في صباح اليوم الذي أصبح فيه طلاقي رسميًا، سحبتُ أعلى تصريح أمني كانت تمتلكه حماتي السابقة. وفي الساعة 430 فجرًا، كان طليقيوهو ضابط بحري رفيعيقف أمام شقتي الفاخرة في القاهرة مع فريق اقتحام كامل ومتفجرات على بابي. كان يظن أنه جاء لإنقاذ امرأة ضعيفة ولم يكن لديه أي فكرة عمّن كان بانتظاره في الداخل. أول شيء فعلته بعد أن أعلن القاضي انتهاء زواجي لم يكن البكاء. ولم يكن الاحتفال. ولم يكن حتى الاتصال بمحامٍ. بل سحبتُ تصريحًا أمنيًا بهدوء تام. ليس دخولي الشخصي. ولا كلمة مرور. بل تصريح دفاعي عالمي من المستوى الثامن كانت حماتي السابقة تستخدمه لسنوات وكأنه حقٌ لها. طوال خمس سنوات، لم تتوقف مدام نجلاء منصور عن تذكيري بأنني مجرد مدنية تزوجت بالصدفة من عائلة عسكرية مرموقة. وبحسب رأيها، سأظل دائمًا دخيلة. ومع ذلك لم تسأل يومًا كيف كانت تسافر على طائرات عسكرية سرية. ولا كيف كانت تُستقبل في مؤتمرات الدفاع الدولية دون أي تدقيق. ولا عن الاتصالات المشفرة، أو الامتيازات الدبلوماسية، أو الحراسات الخاصة التي كانت تظهر فجأة أينما ذهبت. كانت تظن ببساطة أن كل هذه الأبواب تُفتح لها لأنها تستحق. لم تدرك أبدًا أنها كانت تُفتح لأنني أنا من سمحت بذلك. في صباح انتهاء زواجي من القائد البحري كريم منصور داخل قاعة محكمة هادئة في القاهرة، عدت إلى شقتي المؤمنة المطلة على النيل. شغّلت جهازًا مشفرًا. أدخلت سلسلة من مفاتيح التحقق. فتحت قاعدة بيانات سرية. ثم حذفت اسم نجلاء منصور من كل نظام مرتبط بصلاحيتي. استغرقت العملية أقل من ثلاثين ثانية. وعندما ظهرت رسالة التأكيد أغلقت الجهاز. وبصراحة ظننت أنني لن أفكر في عائلة منصور مرة أخرى. لكنني كنت مخطئة. في تمام الساعة العاشرة مساءً بدأ هاتفي الفضائي الآمن يرن. ظهر اسم واحد فقط على الشاشة كريم. ترددت لثوانٍ ثم غلبني الفضول. أجبت. قال بحدة قبل أن أتكلم ليلى إيه اللي عملتيه بالضبط؟ وقفتُ بجانب النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف، أراقب أضواء القاهرة وهي تتلألأ في الليل. قلت بهدوء لازم توضح أكتر يا سيادة القائد. قال بصوت مرتجف من الغضب أمي اتعرضت لإهانة قدام كبار مسؤولي الدفاع. كانت بتحاول تدخل قمة الدفاع العالمية في دبي. تم رفض أوراقها. وخرجوها تحت حراسة مسلحة. لأول مرة منذ سنوات ابتسمت دون شعور بالذنب. قلت بهدوء يمكن المفروض تستخدم أوراق تخصها فعلاً. ساد الصمت لعدة ثوانٍ. وعندما تكلم مرة أخرى كان صوته مختلفًا. أهدأ وأبرد. نفس النبرة التي يستخدمها عند استجواب خصومه. ليلى بلاش تفتحي حرب إنتِ مش قدها. وضعتُ الكأس بهدوء على المكتب. وقلت يا كريم الحرب انتهت الصبح. إنت بس لسه واخد بالك إن سلطتك انتهت معاها. ثم أغلقت الخط. وحظرت كل قنواته. ونمت أفضل نوم منذ سنوات. حتى تمام الساعة 430 فجرًا. صوت إلكتروني حاد أيقظني فجأة. لم يكن جرس الباب. ولا طرقًا. بل صوت تثبيت عبوة اقتحام على بابي الفولاذي. تسارع نبضي فورًا. مددت يدي إلى لوحة التحكم الأمنية بجوار السرير. اشتغلت الكاميرات الخارجية. وكان هناك. كريم. يرتدي زيًا قتاليًا كاملًا. سلاحه في مكانه. ويقف بجوار فريق اقتحام مكوّن من أربعة أفراد بأسلحة جاهزة. أحدهم كان راكعًا أمام الباب يثبت المتفجرات. أشار كريم نحو الشقة وقال افتحوا الباب. طليقتي بتمر بانهيار نفسي. هندخل دلوقتي. في تلك اللحظة شعرت أن الهواء اختفى من صدري. لم يكن يحاول إنقاذي. بل كان يصنع أزمة ليقتحم بيتي بالقوة. كان يظن أنني وحدي. وخائفة. وضعيفة. لكن القائد كريم منصور ارتكب خطأً كارثيًا. لم يكن لديه أي فكرة من كان ينتظره بالفعل في الداخل. لم يستغرق الأمر سوى ثانيتين حتى استعدتُ هدوئي الكامل. الخوف لم يكن خيارًا وليس في قاموسي أصلًا. ضغطتُ زرًا صغيرًا مخفيًا داخل لوحة التحكم. وبهدوء تام قلت كلمة واحدة فقط تنفيذ. في نفس اللحظة، تغيّر كل شيء. قبل أن يتمكن الرجل الراكع من تثبيت العبوة بالكامل انطفأت الأنوار في الممر الخارجي فجأة. تبعها صوت معدني حاد ثم أقفال إلكترونية تُغلق تلقائيًا. تجمّد الفريق في أماكنهم. إيه اللي بيحصل؟! صرخ أحدهم. لكن كريم لم يتحرك. كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا. إليّ أنا. وكأنه بدأ يدرك أنه لم يعد المسيطر. ثوانٍ فقط ثم فُتح باب المصعد خلفهم ببطء. صوت خطوات منتظمة خرجت منه. ليست خطوات عشوائية بل خطوات مدروسة مدربة. ظهر أول رجل. ثم الثاني. ثم الثالث. كلهم يرتدون ملابس سوداء بالكامل بلا أي شعارات. لكن الأسلحة التي يحملونها لم تكن عادية. ولم تكن مصرية. تصلّب جسد كريم فجأة. تراجعوا قالها بصوت منخفض لفريقه. لكن الأوان كان قد فات. الرجل الأول اقترب خطوة واحدة فقط ثم قال بهدوء شديد إلقاء السلاح فورًا. ضحك أحد أفراد فريق كريم بسخرية إنتوا مين؟! لكن الإجابة لم تأتِ بالكلام. بل بالحركة. في أقل من ثانية كانت أسلحة فريق كريم كلها موجهة إلى الأرض بالقوة. حركات دقيقة سريعة بلا أي خطأ. رجال كريم رغم تدريبهم لم يتمكنوا حتى من المقاومة. أما كريم فكان لا يزال واقفًا. ينظر. يحاول الفهم. صوته خرج أخيرًا ليلى إنتِ عملتي إيه؟ ابتسمتُ بهدوء وأنا أفتح نظام الصوت الخارجي. ورددت أنا؟ ولا حاجة يا كريم. أنا بس بطّلت أحميكم. صمت. ثوانٍ طويلة من الصمت الثقيل. ثم قال أحد الرجال السود بهدوء القائد كريم منصور أنت متهم بمحاولة اقتحام منشأة سيادية بدون تصريح. اتسعت عينا كريم. إيه؟! منشأة إيه؟! دي شقة لكنه توقف فجأة. لأنه أخيرًا بدأ يرى الحقيقة. أجهزة المراقبة. أنظمة الحماية. طبقات التأمين التي لم تكن موجودة في أي شقة عادية. صوته خرج أبطأ هذه المرة دي مش شقة ابتسمتُ أكثر. آه يا كريم عمري ما كنت مجرد مدنية. تبادل الرجال النظرات. ثم قال أحدهم نقله تحت السيطرة. في لحظة واحدة تم تقييد حركة كريم. سلاحه سُحب منه. وفريقه بالكامل أصبح تحت السيطرة. وقبل أن يُسحب نحو المصعد رفع عينيه نحوي مرة أخيرة. وكان أول مرة أرى فيها هذا التعبير على وجهه. الصدمة. الخسارة. والإدراك المتأخر. قال بصوت خافت إنتِ كنتِ مين طول الوقت؟ اقتربتُ من الزجاج ونظرتُ إليه من أعلى. وقلت بهدوء قاتل الشخص الوحيد اللي كان مخليكم تفضلوا واقفين. ثم انغلقت أبواب المصعد. وعاد الهدوء كما لو أن شيئًا لم يحدث. لكن هذه المرة لم تكن النهاية. بل كانت البداية الحقيقية. لم تمضِ ساعة واحدة على اقتياد كريم وفريقه حتى بدأ كل شيء يتحرك. ليس على مستوى عائلة منصور فقط بل على مستوى أعلى بكثير. جلستُ أمام الشاشة الكبيرة داخل غرفة التحكم. تقارير تتدفق. مكالمات مشفرة. أسماء لم يكن يُسمح حتى بذكرها علنًا. كلهم يسألون نفس السؤال من فعّل البروتوكول؟ ابتسمتُ بهدوء وأنا أكتب كلمة مرور أخيرة. ثم أرسلت ردًا مختصرًا أنا. بعد دقائق بدأت الحقيقة تظهر. تم تعليق مهام كريم رسميًا. فتح تحقيق عاجل في استخدامه غير القانوني للقوة. تجميد جميع صلاحياته العسكرية. أما مدام نجلاء فكان وضعها أسوأ بكثير. كل الرحلات التي سافرتها. كل المؤتمرات التي حضرتها. كل الامتيازات التي استخدمتها بدأت تتحول إلى ملفات اتهام. انتحال صفة. استغلال نفوذ. دخول غير مصرح به لمنشآت حساسة. ولأول مرة في حياتها لم يكن هناك باب يُفتح لها. لأن الشخص لمحة نيوز الذي كان يفتح الأبواب أغلقها. كلها. لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في سقوطهم. بل في ما اكتشفوه بعدها. في غرفة تحقيق معزولة جلس كريم أمام طاولة معدنية. صامت. مرهق. لكنه ما زال يحاول التماسك. دخل ضابط يحمل ملفًا سميكًا. وضعه أمامه. وقال بهدوء اقرأ. فتح كريم الملف. الصفحة الأولى كانت تحمل اسمي. ليلى الشافعي. لكن تحت الاسم لم تكن مكتوبة كلمة مدنية. بل سلسلة من الألقاب. والمناصب. والمهام السرية. كل سطر كان ينسف الحقيقة التي عاش عليها سنوات. قرأ بصوت منخفض مدير عمليات توقف. بلع ريقه. ثم أكمل برنامج الأمن الاستراتيجي الدولي رفع عينيه ببطء. ده مش ممكن الضابط لم يبتسم. قال فقط طليقتك كانت مسؤولة عن التصاريح اللي إنت كنت بتستخدمها من غير ما تعرف. سقط الملف من يد كريم. ولأول مرة انهار صوته يعني أنا كنت قاطعه الضابط تحت حمايتها. صمت قاتل ملأ الغرفة. ثم همس كريم وهي سحبت الحماية. في نفس اللحظة كنتُ أقف أمام النافذة. الشمس بدأت تشرق فوق القاهرة. مدينة كاملة تستيقظ ولا تعرف أن ميزان القوة فيها تغيّر. دخل أحد الرجال بهدوء. قال تم تنفيذ كل الإجراءات. أومأتُ برأسي. ثم سأل هل هناك أوامر إضافية؟ نظرتُ إلى الأفق للحظة ثم قلت بهدوء لا. كده كفاية. توقف قليلًا ثم سأل وعائلة منصور؟ أخذت نفسًا عميقًا. وأجبته سيواجهوا النتائج زي أي حد. من غير تدخل. خرج الرجل. وبقيتُ وحدي. لأول مرة منذ سنوات لا حرب. لا تمثيل. لا صمت مفروض. فقط أنا. أنا الحقيقية. وفي مكان آخر داخل زنزانة باردة جلس كريم. ينظر إلى الفراغ. يعيد كل لحظة. كل كلمة قالها. كل مرة قلّل فيها مني. ثم أغلق عينيه وهمس بجملة واحدة فقط أنا كنت أجهل مين كانت لكن الوقت كان قد انتهى. أما أنا فابتسمتُ أخيرًا. ليس شماتة. بل راحة. لأن الحقيقة وصلت في النهاية. حتى لو جاءت متأخرة. مرّت أيام قليلة وكان كل شيء قد استقر ظاهريًا. العناوين في الأخبار هدأت. التحقيقات أصبحت روتينًا يوميًا. وعائلة منصور اختفت تقريبًا من أي دائرة نفوذ. لكن الحقيقة؟ كانت أعمق من مجرد سقوط. في صباح هادئ جلستُ في نفس مكاني أمام النافذة. فنجان القهوة بين يدي. والمدينة أمامي تبدو كما لو أنها لم تتغير. لكنني كنت أعرف أن كل شيء تغيّر. رنّ الهاتف الداخلي. في شخص مُصر يقابلك. رفعت حاجبيّ قليلًا مين؟ جاء الرد القائد كريم منصور. ساد صمت قصير ثم قلت خليه يطلع. دخل بعد دقائق. لم يكن نفس الرجل. البدلة العسكرية اختفت. الهيبة التي كان يتكئ عليها تلاشت. حتى صوته كان أهدأ. ليلى لم أرد. تركته يقف للحظات كأنه يبحث عن الكلمات. ثم قال أنا مش جاي أهدد ولا أطلب حاجة. أنا جاي أفهم. نظرتُ إليه بهدوء متأخر شوية على الفهم. خفض عينيه. يمكن بس لازم أعرف. إنتِ كنتِ عايشة معايا كل السنين دي ليه؟ سؤال بسيط لكن إجابته لم تكن كذلك. وضعتُ فنجان القهوة ببطء. ثم قلت لأن شغلي كان محتاج كده. رفع رأسه فجأة يعني كل حاجة كانت تمثيل؟ هززت رأسي بهدوء لا. المشكلة إن اللي كان حقيقي إنت ما شفتوش. صمت. هذه المرة صمت مختلف. ليس صمت غضب. بل صمت إدراك. اقترب خطوة صغيرة وقال بصوت مكسور أنا ظلمتك. لم أجادل. لأن الحقيقة لا تحتاج نقاش. فقط قلت أيوه. أغلق عينيه لثانية ثم سأل السؤال الأخير لو رجع بي الزمن كان ممكن كل ده يبقى مختلف؟ نظرتُ إليه طويلًا. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة خالية من أي ألم. وأجبت كان ممكن لو كنت شفتني بجد. وقف للحظة كأنه يريد أن يقول شيئًا آخر. لكنه لم يفعل. استدار. واتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج توقف. وقال بدون أن يلتفت أنا خسرت كل حاجة ثم أضاف بهدوء بس أكتر حاجة خسرتها إنتِ. لم أرد. لأن بعض الجمل لا تحتاج رد. خرج. وأُغلق الباب خلفه. بهدوء تام. عدتُ إلى مكاني. نظرتُ إلى المدينة مرة أخرى. لكن هذه المرة لم أشعر بثقل الماضي. ولا بظل أحد. فقط شعور واحد حرية. حرية حقيقية. ليست هروبًا. ولا انتقامًا. بل اختيار. اختياري أنا. فتحتُ الجهاز مرة أخيرة. ظهرت رسالة قصيرة هل ترغبين في إعادة تفعيل أي من الصلاحيات السابقة؟ نظرتُ إليها لثوانٍ ثم ضغطت لا. وأغلقت كل شيء. هذه المرة بإرادتي الكاملة. النهاية. حكايات محمد عبده