وصلنا المستشفى القديم قبل الفجر

قبل ما أتبرع بكلية لجوزي بدقايق، الممرضة سلّمتني يونيفورم عمال النظافة وهمستلي
إجري يا ندى هنا عايزين يقتلوكي!
افتكرت إنها بتتكلم من شدة الضغط، لكن قبل ما أسألها، سمعت صوت حماتي من برّه الأوضة وهي بتقول
البضاعة جاهزة؟
وقتها الدم اتجمد في عروقي.
بصيت لإيلين، الممرضة، وهي بتقفل باب الأوضة بالمفتاح.
قالت بصوت مرتعش
متسأليش دلوقتي البسي ده بسرعة.
إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
جوزك مش محتاج كلية.
حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
مستحيل.
التحاليل متزوّرة يا ندى.
سكتت ثواني، وبعدين كملت
الدكتور حسام هو اللي زوّرها.
كنت قاعدة على سرير التحضير للعملية، والسوار الطبي على إيدي، والساعة بتقرب من منتصف الليل.
من شهرين وأنا فاكرة إن حياتي كلها متعلقة بإنقاذ ياسين.
كان تعبان طول الوقت، بيعمل تحاليل وفحوصات، والدكتور حسام قال إن عنده فشل كلوي نهائي، وإن زراعة الكلى هي الحل الوحيد.
حماتي سعاد كانت دايمًا تقول
إنتِ الوحيدة اللي تقدري تنقذي ابني.
وأخته رنا كانت بتكرر نفس الكلام.
وبعد ما ظهرت نتيجة التحاليل وقالوا إني متوافقة بنسبة كبيرة جدًا، وافقت فورًا على التبرع.
ماكنتش عايزة فلوس.
ماكنتش مستنية مقابل.
كنت فاكرة إني بساعد شخص من عيلتي.
لكن قبل العملية بساعات، بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
ياسين، اللي المفروض حالته متدهورة، كان بيتحرك بسهولة.
الدكتور حسام كان بيمنعني من الاحتفاظ بنسخ من التحاليل.
ورنا كانت بتسأل بشكل غريب عن إجراءات المستشفى بعد العمليات.
أما حماتي، فكانت بتكرر جملة واحدة
أهم حاجة العملية تتم النهارده.
كنت فاكرة إنهم خايفين على ياسين.
لحد ما إيلين دخلت عليّ.
قالت
أنا شفت ملفك بالصدفة.
ملفي؟
أيوه. فيه تعليمات مش موجودة في الملف الرسمي.
مدت إيدها بموبايلها وفتحت صورة.
كانت صورة لورقة عليها ختم المستشفى.
قرأت أول سطر
ثم توقفت أنفاسي.
كان مكتوبًا إن هناك إجراءً إضافيًا مطلوبًا في حالة حدوث مضاعفات خطيرة.
إيه ده؟
إيلين قالت
الورقة دي مش المفروض تكون موجودة أصلًا.
ثم سمعت صوت خطوات في الممر.
إيلين بصت ناحية الباب.
لازم تمشي دلوقتي.
بس أنا مش فاهمة!
لو فضلتِ هنا، مش هتعرفي تفهمي حاجة.
فتحت باب الخدمة، وأعطتني يونيفورم عمال النظافة.
البسيه، واخرجي من الممر الخلفي.
وإنتِ؟
هحاول أعطلكهم.
كنت لسه هتكلم، لكن صوت حماتي وصل من الممر
ندى خلصت؟
ثم جاء صوت رنا
الدكتور مستنيها.
إيلين قربت مني وقالت
اسمعيني كويس متثقيش في أي حد من اللي برّه.
لبست الزي بسرعة، وخبيت شعري، وخرجت من باب الخدمة.
مشيت في ممر ضيق مخصص للعمال، وأنا سامعة أصواتهم في الناحية التانية.
لكن قبل ما أوصل لباب الخروج، لقيت عامل أمن واقف قدامي.
بصلي ثانيتين، ثم قال
حضرتك رايحة فين؟
اتوترت.
المخزن.
مد إيده
البطاقة.
مديت له بطاقة العامل اللي كانت إيلين حطتها في جيبي.
بص فيها
وفجأة رفع عينيه لوشي.
إنتِ مش عاملة هنا.
قلبي وقع.
وقبل ما يطلب المساعدة، سمعنا صوت إنذار عالي في المستشفى.
كل الأنوار الحمراء اشتغلت.
العامل جري ناحية مصدر الصوت.
وأنا استغليت اللحظة وخرجت من الباب الخلفي.
وقفت تحت المطر وأنا بحاول أستوعب اللي حصل.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه مستنياني.
موبايلي اهتز.
رقم مجهول بعتلي رسالة
لو عايزة تعرفي ليه اختاروا كليتك بالذات روحي للعنوان ده.
وتحت الرسالة كان فيه عنوان.
عنوان بيتنا القديم.
البيت اللي كنت فاكرة إنه اتباع من عشر سنين.
مسكت الموبايل بإيد بتترعش.
وفي نفس اللحظة وصلتني رسالة تانية
ومتروحيش لوحدك لأن اللي موجود هناك يعرف الحقيقة كاملة.
رفعت عيني للشارع المظلم.
ومن بعيد، شوفت عربية سوداء واقفة.
وبداخلها شخص بيراقبني.
لكن الغريب
إن العربية كانت عربية ياسين فضلت واقفة تحت المطر، مش قادرة أبعد عيني عن عربية ياسين.
العربية كانت مطفية، والزجاج غامق، ومفيش أي حركة جواها.
اتراجعت خطوة.
وفجأة النور الأمامي اشتغل.
العربية اتحركت ببطء ناحيتي.
جريت.
دخلت أول شارع جانبي، واستخبيت ورا سور قديم، وفضلت أحاول أهدّي نفسي.
بعد ثواني، العربية عدّت من قدامي من غير ما تقف.
طلعت الموبايل تاني، وبصيت للرسالة.
العنوان كان واضح.
البيت القديم.
قلت لنفسي
لو اللي بعت الرسالة عايز ينقذني، ليه مخبي نفسه؟
وبعد تفكير قصير، قررت أروح.
استنيت عربية أجرة، وطلبت من السواق يوصلني للعنوان.
طول الطريق، كنت بفكر في سؤال واحد
ليه كليتي أنا؟
لو ياسين فعلًا مش مريض، إيه هدفهم من العملية؟
وليه الدكتور حسام زور التحاليل؟
وليه كتبوا اسمي في أوراق فيها مضاعفات خطيرة؟
وصلت للبيت بعد حوالي نصف ساعة.
كان مهجور، والباب الخارجي متهالك.
نزلت من العربية، وقفت قدام الباب، وبعدين دخلت.
ريحة التراب كانت مالية المكان.
مشيت بحذر لحد ما وصلت للأوضة اللي كنت بعيش فيها وأنا صغيرة.
لقيت درج قديم في المكتب.
فتحته.
كان فاضي.
إلا من ظرف بني.
فتحته بسرعة.
جواه صورة قديمة جدًا.
أنا.
وأمي.
ورجل غريب واقف جنبنا.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها
ندى لا تعرف الحقيقة.
حسيت إن نفسي اتقطع.
مين الراجل ده؟
وفجأة سمعت صوت من ورايا
أخيرًا وصلتي.
لفيت بسرعة.
كان راجل كبير في السن واقف عند باب الأوضة.
رفعت صوتي
إنت مين؟
قال بهدوء
أنا الشخص اللي حاول يحذّر والدتك من زمان.
تعرف أمي؟
أعرفها كويس.
وإيه علاقة كل ده بيا؟
بص للصورة في إيدي وقال
علاقتي بيكي بدأت قبل ما تتولدي.
اتجمدت مكاني.
أنا مش فاهمة.
قرب من المكتب، وفتح درجًا سريًا في جانبه.
طلع ملف سميك.
وحطه قدامي.
ده ملف والدتك.
فتحته.
أول ورقة كانت تقريرًا طبيًا قديمًا.
والاسم الموجود في التقرير كان
اسم أمي.
لكن التاريخ كان قبل ولادتي بشهور.
قلبت الصفحة.
وبعدين صفحة تانية.
وفجأة لقيت اسمي مكتوبًا في آخر الملف.
لكن التاريخ كان قبل ولادتي بسنوات!
صرخت
ده مستحيل!
الرجل قال
مش مستحيل.
إزاي اسمي مكتوب هنا وأنا ما كنتش اتولدت؟
سكت قليلًا، ثم قال
لأنهم كانوا بيدوروا على متبرع مناسب من وقت ما كنتِ طفلة.
بصيت له بصدمة.
متبرع لإيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية توقفت قدام البيت.
الرجل قفل الملف بسرعة.
لازم تمشي من هنا.
مين وصل؟
بص ناحية الشباك.
الناس اللي كانوا في المستشفى.
قلت
أنا مش ههرب تاني. عايزة أعرف الحقيقة.
قال
لو عايزة تعرفي الحقيقة فعلًا، افتحي الصفحة الأخيرة.
فتحت الملف.
كانت الصفحة الأخيرة عبارة عن قائمة أسماء.
اسم الدكتور حسام.
اسم سعاد.
اسم رنا.
واسم ياسين.
لكن تحت اسم ياسين كان مكتوب شيء خلاني مش قادرة أتكلم
غير مطابق لأي إجراء طبي.
رفعت عيني للرجل.
يعني إيه؟
قال
يعني ياسين مش هو الهدف الحقيقي.
أمال مين؟
بصلي مباشرة وقال
إنتِ يا ندى.
وفجأة
الباب الخارجي اتفتح بعنف.
الرجل خطف الملف من إيدي، وحطه في درج سري.
ثم قال
دلوقتي لازم تعرفي أهم جزء
وسكت.
إيه؟
قال
الشخص اللي بدأ كل الحكاية دي مش الدكتور حسام.
أمال مين؟
رفع عيني للباب.
وجاء صوت من الخارج
ندى!
كان صوت ياسين.
لكن هذه المرة
لم يكن وحده ثبتُّ مكاني وأنا سامعة صوت ياسين قدام الباب.
الرجل العجوز أشار لي بسرعة ناحية باب صغير في آخر الممر.
ادخلي هنا.
لأ، أنا عايزة أعرف الحقيقة.
هتعرفيها، بس لازم تفضلي عايشة الأول.
دخلت الغرفة الصغيرة، وسيب الباب موارب.
بعد ثواني، الباب الرئيسي اتفتح.
دخل ياسين ومعاه الدكتور حسام وسعاد ورنا.
سمعت حماتي وهي بتقول
أنا متأكدة إنها هنا.
رد الدكتور حسام
فتشوا البيت كله.
ياسين قال بصوت مختلف تمامًا عن الصوت اللي كان بيكلمني بيه طول الشهرين
لازم نلاقيها قبل ما توصل للملف.
اتصدمت.
الملف.
يبقى هما عارفين إنه موجود.
سمعت خطواتهم بتقرب.
وفجأة الرجل العجوز خرج من مكانه وقال
الملف عندي.
ساد الصمت.
ياسين قال
عم فؤاد إنت لسه عايش؟
رد الرجل
وكنت مستني اليوم اللي أقدر فيه أوقفكم.
سعاد صرخت
إنت السبب في كل ده!
قال بهدوء
أنا السبب إني أنقذت ندى وهي صغيرة.
قلبي وقف.
وهي صغيرة؟
فتحت الباب وخرجت.
كلهم بصوا لي.
قلت
أنقذتني من إيه؟
ياسين حاول يقرب، لكن عم فؤاد وقف بيننا.
قال
من عشرين سنة، حصلت مشكلة كبيرة في المستشفى القديم.
الدكتور حسام قال بعصبية
كفاية كلام!
صرخت
لأ! أنا عايزة أعرف!
عم فؤاد فتح الملف وقال
والدتك اكتشفت إن في مجموعة بتزوّر ملفات المرضى، وتغيّر نتائج التحاليل، وتستغل بيانات المتبرعين.
بصيت للدكتور حسام.
وإنت كنت واحد منهم؟
ما ردش.
وكان صمته كفاية.
كمل عم فؤاد
والدتك حاولت تبلغ عنهم، لكن قبل ما تقدر تعمل ده، اختفت.
قلت
اختفت إزاي؟
قال
لأنها خبّت أهم دليل عندها في ملف

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *