جوزي غسلي سجاد الشقه كلها

مستنياه ينهي المهزلة دي ويقفل الباب في وش أي حد يجرحني بالشكل ده، لكن رد فعله المرة دي هو اللي فجر قنبلة تانية خالص مكنتش معمولة في الحساب.
طارق وقف، وبص لأمه ببرود شديد، وقال لها بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت
خلاص خلصتي اللي عندك يا أمي؟ ارتحتي لما عرفتي إنها هتعمل عملية؟
حماتي بصت له باستغراب
خلصت إيه؟ أنا بنصحك لمصلحتك يا ابني!
طارق ابتسم ابتسامة مكسورة وقال
طب طالما إنتِ مهتمة أوي بالورق والتحاليل والفلوس، ما قريتيش باقي الملف ليه؟ ما شفتيش التقرير التاني اللي كان تحت تقرير مراتي في نفس الفايل؟
حماتي اتلخبطت
تقرير إيه تاني؟ أنا لقيت الورقة دي بس وخدتها.
طارق
بصلها، وبعدين لف وشه وبصلي أنا.
الدموع اللي كان حابسها في عينيه طول الوقت بدأت تنزل على خده. كان شكله بيبكيني من جوة، شكله كان عامل زي طفل تايه ومش لاقي حد ينجده.
قرب مني خطوتين، ومسك إيديا الباردة بإيديه الاتنين، وقال بصوت واطي بيترعش، وصوته كان واصل لمسامع أمه في نفس الوقت
سامحيني يا حبيبتي… أنا اللي خبيت عليكي. أنا اللي كنت جبان ومقدرتش أقولك الحقيقة طول الشهرين اللي فاتوا دول.
أنا وقفت مصدومة، لساني عجز عن الكلام، مش فاهمة هو بيتكلم عن إيه
طارق… في إيه؟ إنت خبيت عليا إيه؟ التحاليل فيها حاجة تانية الدكتور مقالهاش؟ عمليتي مش هتنفع؟
طارق هز راسه بنفي والدموع مغرقة وشه
لأ، عمليتك هتنفع إن شاء الله وهتقومي منها زي الفل… بس الحقيقة مش إنك إنتِ المريضة بس. الحقيقة إن التعب ده مش هو اللي كان مانعنا نخلف السنتين اللي فاتوا دول.
حماتي وقفت مذهولة، وأنا قلبي كان بيدق بسرعة جنونية لدرجة إني كنت سامعة صوت دقاته في وداني.
طارق كمل بصوت مبحوح
العيب مكنش منك يا أمي زي ما كنتِ بتقولي ليل ونهار وتعايريها بيه… العيب كان مني أنا من الأول. والتقرير التاني اللي في الدرج، ده تقريري أنا… أنا اللي عندي مشكلة ومفيش أمل أخلف، وهي كانت عارفة وصابرة وساكتة وشايلاني قدامك وقدام الدنيا كلها، ومخلتنيش أحس بنقص للحظة واحدة!
الصالون بقى ساكت تمامًا، سكوت يوجع الودان.
حماتي فتحت بوقها ومش قادرة تنطق، الورقة اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض، وعينيها رايحة جاية بيني وبين ابنها بذهول مش مستوعباه.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش هنا بس.
الصدمة إن طارق، بعد ما قال الجملة دي، مسك إيدي أكتر وبص في عيني، ولقيت صوته بيوطى أكتر، ونبرته فيها وجع أكبر بكتير، كأن في سر تالت وأخطر كان مدفون في قلبه، سر مكنش يعرفه لا أمه ولا أنا!
بص في عيني بضعف غريب، وهمس وهو بيترعش
ومصاريف عمليتك يا حبيبتي… الفلوس اللي بنلف بيها دي كلها… أنا مجبتهاش من البنك زي ما قلتلك. أنا مضيت على شيكات وكمبيالات لواحد مكنش لازم أقرب منه أبدًا… والمهلة خلصت إمبارح!
يتبع
الكلمة وقعت على وداني كأن سقف البيت كله اتهد فوق دماغي.
شيكات وكمبيالات؟ والمهلة خلصت إمبارح؟
حسيت الدنيا بتلف بيا، وكل الأصوات اللي في الصالة تلاشت فجأة ومبقاش مسموع غير صوت أنفاسي العالية وصوت دقات قلبي اللي بتضرب في صدري زي المرزبة. بصيت لإيد طارق اللي ماسكة إيدي، لقيتها بتترعش بطريقة تفجع، راجل بطوله وعرضه، اللي كان واقف يغسل السجاد بكل رضا عشان ما يخلينيش أمد إيدي على حاجة، واقف قدامي دلوقتي ضهره محني والدموع مغرقة عينيه وخايف من بكرة كأنه عيل صغير تايه في زحمة.
حماتي وقفت متسمرة مكانها، الصدمة شلت لسانها، عينيها عمالة تروح وتيجي بيني وبين طارق، مش قادرة تستوعب اللي سمعته. ابنها حبيبها، سندها، اللي كانت بتعايره عشان بيساعد مراته، بيعترف في وشها إنه هو اللي عنده العيب وإنه هو اللي مبيخلفش، وفوق كل ده غرقان لشوشته في ديون وشيكات مهدداه بالحبس عشان ينقذ مراته.
السكوت كان تقيل ومخنوق، يقطع النفس، لحد ما حماتي بلعت ريقها بصوت عالي، وصوتها طلع مخنوق ومرعوب لأول مرة شيكات إيه يا طارق؟! كمبيالات لمين يا ابني؟! إنت اتجننت في عقلك؟! هتودي نفسك في داهية عشان إيه؟! عشان مصاريف عملية؟! هي الدنيا جرى فيها



