لما الفرحه بالحمل اتقلبت خناقه عائليه

كل حاجة بدأت تتكشف زي خيوط الصوف لما تتفكك. أنا كنت رايحة البنك مع طارق عشان ننهي إجراءات شقتنا، وشوفت ميرفت داخلة مع حسام، مستخبية ورا نضارة شمس وشال أسود، شوفت التوتر اللي كان على وشها، ولما طارق لقى موظف صاحبه هناك وعرفنا إنها كسرت شهادة أمها بتوكيل قديم، واجهتها في نفس اليوم.. ميرفت جاتلي شقتي ودموع التماسيح مغرقة وشها، وحلفت برحمة أبوها إنها مجبورة وإن حسام مهددها بمسدس، وقالتلي استري عليا يا ندى ومش هحط عيني في عينك ولا هكسرلك كلمة والفلوس هتكون عند ستك قبل أول يوم رمضان.
أنا سكت كل الشهور دي يا ستي، كملت وأنا دموعي بتنزل غصب عني من القهر سكت عشان قولت دي أخت أمي الكبيرة، وقولت بلاش أفضحها قدام عيالها والناس، وقولت يمكن ربنا يهديها وتبيع أي حاجة وتسد شقاكي اللي راح.. بس هي عملت إيه؟ جاية النهاردة على السفرة، مستقوية بيكي، وداخلة في لحمي، وبتعايرني بفقري وبتقول على حملي مصيبة، وبتشكك جوزي في شرفي قدام أخويا وأمي! البني آدمة دي مش مريضة دي شيطانة! مستكتراني الفرحة، وشايفة إنها لما تكسرني وتوطي راسي، محدش هيبص لسرقتها وخيانتها!
الصالة اتقلبت لماتم. أمي سمر نزلت في الأرض جنب ميرفت وبقت تضربها على كتافها وتعيط ليه يا ميرفت؟ ليه تعملي فينا كده؟ طول عمرنا شايلينك وشايلين قرف عيالك وبنقول أختنا الكبيرة وضهرنا! تسرقي أمك في عز مرضها؟! تبيعينا عشان واحد ميسواش تلاتة مليم؟! ده أنا كنت بقطع من قوت بيتي وعيالي وأديكي لما تشتكي من الضيقة!

ميرفت زقت إيد أمي بغل، وبصتلنا كلنا بنظرة كره صريح، خلاص، القناع وقع ومبقاش في داعي للتمثيل، مسحت دموعها بكم عبايتها، وقامت وقفت ونفضت هدومها بوقاحة غريبة، وصوتها اتغير من الاستعطاف للسم الخالص أيوة.. أيوة عملت كده! وفلوس أمي دي حقي وحق عيالي! إنتو طول عمركم عايشين في العز، سمر متجوزة موظف مرتاح وعيالها مكملين تعليمهم، والهانم ندى متجوزة مهندس واخدها ومدللها، وأنا بنتي مش لاقية جهازها وابني شغال على توك توك! الفلوس دي فلوس أبويا، مش فلوس أمي لوحدها! كان لازم ألحق نفسي وألحق بيتي من الفضيحة.. وأنتو كلكم لو مكاني كنتوا عملتوا كده وأكتر!
اخرسي يا فاجرة! إسلام كان هيهجم عليها، بس طارق مسكه بقوة وشده لورا وهو بيهديه استهدى بالله يا إسلام.. ستّك تعبانة بلاش تهور.
ستّي كريمة اتحركت بهدوء مرعب. راحت ناحية الباب الخشب بتاع الشقة، فتحته على آخره، الهوا الساقع بتاع المغربية دخل الصالة، وصوت مدفع رمضان كان بيضرب في التلفزيون والآذان بدأ يرفع الله أكبر.. الله أكبر…
وقفت ستّي جنب الباب المفتوح، وشاورت بصابعها المرتعش على السلم اطلعي برة يا ميرفت.
ميرفت بصتلها بجمود يا ماما..
اسم أمك ده متقوليهوش على لسانك النجس ده تاني! صوت ستّي زلزل البيت، الدموع أخيرًا نزلت من عينيها بس كانت دموع غضب وقسوة مش ضعف من اللحظة دي، لا انتي بنتي ولا أعرفك.. ولا ليكي أم ولا أهل.. وحق ربنا وشقايا، التوكيل اللي سرقتيني بيه هيتلغي بكرة الصبح بأول محضر في القسم، ووصل الأمانة اللي على حسام وصورة التحويل اللي مع ندى هتوديكي انتي وهو ورا الشمس.. ملكيش عندي غير المحاكم!
ميرفت وشها رجع اصفر تاني، وحست بالخطر الحقيقي محاكم إيه يا ماما؟ انتي هتحبسي بنتك عشان وسخ دنيا؟!
انتي اللي اخترتي وسخ الدنيا وفضلتيه على أهلك وعرضك وشرفك، ستّي ردت عليها بجمود اطلعي برة، ومن اللحظة دي رجلك متخصلش عتبة البيت ده تاني.. ولو شوفت وشك في جنازتي متدخليش تقرأي عليا الفاتحة!
ميرفت بصت حواليها، ملقتش عين واحدة فيها شفقة.. إسلام بيبصلها باحتقار، أمي دافنة وشها في إيديها وبتنتحب، طارق باصص في الأرض ومش طايق يبصلها، وأنا واقفة راسي مرفوعة والوجع اللي كان خانقني الشهور اللي فاتت اتبدل براحة غريبة، راحة الحق لما يرجع لأصحابه.
خدت ميرفت شنطتها من على الكونسول بعنف، وبصتلي نظرة كلها حقد وقالتلي وهي خارجة من الباب مش ههنيكي بلقمتك يا ندى.. وبكرة تشوفي!
الباب اترزع وراها رقعة هزت العمارة كلها.
الصمت رجع تاني، بس كان صمت مختلف.. صمت بعد العاصفة ما مرت وكسرت كل الفروع الناشفة والكدابة. صوت آذان المغرب كان لسه شغال، وجوامع المنصورة كلها بتكبر في نفس اللحظة لا إله إلا الله.
ستّي قربت مني ببطء، خطوتها كانت مكسورة، بس لما وصلت عندي، شدتني لحضنها جامد.. حضن دافي ريحته عطر قديم ومسك، حضن فضلت أعيط فيه بحرقة كأني عيلة صغيرة لسه في اللفة. طبطبت على ضهري وعلى بطني براحة وقالتلي بصوت باكي حقك عليا يا بنتي.. حقك عليا إني سكتلها من الأول وخليتها تتطاول عليكي وعلى ضناك.. ربنا يجعله ولد صالح ويفرح قلبك بيه يا ندى، ويقومك بالسلامة.. والبيت ده ملهوش غيرك أنتي وأمك وأخوكي.
أمي قربت وبقت تبوس في راسي وتعتذر لطارق اللي وقف محترم وقال محصلش حاجة يا أمي، دي قلة أصل من شخص واحد ومتمثلش العيلة.. المهم ستّي صحتها بالدنيا.
إسلام راح جاب كوبايات مية وتمر، وحطهم قدامنا على السفرة يلا يا جماعة نسمي الله.. الصيام خلص والأذان بيخلص، والمغرب هيضيع علينا.. اللي راح راح، وأهم حاجة إننا عرفنا عدونا من حبيبنا.
قعدنا على السفرة تاني، السفرة اللي كانت من نص ساعة مسرح لإهانة وتجريح، بس المرة دي كانت ممدودة بنفوس راضية ونضيفة، مفيهاش نفاق ولا خيانة مستخبية تحت الضحكات الصفرا. أكلنا تمرتنا وشربنا المية، ورغم الوجع اللي كان في قلب ستّي، إلا إن عينيها كانت هادية ومرتاحة، كأن حمل جبل انزاح من فوق كتافها بعد ما عرفت الحقيقة ومبقاش في أسرار توجعها في الضلمة.
بعد الفطار وصلاة المغرب، قعدنا نشرب الشاي، وطارق طلع من محفظته كارت محامي صاحبه شاطر في قضايا الأموال العامة، واداه لستّي ولإسلام عشان يبتدوا الإجراءات القانونية من أول يوم بعد العيد، وميسبوش مليم واحد من شقاها يروح لهدر.
بصيت لبطني ولمستها بحنية، وأنا حاسة إن اللي جاي في حياتي هيبقى أنضف وأصفى.. البيبي ده مجاش الدنيا عشان يكون همّ ولا مصيبة زي ما الشيطانة دي قالت، ده جه وكان وشه خير.. جه وطهّر العيلة دي من أوسخ ما فيها، وكشف المستور عشان نعيش اللي باقي من عمرنا على بياض ومن غير غش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *