روايه جديده

أقوله اه وأدخل أنام وأصدق إن بكرة الصبح هلاقي تفسير بسيط لكل ده.
بس تليفونه رن فجأة.
كان محطوط جنب الملاحة، رشدي خرج من الحمام وشاف الاسم وخطف الموبايل قبل ما تكمل الرنة التانية.
ده شغل.
وطلع على البلكونة.
من ورا إزاز البلكونة شوفته بيتكلم وهو موطي راسه، وسمعته بيقول بصوت مخنوق
مقدرش أوعدك بحاجة دلوقتي خالص.
لما دخل، سألته مين ده؟
واحد زميلي.
السمسار اللي بيبيع الشقق؟
لأ، واحد تاني.
نام وهو مديني ضهره.
وأنا فضلت صاحية عيني في السقف بفتكر كل مرة في الكام شهر اللي فاتوا كان يشتكي فيها من قلة الفلوس لما قولتله نعزل السطح من المطر، ولما طلبت نظارة قراية جديدة، وحتى لما كان ضرسي واجعني وأجلت دكتور السنان عشان الميزانية مخرومة.
على الساعة خمسة ونص الصبح سمعته بيقوم. وقف جنب السرير شوية، يمكن كان بيتأكد أنا نايمة ولا لأ.
غمضت عيني وعملت نفسي نايمة.
قبل ما يخرج، فتح الدولاب ومد إيده على الرف اللي فوق خالص.
حفظت صوت احتكاك علبة الصاج القديمة بالخشب؛ العلبة دي اللي شايلين فيها عقود الشقة وشهادات الميلاد والورق المهم.
أول ما رزع باب الشقة وراه، عديت في سري لحد تلاتين.
بعدها جريت وسحبت كرسي السفرة لحد الدولاب.
العلبة كانت خفيفة، أخف بكتير من وزنها اللي عارفاها بيه.
نزلتها على السرير وفتحت الغطا، ومديت إيدي أدور على الظرف الأصفر التقيل اللي شايلاه من الرطوبة بقاله سنين.
ما لقيتوش. عقد الشقة الأصلي مش موجود.
وتحت صورة قديمة من بطاقته، لقيت دوسيه بنك أول مرة في حياتي أشوفه.
في أول ورقة كان مكتوب اسم رشدي ثلاثي.
وتحته، عنوان شقتنا.
وجنب تاريخ من تمن شهور بالظبط، كان مكتوب رقم اضطريت أقرأه مرتين وتلاتة عشان استوعبه
380000 جنيه قسط قرض بضمان الشقة.
الجزء الثاني والأخير
فضلت قاعدة على طرف السرير، والورقة في إيدي بترتعش وصوت خروشتها عامل زي دبيب في ودني. تلتُمية وتمانين ألف جنيه؟ وبضمان الشقة؟
الشقة اللي بابا الله يرحمه دفع دم قلبه عشان يسدد خلو رجلها زمان، والشقة اللي أنا ورشدي قعدنا أول خمس سنين جواز بنسدد في باقي تمنها للجمعية بقسط شهري مابيسبلناش غير حق الفول والعيش وحتة جبنة قريش. الشقة اللي كل حيطة فيها مدهونة بتعب وسهر، طالعة في دوسيه أبيض ونضيف، ومطبوع عليها ختم بنك، ومحطوطة رهن؟
نزلت من على السرير ورجليا مش شيلاني. حطيت الدوسيه على ترابيزة السفرة، وقعدت أفر فيه ورقة ورقة. ميعاد السداد، جدول الفوايد، وإخطار متأخرات باللون الأحمر الفاقع مطبوع عليه إنذار أخير قبل البدء في إجراءات التنفيذ الجبري. الإنذار متأرخ من خمستاشر يوم بس.
يعني الراجل مش بس بيبيع عشان مفركش، ده مهدد إن الشقة تتسحب منه، وواقف على شفا حفرة وهايسحبنا معاه في القاع.
تليفوني رن، كانت سارة بنتي الكبيرة.
أيوة يا سارة.
صوتي طالع عامل زي اللي طالعة من تحت أنقاض، مخنوق ومتحشرج.
ماما، إنتي كويسة؟ أنا جاية لك في الطريق، ركبت تاكسي ومعايا طارق جوزي وسبت الولاد عند حماتي. قولي لي بس في إيه؟
تعالي يا سارة.. تعالي شوفي أبوكي كان بيدبر لإيه وإحنا نايمين على ودانا.
قفلت معاها، وقمت دخلت المطبخ. ولعت على البراد من غير وعي، ووقفت أبص للرخامة، للحلل، للطقم الصيني اللي جابتهولي أمي في جهازي ولسه شايلة منه أطباق في النيش مش مستعملاها عشان الزمن والأيام السودة. وطلع هو ده الزمن الأسود، بس مجاش بمرض ولا بفقر من عند ربنا، جه من الراجل اللي شاركته مخدة واحدة سبعة وعشرين سنة.
