من سنتين فاتوا

الكلمة نزلت على دماغي زي مية النار، طيرت النوم من عيني وصحتني على الحقيقة المرة: أنا هنا مش في بيت أهلي اللي هيحموني، أنا هنا في سجن، محبوسة ومستباح تعبي وفلوس ولادي باسم الحماية والخوف عليا.

دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، ولأول مرة مبكيش. لقيت عيالي الاتنين قاعدين في ركن السرير، باصينلي بعيون مرعوبة وحاسين بالذل اللي أمهم عايشة فيه. مسحت على روسهم وقولت لنفسي: “لحد هنا وخلاص.. لو متكسرتش عشان موت أبوهم، مش هسمح لحد يكسرني بحجة إنه أبويا.”

بدأت أتحرك في سكوت من غير ما حد يحس بيا. أول حاجة عملتها، استغليت يوم نزلوا فيه كلهم، وأخدت شهادات ميلاد ولادي، وإعلام الوراثة، وقرار الوصاية اللي طلعته بعد وفاة جوزي وكنت شايلاه في قعر شنطتي. روحت التأمينات، وقدمت طلب إن معاش جوزي يتحول على حساب بنكي أو كارت ميزة باسمي أنا بصفتي الوصية على أولاده القُصّر، ولغيت التوكيل البنكي العرفي اللي كنت عاملاه لأبويا في أول أيام الصدمة.

بعدها، روحت للمستأجر في شقتي من وراهم، قولتله بالحرف: “أنا صاحبة الشقة ومعايا العقود والوصاية، العقد بتاعك باقي عليه شهرين، ومش هيتجدد، ومفيش ولا مليم إيجار يتدفع لأي حد غيري في إيدي.” الراجل كان محترم ومتفهم، ولما شاف أوراقي وعينيا اللي كلها حسم وقوة، اتفق معايا إنه يسلمني المفاتيح في ميعاده بالظبط.

أبويا لما عرف باللي عملته، البيت اتقلب جحيم. حاول يمد إيده، وحاولوا إخواتي يضغطوا عليا ويكسروا نفسي بالكلام، وأمي كانت بتدعي عليا ليل ونهار وتقولي: “عصيتي أبوكي وهيغضب عليكي ربنا!”

بس رديت عليهم ببرود مكنتش متخيلة إنه عندي: “ربنا ميرضاش بأكل مال اليتامى، ولا يرضى إن بنتك تعيش خدامة وتتشحت على عيالها. ده مش عصيان.. دي كرامتي وكرامة عيال أمانة في رقبتي وهتحاسب عليهم قدام ربنا.”

خلص الشهرين، وأخدت شنطة هدومي وهدوم ولادي في إيدي، وخرجت من باب البيت وراسي مرفوعة للسما، مبصتش ورايا خطوة واحدة، ورجعت شقتي اللي ريحة جوزي لسه في حيطانها.. تعبانة، خايفة من بكرة، بس مستورة، حرة، وعندي عزة نفس مفيش مخلوق هيعرف يكسرها تاني.

أول ما فتحت باب الشقة ودخلت أنا وولادي، قفلت الباب ورايا بالمفتاح وسندت ضهري عليه، ودموعي نزلت.. بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا ذل، كانت دموع راحة، كأن جبل كان كاتم على نفسي وأخيراً انزاح. عيالي جروا في الصالة، بيتنططوا ويضحكوا بصوت عالي من غير ما حد يزعق فيهم ولا يقولهم “حسك عينك تطلع صوتك”، وفي اللحظة دي بس حسيت إن روحي ردت فيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *