لما الفرحه بالحمل اتقلبت خناقه عائليه

. قعدتي تسوّفي وتماطلي لحد ما دخل الشتا وطلع الشتا!
ستّي لفت وشها ليا، عينها البنية العميقة كانت مليانة وجع أكتر منه غضب، ونظرتها كانت كأنها بتستجوب روحي انطقي يا ندى. قولي في إيه ومن غير لف ودوران. انتي مش من طبعك تفتحي بؤك بحاجة إلا لما تكوني متأكدة منها. قوليلي بنتي دي عملت إيه؟
طارق جوزي، اللي كان لسه ماسك إيدي تحت السفرة، شد على صوابعي براحة كأنه بيديني إشارة أحسب خطواتي، بس لما بص في عيني وشاف التصميم والوجع اللي كتماه من شهور، ساب إيدي براحة وسند ضهره للكرسي وهو مستعد للي هيحصل.
أنا مش ناكرة جميل، ولا عمري كنت خرابة بيوت، بس ميرفت داست على أوجع نقطة في حياتي.. دخلت في شرفي، وقللت من طفل لسه مشفش النور ودعينا ربنا ليالي عشان يجي للدنيا. اللي يدخل البيت برجله ويهد الجدران على صحابها، يستحمل بقى لما السقف يقع فوق دماغه.
اتنفست نفس عميق، وابتديت أتكلم بنبرة واضحة ومخارج حروف موزونة، وكل حرف كان بيخرج كأنه رصاصة في اتجاه ميرفت فاكرة يا ستي، في نص شهر طوبة اللي فات.. لما انتي وقعتي في الحمام وجالك دور البرد الشديد اللي رقدك في السرير أسبوعين ومكنتيش قادرة حتى تشيلي راسك من على المخدة؟
ستّي هزت راسها ببطء، وشبح الذكرى ظهر على وشها أيوة.. فاكرة.. لما الدكتورة قالت ده التهاب رئوي وكنت بغيب عن الوعي من السخونية.
تمام.. كملت وأنا باصة لميرفت اللي وشها بقى أصفر ليموني وعيونها جاحظة وبتتوسلني بالعين من غير ما تقدر تنطق في الأيام دي، عمتي ميرفت نزلت جري بحجة إنها رايحة تجيب علاج غالي مش موجود غير في صيدلية معينة في وسط البلد. بس هي مكنتش رايحة تجيب علاج يا ستي.. عمتي كانت واخدة معاها التوكيل العام القديم اللي انتي كنتي عملاهولها لما رجلك كانت مكسورة من سنتين، ومعاه بطاقتك الشخصية.. وراحت على الفرع الرئيسي.
أمي شهقت شهقة مكتومة وحطت طرحتها على بؤها، بينما إسلام أخويا بدأ يفهم الخيوط وعينيه برقت بغضب، صوته طلع غليظ ومكتوم توكيل إيه ده اللي تروح بيه البنك وانتي عيانة ومتبهدلة كده؟!
ميرفت قاطعت بصوت مهزوز وبتقاوح بوقاحة أنا.. أنا كنت بسحب فلوس المستشفى والعلاج! هو أنتم ناسيين مصاريف دكاترتها والأدوية المستوردة؟ ده جزاتي إني شيلت الليلة وسهرت جنبها؟! عايزين تعملوا مني حرامية عشان صرفت على أمي؟
مصاريف مستشفى إيه وأدوية إيه اللي تتصرف بدي الطريقة يا ميرفت؟! صرخت فيها وأنا بشاور عليها بصباعي إنتي فاكراني مش عارفة إن العلاج كله طارق جوزي اللي جابه على حسابه ومن معارفه في نقابة الصيادلة؟ ومفيش جنيه واحد خرج من جيبك ساعتها؟ انتي روحتي البنك لحاجة تانية خالص.. انتي كسرتي الوديعة اللي ستي مأمناكم بيها، ومش بس كده.. انتي عملتي كارثة أكبر بكتير ومفكرة إن الورق مش هيتكلم!
ميرفت وقفت على حيلها فجأة لدرجة إن الكوباية وقعت واندلقت على مفرش السفرة الأبيض، العصير الحمر فرّش على القماش كأنه بقعة دم، وصرخت بهستيريا ودموعها نزلت كدابة! والله العظيم بتتبلى عليا! انتي بتعملي كده ليه يا ندى؟! عايزة تفرقي بيني وبين أمي وأختي عشان انتي حقودة ومغلولة من زمان؟ ماما متسمعيش منها دي بتلعب بيكي وبتمثل عشان تصرف نظرك عن قلة أدبها هي وجوزها!
في اللحظة دي، ستّي كريمة محركتش عينها عن وش ميرفت. بصتلها بنظرة كأنها بتشوفها لأول مرة في حياتها.. نظرة خذلان تقطع القلب. وقفت ستّي براحة، ورغم كبر سنها ووجع مفاصلها، كانت واقفة جبل، وقالت بصوت واطي بس يرن زي الرعد الوديعة؟ وديعة أرض أبوكم اللي بايعينها؟.. انتي هببتي إيه يا ميرفت؟
ميرفت اتراجعت خطوة لورا وخبطت في ضلفة النيش، الزجاج والخزف اتهزوا وطلعوا صوت شخللة مخيف. رفعت إيديها الاتنين بتحاول تدافع عن نفسها، بس الكلام اتلخبط في لسانها يا ماما اسمعيني بس.. أنا كان عليا ضيقة.. إنتي مش فاهمة، البيت كان هيتخرب.. هفهمك والله العظيم كل مليم هيرجع..
قطعت كلامها وقولتلها ببرود مش هيرجع.. لإنك أصلاً مسحبتيش الفلوس كاش في إيدك يا عمتي.. انتي حولتيها في نفس الدقيقة لحساب شخص تاني خالص.. شخص لو ستي عرفت هو مين، مش بس هتطردك من البيت.. دي هتبرى منك لآخر يوم في عمرها.
الصالة كتمت، النفس اتقطع، والعيون كلها اتعلقت بيا.. وميرفت حطت إيديها على وشها وانهارت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا وبتصرخ لأ يا ندى.. لأ وحياة الغالي عندك ابوس إيدك لأ!
يتبع



