مرات جوزي الوهميه

4
كريم أنهى جملته، والصالون كله غرق في صمت ثقيل.
حماتي بصت لسارة بذهول.
وبعدين بصت لأحمد.
وبعدين رجعت لسارة.
“يعني إيه سرقة؟”
كريم حط موبايله على الترابيزة.
“يعني الآنسة سارة دخلت أوضة الفندق من غير إذن، وأخدت حاجة شخصية من متعلقات الأستاذ أحمد.”
حماتي شهقت:
“بس إنت بتقول إن الطفل مش ابنه!”
أحمد رد ببرود:
“مش ابني.”
سارة بدأت تعيط.
“بس التحليل اللي عملته قال إن…”
أحمد قاطعها:
“أي تحليل؟”
سارة سكتت.
كريم فتح ملف على موبايله.
“هي عملت تحليل حمل وتحليل DNA، لكن تحليل الـDNA اللي قدمته لأهلك كان مجرد صورة على الموبايل.”
حمايا مد إيده:
“هات أشوف.”
كريم ناوله الموبايل.
حمايا قرأ الورقة، وبعدها عقد حاجبيه.
لمحة نيوز
“الاسم هنا مش أحمد.”
سارة اتجمدت.
حماتي خطفت الموبايل منه.
وبالفعل، الاسم الموجود في الورقة كان اسم رجل آخر.
“إيه ده؟!”
سارة بدأت تهز راسها.
“أنا… أنا اتقال لي إن الورقة دي…”
أحمد سألها:
“مين قالك؟”
سارة فضلت ساكتة.
كريم قال:
“قبل ما نطلع من الشركة، راجعنا سجل الدخول للفندق.”
وبعدين فتح فيديو على موبايله.
ظهر في التسجيل سارة وهي بتدخل الفندق في اليوم اللي قالت فيه إنها كانت مع أحمد.
لكن بعد دقائق قليلة، خرجت من المبنى.
لوحدها.
وبعدها ظهر شخص آخر يدخل الفندق.
حماتي بصت للشاشة، ووشها اتغير.
“ده…”
سكتت.
أنا بصيت لها.
“مين؟”
حماتي ما ردتش.
حمايا هو اللي قال:
“ده ابن أخويا.”
أحمد رفع عينه بسرعة.
“عمي؟”
حمايا هز راسه.
“أيوه.”
سارة بدأت تبكي بصوت أعلى.
“أنا معملتش حاجة!”
كريم قال:
“ولا حد قال إنك عملتي حاجة.”
“لكن واضح إن حد استخدم اسم أحمد في الموضوع ده.”
أنا لأول مرة حسيت إن القصة أكبر من مجرد بنت بتحاول تدخل عيلة غنية.
بصيت لحماتي.
كانت مرتبكة بشكل واضح.
ولأول مرة من بداية اليوم، ما كانش عندها رد جاهز.
5
أحمد قعد قدامي.
مد إيده وأمسك إيدي.
وقال بهدوء:
“أنا آسف إنك اضطررتي تسمعي كل ده في بيتك.”
بصيت له.
“إنت كنت عارف؟”
هز راسه.
“عارف جزء.”
“إيه الجزء اللي كنت عارفه؟”
أحمد سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
“من حوالي أسبوعين، كريم بلغني إن سارة كانت بتحاول توصل لمعلومات خاصة عن الشركة.”
“ولما واجهناها، قالت إنها مجرد غلطة.”
كريم أضاف:
“لكن بعدها اكتشفنا إنها كانت بتصور مستندات من مكتب الأستاذ أحمد.”
حماتي قامت بعصبية.
“يعني إنتوا كنتوا عارفين وساكتين؟!”
أحمد بص لها.
“كنا بنتحقق.”
“لأن الموضوع كان أكبر من موظفة بتسرق ورقة.”
حمايا قال:
“أكبر إزاي؟”
كريم فتح ملف تاني.
“فيه حد كان بيسرب بيانات من الشركة.”
“وعشان كده كنا محتاجين نعرف مين.”
حماتي بصت لأحمد.
“وإيه علاقة سارة بالحكاية دي؟”
كريم رد:
“لسه بنحاول نعرف.”
سارة مسحت دموعها.
وقالت:
“أنا مكنتش بسرّب حاجة.”
كريم قال:
“طيب قولي لنا مين كان بيطلب منك المستندات.”
سارة سكتت.
أحمد وقف.
“سارة، أنا مش هظلمك.”
“لو حد ضغط عليكي، قولي.”
“ولو كنتِ غلطتي لوحدك، برضه قولي.”
لأول مرة، سارة بانت عليها الحيرة الحقيقية.
وبعد لحظات، قالت:
“أنا مكنتش عايزة أعمل كده.”
حماتي صرخت:
“تعملي إيه؟!”
سارة بصت لها.
وقالت:
“حد وعدني بشغل أحسن.”
“وقال لي إن لو قدرت أثبت إن أحمد هو والد الطفل، عيلة أحمد هتجبره يتجوزني.”
أنا عقدت حاجبي.
“مين قالك الكلام ده؟”
سارة رفعت عينها ببطء.
وبصت ناحية حماتي.
الصالون كله سكت.
حماتي اتجمدت.
“إنتِ بتبصيلي ليه؟!”
سارة بدأت تعيط.
“أنا مش هكدب تاني.”
“أنا اتكلمت مع مدام سهام قبل ما أجي هنا.”
سهام.
اسم حماتي.
أنا بصيت لها.
لكنها بدأت تصرخ:
“كذابة!”
“أنا عمري ما شفتها غير النهارده!”
كريم بهدوء:
“ده مش صحيح.”
وطلع تسجيل مكالمة.
صوت حماتي كان واضحًا.
“لو عملتي اللي اتفقنا عليه، أنا هضمنلك إنك تدخلي بيتنا من بابه.”
حماتي وشها اصفر.
حمايا وقف مكانه كأنه اتصدم.
وأحمد بقى ساكت تمامًا.
أما أنا…
فكنت لأول مرة من بداية اليوم مش عارفة أبص لمين.
6
أحمد قرب من أمه.
“إنتِ عملتي إيه؟”
حماتي بدأت تبرر بسرعة:
“أنا كنت بحاول أحمي مستقبلك!”
“إنتوا مش عايزين تخلفوا.”
“وأنا خايفة بعد ما أموت إن اسم العيلة ينتهي.”
أحمد رد:
“فكان الحل إنك تلفقيلي طفل؟”
“أنا مكنتش عايزة أأذي ندى.”
ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما يكون فيها أي فرحة.
“بس كنتِ عايزة تطلقيني.”
حماتي بصتلي.
“أنا كنت فاكرة إنك السبب.”
“السبب في إيه؟”
“إن ابني مش عايز يخلف.”
أحمد قال:
“أنا اللي اخترت.”
“أنا اللي اتفقت مع ندى.”
“ومفيش حد أجبرني.”
حمايا أخيرًا تكلم.
صوته كان منخفضًا جدًا.
“سهام… إنتِ عملتي ده كله من ورايا؟”
حماتي بدأت تبكي.
“أنا أم.”
“كنت عايزة حفيد.”
حمايا رد:
“الحفيد مش بيتاخد بالخداع.”
سارة وقفت.
وقالت:
“أنا غلطت.”
وبصتلي.
“أنا آسفة.”
أنا فضلت ساكتة.
لأن الاعتذار في اللحظة دي كان أسهل حاجة.
لكن اللي حصل مش سهل يتصلح بكلمتين.
أحمد قرب مني.
“ندى، أنا عارف إنك متضايقة.”
بصيت له.
“أنا مش متضايقة منك.”
وسكت لحظة.
“أنا متضايقة إن كل الناس دي قررت تتصرف في حياتنا كأنها ملكهم.”
أحمد شد على إيدي.
“مش هسمح بده تاني.”
بصيت له.
“مش عايزة وعود.”
“عايزة حدود.”
هز راسه.
“من النهارده، الحدود هتبقى واضحة.”
7
بعد أسبوع، سارة قدمت استقالتها من الشركة.
وقدمت اعتذار رسمي، وسلمت كل المستندات اللي كانت عندها.
واتضح إن الموضوع كله بدأ من شخص كان عايز يضغط على الشركة في صفقة كبيرة، واستغل خوف حماتي من موضوع الوريث.
أما حمايا، فكان موقفه واضحًا.
رفض أي محاولة لإجبار أحمد على الطلاق.
بل على العكس، قال قدام الجميع:
“مرات ابني مش محتاجة حد يديها إذن عشان تفضل في بيتها.”
أما حماتي…
فما رجعتش البيت فترة.
احتاجت وقت طويل عشان تستوعب إن اللي عملته كان ممكن يهدم جواز ابنها بإيدها.
أنا وأحمد فضلنا زي ما إحنا.
من غير طفل.
ومن غير ما نبرر قرارنا لأي حد.
وبعد كام شهر، وأنا واقفة قبل العرض على المسرح، أحمد كان مستنيني في الصف الأول كالعادة.
قبل ما الستارة تفتح، بصيت ناحيته.
ابتسم.
ورفع إيده لي.
ابتسمت له.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة.
طول عشر سنين، الناس كانت بتسأل:
“إمتى هتخلفوا؟”
وكأن ده هو الدليل الوحيد إن الجواز ناجح.
لكن الحقيقة كانت أبسط من كده.
الزواج مش طفل.
ومش وراثة.
ومش أملاك.
ومش كلام الناس.
الزواج هو إنك تختار نفس الشخص كل يوم…
حتى لما الدنيا كلها تحاول تختار مكانك.
ولما خلص العرض، كان أول واحد واقف يصفقلي هو أحمد.
ولما نزلت من على المسرح، مد إيده لي وقال:
“يلا؟”
ضحكت.
“فين؟”
قال:
“للعشاء.”
“وأهو المرة دي مفيش حد هيقرر لنا ناكل إيه.”
ضحكت وأنا بمسك إيده.
“بس أنا اللي هختار المطعم.”
قال:
“اتفقنا.”
ومشينا سوا.
من غير وريث.
من غير أسرار.
ومن غير أي حد تالت بينا.
لأن بعد كل اللي حصل…
عرفنا إن أهم حاجة في بيتنا إن اللي بيقرر مين يدخل ومين يخرج منه… إحنا الاتنين وبس.



