من سنتين فاتوا

طبعاً، أهلي مسبونيش في حالي. أبويا وإخواتي حاولوا يستعملوا كل الطرق عشان يرجعوني لبيت الطاعة بتاعهم. في الأول بعتولي ناس كبار من العيلة، قعدوا يقولولي: “عيب.. كلام الناس ميرحمش.. واحدة ست عايشة لوحدها والناس هتاكل وشنا”، فكان ردي هادي وقاطع: “كلام الناس مش هيأكل عيالي ولا هيسترني، واللي خايف على شرفي يتقي الله في مالي ومال ولادي، أنا في بيتي وبي شرفي وكرامتي.”

ولما شافوا إن سكة العقل مش جايبة همها، بدأت حرب التهديد؛ أبويا قاطعني وحلف ما يوريني وشه ولا يعتبلي بيت، وأمي كانت كل ما تكلمني في التليفون تسمعني كلام يسم البدن: “بكرة تقعي وتجيلنا تزحفي على ركبك”، بس كل كلمة كانت بتزودني إصرار إني أقف على رجلي ومقعش أبداً.

المعاش كان يدوب مكفي الأكل والشرب بالعافية، ومكنش ينفع أقف مكاني مستنية معجزة. مسكت ورقة وقلم، وبدأت أحسب كل قرش داخل وخارج، وقررت إني اشتغل من جوة البيت عشان مفارقش ولادي. كنت شاطرة في الحلويات والمخبوزات، عملت صفحة صغيرة على الفيسبوك وبدأت أعمل حلويات بيتي ومعجنات وأبيعها لجيراني في المنطقة. أول أسبوعين كان الشغل على قدي، بس واحدة واحدة ومع النظافة والأمانة، الطلب بدأ يزيد والناس بقت تطلب بالاسم.

كنت بنام أربع ساعات في اليوم، أصحى الفجر أجهز طلبات الناس، وأودي عيالي مدارسهم، وأرجع أكمل شغل البيت وتوصيل الأوردرات، بس التعب ده كله كان على قلبي زي العسل، لأني بدوق طعم اللقمة الحلال اللي جاية بعرق جبيني ومحدش كاسر عيني بقرش.

عدت سنة كاملة، شقتي نورت، ولادي لبسوا أحسن لبس، وبقى معايا قرشين متشالين للزمن في البنك باسمهم. وفي يوم، لقيت الباب بيخبط، فتحت لقيت أمي واقفة وعينيها مكسورة، بتبص للشقة النضيفة وللأمان اللي في وش ولادي، وقالتلي بصوت مخنوق: “أبوكي تعبان وعايز يشوفك..”

بصيت في عينيها وأنا شيفاها مذهولة من الست اللي واقفة قدامها؛ مبقتش البنت المكسورة اللي بتبكي تحت رجليهم عشان يرضوا عنها، بقيت أم حاربت الدنيا كلها عشان تحمي ولادها وتعيش بكرامتها.

 

سكتّ لحظة، بصيت في عينيها اللي كانت بتهرب من عيني، وشوفت فيها نظرة عمري ما شوفتها قبل كده.. نظرة انكسار واعتراف بالهزيمة، بعد ما كانوا مراهنين إني هرجع راكعة أطلب السماح واللقمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *