روايه جديده

لازم أهزه، كان لازم أحسسه إن الأرض اللي تحته مش ثابتة زي ما هو متخيل.
مرت نص ساعة زي سنين.
سارة كانت رايحة جاية في الصالة بتعيط وتدعي، وطارق عمال يقلب في الدوسيه ويشوف التواريخ وأسامي المحامين اللي مكتوبين على الإنذار. وأنا كنت قاعدة ساكتة تماماً. الوجع اللي كان في بطني اتحول لجليد، حسيت إني كبرت عشرين سنة فوق عمري في ليلة واحدة، بس في نفس الوقت، كان في غضب بارد بيملا عروقي.. الغضب اللي بيخلي الست متعيطش، وتفكر زي التعلب عشان تحمي حيطانها.
صوت المفتاح في الباب.
الباب اتفتح ببطء، ودخل رشدي. كان باين عليه إنه كان بيجري، وشه عرقان وقميصه مفكوك منه زرارين، وعينيه تايهة بتبص على الكل وبتتفادى تبص في عيني أنا بالذات.
قفل الباب وراه ووقف ساند ضهره عليه.
إيه اللمة دي؟ جايبين طارق يحضر مشاكلنا العائلية يا عفاف؟ للدرجادي مبقاش في ستر في البيت ده؟
سارة انفجرت فيه
ستر إيه يا بابا؟! الستر اللي إنت عريته لما نزلت صور أوضنا وصالتنا على النت للغريب والقريب؟ الستر اللي ضيعته لما رحت ربيت فلوسك في البحر وجاي تدفع تمنها من بيتنا؟
رشدي زعق فيها وهو بيشوح بإيده
اخرسي يا بت! متدخليش بيني وبين أمك، ومترفعيش صوتك عليا، أنا لسه أبوكي!
رشدي! قولت الكلمة دي بصوت واطي بس كان فيه حدة قطعت كلامه في ثانية.
بصلي وهو بيبلع ريقه.
شاورت له على الكرسي اللي قصادي
اقعد.
بص للكرسي وبص لطارق وسارة، وبعدين سحب الكرسي وقعد وهو حاطط إيده على ركبه ورجله بتهز بعصبية.
قولي بقى يا رشدي.. الفلوس راحت فين؟
فرك عينيه بقهر فجأة، وبدأت ملامحه تتكسر، وش الغرور والكبرياء اللي كان لابسه من امبارح بدأ يتقشر، وظهر تحته راجل عجوز مهدود، مضحوك عليه
اتنصب عليا يا عفاف.. اتنصب عليا وخراب بيتي جه على إيديهم.
اتنصب عليك في إيه وإزاي؟
واحد معرفة في الشركة.. قال لي في شركة استيراد بتشغل الفلوس في البضاعة وبتطلع أرباح خيالية. قولت أعمل قرشين للزمن، قولت لما أطلع معاش نبقى مستورين ومنمدش إيدنا للبنات ولا لأزواجهم.. حطيت مكافأة نهاية الخدمة اللي أخدتها مقدم، وبعدين قالوا لي لو زودت المبلغ هنديك نسبة شراكة في الفرع الجديد. روحت البنك وعملت القرض.. قولت كلها ست شهور وهرد القرض كله من الأرباح وأرجع العقد مكانه من غير ما تحسي بحاجة.
وفين الأرباح دي؟ سألته سارة بمرارة.
أول شهرين أخدت الفوايد مظبوطة.. بعد كده الراجل فص ملح وداب، الشركة قفلت ولقيت عليها ميت واحد بيطالبوا بفلوسهم، رفعت قضية، بس القضايا بتاخد سنين، والبنك مبيستناش.. البنك كل شهر بيحسب فوايد وغرامات، لحد ما المبلغ ركب بعضه ووصل للرقم ده.. والإنذار جه، ولو مدفعتش خلال أسبوعين، الشقة هتدخل مزاد علني يا عفاف! هتفضح في المنطقة وعلى كبر هبقى متبهدل في المحاكم!
وعشان متتفضحش إنت.. قولت تبيع الشقة بتراب الفلوس، وترمينا في الشارع؟
مكنتش هرميكي في الشارع! صرخ وهو بيحاول يدافع عن نفسه كنت هاخد شقة إيجار قديم ولا جديد في فيصل ولا في الهرم، ونقعد فيها بالباقي، وكنت هقولك إننا غيرنا عشان البيت واسع علينا!
بتكدب.. بتكدب لحد آخر لحظة يا رشدي.
قومت وقفت وقربت منه، وبصيت في عينيه
إنت مكنتش هتاخدني معاك في أي حتة.. إنت أختي فادية قالتلك إنها متكلمنيش غير لما إنت تفهمني، بس الحقيقة إنك كنت مخطط تخلص البيعة وتاخد القرشين وتسيبني قدام الأمر الواقع. تفتكر أنا عبيطة ومش عارفة المكالمة اللي في البلكونة امبارح كانت مع مين؟ مين اللي كنت بتقوله مش هقدر أوعدك بحاجة دلوقتي؟ ده السمسار؟ ولا المحامي بتاع البنك؟ ولا حد تاني خالص؟
رشدي بصلّي برعب، عينيه وسعت وبدأ يتلفت كأنه محاصر
كان.. كان المحامي بتاع البنك، والله العظيم كان المحامي، بيسألني هسدد امتى عشان يوقف الإجراءات!
طارق اتدخل في اللحظة دي وقال
عمي رشدي، الموضوع دلوقتي ملهوش غير حلين مالهومش تالت. إنت لو بعت بالتوكيل لزبون في السوق من غير ما تسدد البنك، الزبون نفسه هيرفع عليك قضية نصب لما يعرف إن الشقة محجوز عليها، وهتبقى قضية نصب وتبديد مش بس دين مدني.. يعني فيها حبس على طول.
رشدي حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت مسموع، بكا راجل مكسور بس البكا ده مكنش مأثر فيا.. كان واجعني اه، بس مكنش مخليني أتعاطف معاه. اللي يفرط في سقف عياله وكرامتهم عشان طمعه وخيبته، ملوش عندي دموع.
طب والعمل؟ رشدي سأل وهو باصص في الأرض أعمل إيه يا طارق؟ أروح أرمي نفسي في النيل؟ أتحبس على كبر؟
بصيت لطارق وسألته
الحل التاني إيه يا طارق؟
طارق رتب الورق بإيده وقال
الحل التاني يا حماتي، إن البنك مش عايز الشقة، البنك عايز فلوسه. أصل الدين مش ٣٨٠ ألف، أصل الدين في العقد هنا ٢٥٠ ألف، والباقي فوايد وغرامات تأخير. لو حد راح قعد مع الشؤون القانونية في البنك، وعمل تسوية فورية كاش، ممكن ينزلوا الفوايد والغرامات ويوصلوا للمبلغ الأصلي أو زيادة حاجة بسيطة.. يعني ممكن تخلص ب ٢٨٠ أو
٢٩٠ ألف، وتتسدد ويترفع الحجز، وتستردوا عقد الشقة الأصلي.
ونجيب منين ٢٩٠ ألف جنيه في أسبوعين؟ سارة قالتها بيأس.
سكتت لحظة، وبصيت للأوضة بتاعتي.
أنا معايا الفلوس دي.
الكل سكت وبصلي بذهول، حتى رشدي رفع راسه وعينيه مبرقة
معاكي منين يا عفاف؟
معايا ورث أبويا اللي سبتهولي في البنك من ست سنين، ومكنتش راضية أقرب منه ولا أقولك عليه عشان كنت حاسة، قلبي كان قارصني من زمان إنك مابتحفظش على نعمة.. كنت شايلاهم للزمن، عشان لما بناتي يحتاجوا حاجة ميمدوش إيدهم، وعشان لما أعجز وأمرض ما استناش منك تجيبلي الدوا بالعافية.
رشدي قام وقف، ومد إيده كأنه عايز يمسك إيدي
يا عفاف.. ربنا يباركلك، والله العظيم هكتبلك بيهم شيكات، وهسددهم قرش قرش من معاشي، ومش هطلب منك..
اقعد مكانك وماتمدش إيدك قاطعتها بصوت قاطع خلاه يرجع خطوة لورا.
أنا هدفع للبنك، بس مش عشان سواد عيونك يا رشدي، ولا عشان أصلح خيبتك. أنا هدفع عشان الشقة دي شقايا، والستاير دي أنا اللي مفصلاها، والزرع اللي في البلكونة أبويا هو اللي حاطه، وعيالي اتولدوا وكبروا هنا.. مش هسيب عيل نصاب ياخد حيطة من الحيطان دي، ولا هسيب الناس تتفرج علينا في مزاد علني.
اللي تشوفيه يا عفاف، أعمل أي حاجة، والله العظيم اللي تأمريني بيه.
اللي أشوفه إننا بكرة الصبح، أول ما الشهر العقاري يفتح، هنروح سوا أنا وإنت وطارق.
نعمل إيه؟
هتتنازل عن الشقة دي بيع وشرا نهائي وبات، ليا ولبناتك، ميبقاش ليك فيها قيراط واحد، وملكش حق التصرف في أي طوبة فيها.. الشقة تتكتب باسمي أنا وسارة ومريم بالتساوي. ونطلع من هناك على البنك، نسدد المبلغ كاش وناخد مخالصة ونستلم عقد الشقة الأصلي يفضل في إيدي أنا.
رشدي فتح بقه كأنه عايز يعترض، الكبرياء القديم اتحرك جواه ثانية
يعني أتنازل عن ملكي كله؟ وأبقى قاعد في بيتي ضيف؟
إنت ضيعت ملكك خلاص لما مضيت على القرض، إنت دلوقتي ملكش حاجة غير الحبس لو مسمعتش الكلام.. وبعدين بيتك إيه؟ هو إنت فاكر بعد ما الموضوع ده يخلص إننا هنفضل
متجوزين؟
الأوضة كلها سكتت. سارة شهقت وحطت إيدها على بقها
ماما!
متقاطعيش يا سارة. أنا قعدت مع أبوكي سبعة وعشرين سنة، استحملت بخله، واستحملت نكده، واستحملت تحكماته وقولت راجل وبيحافظ على قرشه. لكن يخوني؟ يتفق مع أختي من ورا ضهري؟ يصور أوضة نومي وينزلها في إعلان على فيسبوك ويبيع بيتي ويهددني بالشارع عشان طمعه؟ لأ لحد هنا وخلاص. أنا ست عندي تمانية وأربعين سنة، واللي باقي من عمري مش هعيشه خايفة من الراجل اللي نايم جنبي.
رشدي كان وشه بهتان زي الميتين. ملقاش كلمة تتقال، كل الدفاتر اتقفلت في وشه، وكل الطرق اتسدت.
ماشي يا عفاف.. اللي انتي عايزاه هعمله. بس متخربيش البيت..
البيت اتخرب يا رشدي من يوم ما دخلت عليه غريب يفرجه عشان يبيعه. إنت اللي خربته بإيدك.
تاني يوم الصبح، كانت الشمس لسه طالعة خجولة في شوارع مدينة نصر.
روحنا الشهر العقاري في الحي السابع، المكان كان زحمة والناس فوق بعض، ورشدي كان ماشي ورايا زي خيالي، مطبس راسه ومبيتكلمش. قعدنا قدام الموظف، ومضى، وبصم، ووقع على كل التنازلات، وعينيه كانت بتزوغ من الورق، حاسس إنه بيسلم آخر حاجة كانت مدياه قيمة في الدنيا دي.
من الشهر العقاري، روحنا على البنك. قابلنا مدير الشؤون القانونية، طارق اتكلم معاه بحرفنة، وطلعنا بخصم على الفوايد زي ما قال بالظبط، ودفعت الشيك المصدق من فلوس ورث أبويا.
لما الموظف سلمني العقد الأصلي بتاع الشقة، العقد الأصفر القديم اللي عليه دمغة الحكومة وشايلاه بقالي سنين.. حضنته على صدري زي ما بكون بحضن عيل من عيالي كان مخطوف ورجع.
خرجنا من البنك، الهوا كان ساقع شوية، رشدي وقف على الرصيف وبصلي
هتروحي فين دلوقتي؟
هروح بيتي.. بيت بناتي. وإنت يا رشدي تروح عند أختك ولا عند أي حد من معارفك، تيجي بكره وأنا مش موجودة، تاخد هدومك وحاجتك الشخصية بس، شنطة هدومك متزيدش عنها قميص، ومفتاح الباب تسيبه على الترابيزة. ورقة طلاقي توصلي على يد محضر خلال أسبوع، وإلا هرفع قضية خلع ومش هخلي حد في عيلتك ميعرفش الفضيحة دي.
مستنتش أسمع رده، شديت سارة من إيدها، وشاورنا لتاكسي وركبنا.
بصيت عليه من شباك التاكسي وهو واقف لوحده على الرصيف، عربيات رايحة وعربيات جاية، تايه وسط الزحمة ومحدش حاسس بيه، زي الشجرة اللي سوسها منها فنشفت ووقعت لوحدها.
لما وصلت البيت، فتحت الباب بالمفتاح بتاعي.
دخلت وريحة الشقة هي هي، بس حسيت إن النفس بقى خفيف، الكتمة اللي كانت في صدري من سنين بدأت تفك. دخلت الصالة، بصيت على الستاير اللي كنت مفصلاها بإيدي، الستاير اللي فضحونا بيها على النت.
قربت منها، وفككتها من الماسورة بهدوء، وطبقتها.
طلعت البلكونة، شوفت زرع بابا، سقيته بمية نضيفة، وفتحت الشبابيك كلها عشان أدخل هوا جديد.
سارة دخلت ورايا وقالت بصوت واطي
ماما، إنتي ندمانة؟
مسحت تراب السور بإيدي، وبصيت للسما الصافية فوق عمارات مدينة نصر، وابتسمت لأول مرة من تلات أيام
أندم على إيه يا بنتي؟ الست بتستحمل الفقر، وبتستحمل التعب، لكن متستحملش الغدر. الشقة رجعت لأصحابها، والعمر اللي باقي قليل أه، بس هعيشه في
النور.. من غير خوف، ومن غير كدب. النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *