دخلت جناحي في الفندق

الصندوق بإيد مرتعشة.
جواه صور قديمة.
صور ليا وأنا طفل.
صور لأمي.
وصورة أخيرة
خلتني أفقد القدرة على الكلام.
كانت أمي واقفة قدام مستشفى.
وفي حضنها
طفلة صغيرة.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
سلمى أمانة عندي لحد ما عمر يعرف الحقيقة.
رفعت الصورة.
لكن قبل ما أقدر أفهم
سمعت صوت من ورايا
متكملش لو مش مستعد تسمع الحقيقة.
استدرت بسرعة.
سلمى كانت واقفة عند الباب.
لكن المرة دي
مكانتش لابسة زي الفندق.
كانت ماسكة في إيدها صورة قديمة لأمي.
وبصتلي وقالت
أنا مش جاية أشتغل عندك يا عمر.
سكتت لحظة.
أنا جاية أرجعلك أمك.
اتسعت عينيا.
أمي عايشة؟
سلمى هزت راسها.
أيوه.
ثم قالت الجملة اللي هدمت كل حاجة كنت مصدقها طول 16 سنة
وأبوك هو اللي خبّاها عنك.
بصيت لسلمى وأنا مش قادر أتكلم.
أمي عايشة؟
هزت راسها.
أيوه.
قربت منها خطوة.
فين؟
قالت بهدوء
قبل ما أقولك لازم تعرف إن اللي حصل من 16 سنة مكانش بسبب إن أمك سابتك.
أمال بسبب إيه؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت
أبوك كان بيحاول يحميك.
ضحكت بسخرية.
يحميّني؟ وهو حرمني من أمي 16 سنة؟
سلمى
بصت للصورة اللي في إيدي.
لأن أبوك كان مهدد.
فتحت درج صغير في الصندوق، وطلعت منه مجموعة أوراق قديمة.
أمك اكتشفت إن فيه ناس كانوا بيحاولوا يسرقوا جزء كبير من أملاك العيلة، وكان أبوك وقتها داخل معاهم في شراكة.
بصيت لها.
يعني أبويا كان حرامي؟
لأ.
هزت راسها.
أبوك اكتشف الموضوع وحاول يوقفهم. ولما عرفوا، هددوه بيك.
سكت.
فأمك وافقت تختفي بشرط واحد.
إيه؟
إنك تفضل فاكر إنها سابتك.
حسيت إن الكلام كله بيلف حواليا.
ليه؟
قالت
لأنهم لو عرفوا إنك بتدور عليها كانوا هيستخدموك علشان يوصلوا لها.
نزلت عيني للأرض.
16 سنة وأنا بكره أمي.
16 سنة وأنا مقتنع إنها اختارت تسيبني.
وفجأة اكتشفت إنها اختارت تختفي
علشاني.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه أهم من كل ده.
بصيت لسلمى.
إنتِ عرفتي أمي إزاي؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
لأنها أمي.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قالت
أنا بنت عالية.
إيه؟!
أيوه. أمك ولدتني قبل ما تتجوز أبوك بسنين.
فضلت أبص لها.
يعني
قاطعتني
أختك.
سكتنا.
ثم مدت إيدها لصورة قديمة.
كانت أمي واقفة فيها، وأنا طفل صغير جنبها.
وسلمى طفلة صغيرة في حضنها.
قالت
أمك كانت بتزورني طول السنين دي. وكانت بتتابع أخبارك من بعيد.
كانت عارفة إني اتجوزت؟
كانت عارفة كل حاجة.
وعارفة إن نادين ماتت؟
هزت راسها.
أيوه.
سألتها بسرعة
طب إيه علاقتها بولادي؟
سلمى سكتت.
وبعدين قالت
نادين كانت تعرف الحقيقة.
اتنفست بصعوبة.
إيه الحقيقة؟
قبل ما تموت بأيام، نادين قابلت أمي.
فتحت ظرف قديم ومدتهولي.
جواه رسالة.
خط نادين.
فتحتها.
وكان أول سطر
عمر، لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرف كل حاجة.
إيدي بدأت تترعش.
لكن قبل ما أكمل
سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
سلمى بصت من الشباك.
وشها اتغير.
إحنا لازم نمشي.
ليه؟
قالت
لأنهم عرفوا إنك وصلت هنا.
وفي نفس اللحظة
رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
صوت رجل كبير قال
لو عايز تشوف أمك متتحركش من البيت.
سكت.
ثم أضاف
لأنها عندنا.
بصيت لسلمى.
ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
لكنها قالت جملة واحدة
متصدّقوش.
قفلت المكالمة.
وسألتها
أصدق مين؟
قالت
أمي.
وبصت للباب.
لأنها كانت مستنية اليوم ده من 16 سنة.
في صباح اليوم التالي
كنت واقف قدام باب جناحي في الفندق.
فتحت الباب.
ولقيت التلاتة صاحيين.
أول ما شافوني
ابتسموا.
دخلت وشلتهم واحد واحد.
لأول مرة
مكنتش محتاج أجهزة.
ولا ممرضات.
ولا أطباء.
ولا فلوس.
كنت محتاج بس أكون أبوهم.
وبينما أنا بحضنهم
سمعت دندنة خافتة من خلفي.
نفس التهويدة.
استدرت.
وكانت هناك امرأة عجوز واقفة عند الباب.
شعرها أبيض.
وعينيها مليانة دموع.
بصتلي وقالت
كبرت يا عمر.
وقفت مشلول من الصدمة.
عرفت صوتها فورًا.
الصوت اللي فضلت أسمعه في أحلامي 16 سنة.
جريت ناحيتها.
لكن قبل ما أوصل لها
قالت
استنى.
وقفت.
ابتسمت وهي بتبكي.
خليني أشوف ابني الأول.
نظرت لأولادي.
ثم إليّ.
وقالت
وبعدين أحكيلك ليه سيبتك.
نزلت دموعي.
ولأول مرة من 16 سنة
فهمت إن بعض الغياب مش بيكون تخلي.
أحيانًا
بيكون تضحية.
وأحيانًا الشخص اللي بتقضي عمرك تكرهه
يكون هو نفسه الشخص اللي قضى عمره كله بيحاول يحميك.
أما سلمى
فوقفت بعيد وهي تبتسم.
لأن مهمتها خلصت.
لكن قبل ما تمشي، ناديتها
سلمى.
التفتت.
قلت
أختي.
ابتسمت.
وقالت
أخيرًا عرفت.
ثم خرجت.
وأنا رجعت بصيت لأولادي.
التلاتة كانوا نايمين في حضني.
لكن المرة دي
أنا اللي كنت بحضنهم.
مش علشان أسكت عياطهم.
علشان عمري ما أسمح لهم يحسوا
إن أبوهم اختار يبعد عنهم.