الباب خبط خبطتين ورا بعض، فتحت لقيت سارة ووشها مخطوف، وجوزها طارق واقف وراها باصص في الأرض بإحراج.
ادخلوا.. ادخل يا طارق متتكسفش، خلاص ما بقاش في حاجة تستخبى في البيت ده.
سارة دخلت رمت شنطتها وجريت عليا، مسكت إيدي وحضنتني
في إيه يا ماما؟ بابا كلمك تاني؟ الإعلان لسه موجود، أنا دخلت الصبح لقيته مغير السعر ومنزله خمسين ألف كمان!
شديتها من إيدها لحد السفرة وشاورت على الدوسيه
اقري يا بنتي.. اقري شقى أمك وشقى أبوكي راح فين.
سارة مسكت الورق، وطارق قرب منها يبص على الأرقام. شفت وش سارة بيتحول من القلق للذهول، وبعدين للغضب
قرض؟ بابا واخد قرض بضمان الشقة؟ ليه؟! وفين الفلوس دي كلها؟ ده إحنا في جوازة مريم أختي من سنتين طلع عينه عشان يجهزها وقال ممعاييش وخلاني استلفت له من جمعية كنت عاملاها! راحوا فين الفلوس دول يا ماما؟
طارق مسك الإنذار، وقلب في الورق بنظرة عملية شوية وقال
يا حماتي، المشكلة مش بس في الفلوس.. المشكلة إن في شرط جزائي والبنك حاجز على أصل العقد في خزنته، يعني عمي رشدي ميعرفش يبيع الشقة دي بيع وشرا رسمي ويسجل في الشهر العقاري، هو كده بيبيع عقد ابتدائي وتوكيل، عشان كده رامي السعر في الأرض، وعشان كده كاتب لسرعة البيع، هو عايز يلم كاش في إيده من أي زبون مغفل عشان يسدد للبنك قبل ما يحجزوا عليها وتتفضح الحكاية، والباقي بقى ياخده يحطه في جيبه أو يهرب بيه.
الكلمة نزلت على دماغي زي مية مغلية يهرب بيه؟
يهرب من مين يا طارق؟ هو رشدي واقع في إيه بالظبط؟
طارق بص لسارة بتردد، كأنه عارف حاجة وخايف ينطق، بس سارة زعقت فيه
انطق يا طارق! إنت عارف حاجة ومخبي عليا؟
طارق اتنهد ومسح على وشه بضيق
بصي يا سارة، بصي يا حماتي.. من حوالي ست شهور، عمي رشدي جالي المحل، وقعد معايا على انفراد، وقالي إنه داخل في مشروع تشغيل أموال مع ناس في المطرية، تجارة وتصدير أدوات صحية، وإنهم بيدوا أرباح عشرين في المية كل شهر. أنا قولتله يا عمي الكلام ده نصب في نصب ومفيش تجارة بتجيب الرقم ده دلوقتي، قالي إنت خايب ومبتفهمش في التجارة، دول ناس واصلين ومعاهم سجل تجاري وبطاقة ضريبية. طلب مني ساعتها مية ألف جنيه، قولتله والله ما معايا ولا أملك غير بضاعتي، زعل ومشي.. بس مكنتش أتخيل أبداً إنه يروح يرهن الشقة ويحط فلوسها هناك!
قعدت على الكرسي وأنا حاسة الدنيا بتلف بيا. البني آدم ده كان طول عمره بيعمل نفسه الراجل المحنك اللي فاهم كل حاجة، اللي يمسك الجنيه يفركه ميت مرة، اللي كان بيحاسبني على فاتورة النور لو زادت عشرين جنيه ويقولي متولعيش اللمبة بتاعة الطرقة.. يطلع في الآخر مغفل ورايح يرمي شقانا في بطن نصابين؟
مسكت تليفوني واتصلت بيه.
رن مرة.. التانية.. التالتة.. فتح الخط.
أيوة يا عفاف، أنا في مصلحة كده وراجع على طول، هاتي عيش وانتي مروحة من السوق.
بيتكلم ببرود، بنفس النبرة الهادية اللي تفرس.
إنت فين يا رشدي؟
قولتلك في مشوار شغل، في إيه؟
تعالى يا رشدي عشان جوز بنتك هنا، ومعانا ورق البنك والإنذار بالبيع الجبري.
الخط فضل ساكت. مفيش حتى صوت نفس.
خمس دقايق وتكون في البيت، ولو مجيتش، أنا هطلع على قسم مدينة نصر أعمل فيك محضر تبديد، والشقة دي حق انتفاع بتاعي ومكتوبة مناصفة بيني وبينك في العقد القديم اللي إنت
نسيته في الدرج يا رشدي.. تعالى.
قفلت في وشه، وكنت بكذب عليه في حكاية النص بالنص دي، الشقة كلها باسمه، بس كان

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *