.
لأن الراجل ده
كان آخر شخص أتوقع إنه يكون له علاقة بالشقة والجواز كله محمود وقف مكانه كأنه اتثبت في الأرض.
قال بصوت واطي
إنت جيت ليه هنا؟
الراجل رد بهدوء
عشان بقالك فترة بتتهرب مني، وأنا مش هفضل مستني أكتر من كده.
شيرين بصت لمحمود باستغراب
مين ده؟
محمود ما ردش.
أنا قربت خطوة وقلت
واضح إن في حاجة تانية أنا ما كنتش أعرفها.
الراجل بصلي وقال
حضرتك هبة؟
هزيت راسي.
قال
أنا مش جاي أعمل مشكلة. أنا جاي أرجع حقك وحق بناتك.
محمود صرخ
ما تدخلش في الموضوع ده!
الرجل رد
الموضوع بقى أكبر منك يا محمود.
وبعدين طلع ملف من شنطته، وحطه على الترابيزة.
دي كل المستندات.
حماتي قربت بسرعة
مستندات إيه؟
فتح الملف وقال
محمود من حوالي تلات سنين بدأ يدفع في الشقة اللي فوق من فلوس كانت مخصصة لمصاريف البيت والبنات.
أنا بصيت لمحمود.
يعني إيه؟
محمود نزل عينه.
الرجل كمل
وكان فيه مبلغ بيتحوش شهريًا باسم البنات، واتسحب منه جزء كبير.
شهقت
فلوس البنات؟!
محمود حاول يتكلم
أنا كنت هرجعهم
قاطعتُه
إمتى؟ بعد ما تتجوز؟ بعد ما تخلف ولد؟ ولا لما البنات يكبروا ويكتشفوا إن أبوهم أخد حقهم؟
حماتي تدخلت
هو كان بيعمل ده عشان يبني مستقبله!
بصيت لها
ومستقبل بناته يبقى إيه؟
سكتت.
الراجل حط ورقة قدامي وقال
وعشان كده أنا جيت النهارده. فيه حل، لكن لازم محمود يوافق عليه.
محمود رفع عينه
إنت عايزني أعمل إيه؟
قال
تبيع الشقة.
محمود اتصدم
أبيعها؟!
أيوه. وتسدد المبلغ اللي أخدته من فلوس البيت والبنات، والباقي يتحط في حسابهم.
حماتي صرخت
لا! دي شقته!
الرجل رد
لو كان دفعها من ماله، محدش قال له حاجة. لكن لما يكون جزء من الفلوس اتاخد من مصاريف وحقوق مخصصة لأولاده، يبقى لازم يصلح اللي عمله.
محمود فضل ساكت.
شيرين كانت واقفة جنب الباب، والخاتم لسه على الترابيزة.
قالت له
اعملها يا محمود.
رفع عينه لها.
كملت
لو أنت فعلًا ندمان، رجّع حق بناتك الأول. وبعدها شوف حياتك.
بصيت لمحمود.
كنت مستنية منه كلمة واحدة.
لكنه فجأة قرب من بناته، ونزل على ركبته قدامهم.
قال
أنا آسف.
فريدة سألته
هترجع فلوسنا؟
دموعه نزلت.
آه.
نور قالت
وهتتجوز؟
محمود بص ناحيتي، وبعدين بص للعلبة اللي كانت سبب كل اللي حصل.
وقال
مش دلوقتي.
سكت لحظة وأضاف
أنا عندي بيت محتاج أصلحه الأول.
بصيت له باستغراب.
لكن قبل ما أقول أي كلمة، الرجل فتح آخر ورقة في الملف وقال
لسه فيه حاجة أهم.
محمود رفع رأسه بسرعة.
إنت وعدتني إن الورقة دي مش هتطلع.
الرجل رد
وأنا كنت مستني أشوف هتصلح غلطك ولا لأ.
قربت منه وقلت
ورقة إيه؟
مدها لي.
وأول ما قرأت أول سطر
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
لأن الورقة دي كانت بتثبت إن الشقة اللي محمود كان بيجهزها لجوازته التانية أصلًا مش ملكه بالكامل.
وكان فيه اسم آخر مكتوب في عقد الملكية.
اسم خلاني أبص لمحمود وأنا مش مصدقة
اسمي أنا فضلت باصة في الورقة، مش قادرة أستوعب اللي قدامي.
اسمي أنا؟
الراجل هز راسه
أيوه. الشقة دي اتدفعت مقدمها من فلوس كانت باسمك، والعقد الأساسي فيه نصيب واضح ليكي.
محمود اتوتر وقال بسرعة
هبة، الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
بصيتله بحدة
أمال زي إيه؟
سكت.
الراجل قال
محمود كان فاكر إنه يقدر يكمّل إجراءات نقل الملكية بعد ما يدفع باقي المبلغ، لكن من غير توقيعك الموضوع مش هيتم.
حماتي قربت وقالت بعصبية
يعني إيه؟! ابني هو اللي كان بيبنيها!
رد عليها
الفلوس لوحدها مش بتحدد الملكية. العقد هو اللي بيحدد.
شيرين كانت ساكتة، لكن واضح إنها بدأت تفهم ليه محمود كان مصر يطلب دهبي.
قالت
عشان كده كنت مستعجل على الدهب؟
محمود ما ردش.
كنت عايز تكمّل الشقة بأي طريقة قبل ما أعرف؟
فضل ساكت.
بصيتله وقلت
وأنا كنت فاكرة إنك عايز دهبي عشان تتجوز.
محمود قال بصوت ضعيف
كنت عايز أخلص الشقة.
عشان شيرين.
سكت.
شيرين خلعت الخاتم من إيدها وحطته قدامه.
أنا مش هكون سبب في إنك تاخد حق مراتك وبناتك.
حماتي صرخت
إنتِ كمان؟!
شيرين ردت بهدوء
أنا لو كملت معاه بعد اللي شفته، أبقى بظلم نفسي قبل أي حد.
محمود مسك الخاتم، وبصله شوية، وبعدين حطه على الترابيزة.
أنا كنت لسه ماسكة العقد.
فجأة لاحظت حاجة في آخر الصفحة.
اسم مكتوب تحت بند صغير.
قلت
استنى إيه البند ده؟
الراجل قرب وبص.
وشه اتغير.
ده
محمود اتوتر جدًا.
ما تقريهوش.
بصيتله
ليه؟
ما ردش.
قريت السطر بنفسي.
وكان مكتوب إن في حالة عدم سداد باقي المبلغ في الموعد المحدد، العقد هيتحول لصالح جهة تانية، ومحمود هيفقد كل المبالغ اللي دفعها.
رفعت عيني لمحمود.
يعني لو ما دفعتش دلوقتي كل اللي دفعته هيروح؟
هز راسه.
الراجل قال
وعشان كده كان مستعجل جدًا.
فهمت وقتها.
طلب الدهب ما كانش مجرد طمع.
كان عنده موعد أخير لو عدى، الشقة كلها كانت هتضيع.
لكن ده ما بررش اللي عمله.
بصيت لمحمود وقلت
كنت ممكن تقولي الحقيقة.
قال
كنت خايف.
من إيه؟
إنك تمنعيني.
ضحكت بمرارة
وأنا كنت همنعك من حقك؟ ولا كنت همنعك من إنك تاخد حقي وحق بناتك؟
محمود ما قدرش يرد.
وفجأة الراجل قال
في حل أخير.
كلنا بصيناله.
قال
ممكن ننقذ الشقة بس بشرط.
محمود سأله
إيه الشرط؟
الراجل بص ناحيتي.
إن هبة هي اللي توافق.
محمود قرب مني وقال
هبة بالله عليكي.
بصيتله طويلًا.
وبعدين بصيت لبناتي.
كنت قدام قرار ممكن يغيّر مستقبلنا كلنا.
لو وافقت
الشقة هتفضل موجودة.
ولو رفضت
محمود هيخسر كل حاجة دفعها.
لكن اللي محدش كان متوقعه
إني ما قلتش أيوه.
وما قلتش لأ.
قلت جملة واحدة خلت محمود يرفع عينيه في صدمة
أنا موافقة بس عندي شرط أنا كمان محمود بصلي بلهفة
شرط إيه؟ قولي وأنا موافق.
هزيت راسي
متستعجلش. المرة دي أنا اللي هحط الشروط.
الراجل صاحب الملف سكت، وشيرين فضلت واقفة جنب الباب، وحماتي ملامحها اتشدت.
قلت لمحمود
أول شرط فلوس البنات اللي اتاخدت من غير علمي ترجع كاملة.
هز راسه فورًا
موافق.
تاني شرط أي ورقة تخص الشقة أو أي ملكية ليها علاقة بيا أو ببناتي، ما تتوقعش عليها أي حاجة من غير علمي.
موافق.
تالت شرط الشقة دي مش هتكون بيت لجوازتك التانية.
محمود سكت.
حماتي انفجرت
يعني إيه؟! ده تعب ابني!
بصيت لها بهدوء
تعبه مش هو المشكلة. المشكلة إنه كان عايز يبني حياة جديدة على حساب البيت اللي عايش فيه دلوقتي.
محمود بص للأرض.
وبعد لحظة قال
موافق.
شيرين قربت وقالت
وأنا عندي شرط.
محمود رفع عينه لها.
إيه؟
قالت
مش هكمل معاك أصلًا.
محمود اتصدم
شيرين
أنا كنت داخلة الجوازة وأنا فاكرة إني هبدأ حياة مستقرة. لكن اللي حصل النهارده خلاني أفهم إن في حاجات أهم من الشقة والدهب والفرح.
بصتلي وقالت
أنا آسفة يا هبة.
أنا هزيت راسي من غير ما أتكلم.
لكن حماتي ما كانتش مستعدة تسكت.
راحت ناحية محمود وقالت
إنت هتسمع كلامهم وتسيب تعبك يضيع؟!
محمود رد عليها لأول مرة بنبرة حاسمة
أمي كفاية.
اتجمدت مكانها.
قال
أنا سمعت كلامك سنين. وكل مرة كنت فاكر إني بعمل الصح. لكن النهارده شفت بناتي وهما خايفين إني أسيبهم وعرفت إني كنت غلطان.
دموعه نزلت وهو بيكمل
أنا مش هخسر بيتي عشان أعمل بيت تاني.
سكتت حماتي.
أما أنا، فكنت لسه ماسكة العقد.
فجأة الراجل قال
بما إنكم اتفقتوا، في إجراء أخير لازم يتم.
محمود سأله
إجراء إيه؟
قال
توقيع هبة على التنازل عن جزء من حقها مقابل إن الشقة تفضل باسمكم وتتحسب من أصول الأسرة.
بصيت للعقد.
ثم بصيت لمحمود.
قلت
هات القلم.
محمود مد إيده بالقلم.
لكن قبل ما آخده، وقفت.
استنى.
الكل بصلي.
قلت
أنا مش هتنازل.
محمود اتصدم
بس إنتِ قلتي إنك موافقة!
ابتسمت وقلت
أنا وافقت أنقذ الشقة مش أتنازل عن حقي.
الراجل ابتسم، وكأنه كان مستني الجملة دي.
وبعدين قال
وده بالضبط اللي كنت عايز أتأكد منه.
محمود بصله باستغراب
يعني إيه؟
فتح الرجل الملف مرة تانية، وطلع مستند جديد.
وقال
في الحقيقة الشقة ما كانتش محتاجة موافقة هبة بالشكل اللي قلت لك عليه.
محمود اتجمد.
أمال ليه خليتني أجيبها هنا؟
الرجل بص ناحيتي وقال
لأن هبة لازم تعرف الحقيقة كاملة قبل ما تاخد أي قرار.
ثم مد لي المستند.
وأول ما شفت اسم الجهة الموجودة في أعلى الورقة
اتسعت عيني.
لأن الجهة دي كانت مرتبطة بوالدي الراحل، والورقة كانت بتثبت إن الشقة أصلًا جزء من حق قديم كان المفروض يرجع لي من سنين مسكت الورقة وإيدي بتترعش.
بصيت لاسم أبويا المكتوب عليها، وحسيت إن نفسي اتقطع.
بابا؟ إيه علاقة بابا بالشقة دي؟
الراجل قعد قدامي وقال
والدك قبل وفاته كان شريك في الأرض اللي اتبنت عليها العمارة. وكان ليه نصيب مسجل في مستندات قديمة.
محمود بصله بسرعة
بس أنا اشتريت الشقة!
اشتريت حق الانتفاع والتشطيب، مش كل الملكية.
بصيت لمحمود
وإنت كنت عارف؟
سكت.
السكون اللي نزل على المكان كان كفاية لوحده.
قلت
محمود إنت كنت عارف إن ليا حق في الشقة؟
رفع عينه وقال
كنت عارف إن فيه ورق قديم بس ما كنتش فاهم قيمته.
الرجل قاطعه
كان فاهم أكتر مما بيقول.
حماتي قالت بعصبية
يعني إنتوا عايزين تاخدوا شقة ابني منه؟!
رديت
أنا مش عايزة آخد حاجة من حد. أنا بس عايزة حقي ما يضيعش.
الرجل طلع مستند تاني.
وفي حاجة أهم.
بصيت له.
إيه؟
قال
والدك قبل وفاته كان عامل وصية خاصة بخصوص نصيبه في الأرض.
قلبي دق بسرعة.
وصية؟
هز راسه.
أيوه. والوصية دي ما ظهرتش غير من فترة قريبة، بعد ما تم مراجعة ملفات الملكية القديمة.
محمود قرب
والوصية بتقول إيه؟
الرجل بصلي، وقال
إن نصيب والدك ما يروحش ليكي وحدك.
أنا استغربت
أمال يروح لمين؟
فتح الورقة.
وبدأ يقرأ.
وأول ما سمعت أول اسم
اتجمدت.
لأن أبويا ما كتبش اسمي أنا فقط.
كتب أسماء فريدة ونور وتاليا.
حماتي شهقت
بنات؟!
الرجل هز راسه
أيوه. جدهم كتب نصيبًا محددًا لأحفاده الثلاثة.
محمود حط إيده على رأسه.
يعني البنات ليهم حق في الشقة؟
بالضبط.
بصيت لبناتي، وحسيت بدموعي بتنزل من غير ما أحس.
أبويا، حتى بعد ما مات، كان سايب لهم أمان.
الحاجة اللي حماتي كانت بتقول عليها قلة بخت
كان جدهم شايفها نعمة تستاهل تتأمن.
محمود



