القائد سكب العصير على راس المجندة الجديدة عشان يذلّها قدام الشركة كلها لكن أول ما طلعت البطاقة من جيبها، وشّه اتقلب! بقاله كام يوم، والشائعات مالية الشركة العسكرية عن مجندة جديدة وصلت للوحدة. الغريب إن محدش كان عارف عنها حاجة تقريبًا. محدش عارف جاية منين، ولا كانت بتخدم في وحدة إيه قبل كده، ولا حتى ليه وصلت بشكل مفاجئ كده. واحد يقول دي أكيد كانت في وحدة تانية. والتاني يرد لأ، أنا سمعت إنها لسه متخرجة من الأكاديمية. لكن أكتر حاجة كانت محيرة الكل إن محدش كان عارف رتبتها. ولا حتى القادة نفسهم كانوا أعلنوا رسميًا عن سبب وجودها في الوحدة. وفي وقت الغدا، أخيرًا شوية من العساكر شافوا المجندة الجديدة. كانت قاعدة لوحدها تمامًا في ترابيزة بعيدة في آخر صالة الطعام. بتاكل بهدوء، ولا بتتكلم مع حد، ولا بتحاول تتعرف على أي شخص. والأغرب إنها كانت بتتصرف كأن نظرات كل اللي حواليها مش موجودة أصلًا. واحد من العساكر بص لزميله وقال بصوت واطي هي دي الجديدة؟ رد عليه شكلها هي. وفي اللحظة دي، قائد السرية مارك لمحها. ومن أول ما شافها، تصرفها ماعجبوش. مارك كان متعود إن أي حد جديد يدخل الوحدة، أول حاجة يعملها إنه يروح له، يقف قدامه، يقدم نفسه، ويبين له إنه عارف مقامه. كان بيحب جدًا يحس الناس إنه صاحب السلطة. وكان عنده كمان شوية قواعد من اختراعه هو، ملهاش أي وجود حقيقي في اللوائح العسكرية. وأكتر حاجة كان بيحبها إنه يحط المجندين الجدد تحت ضغط ويعلمهم من أول يوم مين اللي بيمشي كلامه. ابتسم ابتسامة ساخرة، ومد إيده ناحية كباية عصير كانت على الترابيزة. وقال للي حواليه اتفرجوا واتعلموا إزاي نتعامل مع الناس الجديدة. ومشى ناحية المجندة. وقف جنب ترابيزتها. لكنها كملت أكل عادي جدًا. مارك استنى. ثانية واتنين وتلاتة كان مستني إنها ترفع عينيها، تقوم واقفة بسرعة، وتبدأ تعرف نفسها. لكنها ماعملتش أي حاجة. هنا قال بصوت واضح إنتِ غالبًا لسه متعرفيش النظام هنا. المجندة حطت الشوكة بهدوء وبصت له. مارك كمل عندنا قاعدة هنا أي حد جديد لازم ييجي الأول يعرف نفسه للقائد، وبعدها أنا اللي أحدد إذا كان مسموح له يقعد وياكل مع باقي أفراد الوحدة ولا لأ. المجندة بصت له كام ثانية. وبعدين قالت بمنتهى الهدوء أنا حافظه اللوائح العسكرية كويس ومفيش قاعدة بالشكل ده. الصالة كلها سكتت. العساكر بدأوا يبصوا لبعض. محدش تقريبًا كان متعود يسمع حد بيرد على مارك بالهدوء والثقة دي. مارك ابتسم بسخرية وقال واضح إنك جريئة. وبعدين قرب منها وقال وطالما إنتِ حافظه اللوائح أوي، أكيد عارفة إن لما ضابط أعلى رتبة يظهر قدام جندي، لازم الجندي يقف احترامًا. المجندة بصت له في عينه وقالت عارفة. وسكتت لحظة. ثم أضافت بس واضح إن حضرتك مش حافظ اللوائح كويس. الجو اتشد أكتر. وكملت أثناء تناول الطعام، مفيش إلزام إن الجندي يقف لمجرد إن ضابط أعلى رتبة دخل المكان. واحد من العساكر اللي على الترابيزة اللي جنبهم حاول بالعافية يمنع نفسه من الضحك. مارك لمح الموضوع. وملامح وشه اتغيرت. قال للمجندة أنا شايف إنك مش بس جريئة دي إنتِ كمان ذكية أوي. المجندة ما ردتش. بدل ما تدخل معاه في جدال، رجعت مسكت الشوكة وكملت أكلها. وده كان أكتر شيء استفزه. لأنه حس إنها بتتجاهله تمامًا. مارك بص للكوباية اللي في إيده وبعدين بص لها. وفجأة كبّ العصير كله فوق راسها! العصير نزل على شعرها ووشها وملابسها العسكرية السوداء. اتسمعت كام ضحكة خافتة من بعض الموجودين. مارك قال بصوت عالي دلوقتي هتعرفي مقامك الحقيقي. كان متوقع إنها تنهار. تعيط. تزعق. تطلب منه تفسير. لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا. المجندة فضلت ساكتة. مسكت منديل وبدأت تمسح العصير من على وشها بكل هدوء. وبعدين رفعت عينيها وبصت لمارك. ثواني طويلة عدت من غير ما تقول كلمة. ولسبب ما مارك نفسه بدأ يحس بعدم ارتياح. وبعدين المجندة قالت خلصت؟ مارك اتفاجئ. خلصت إيه؟ قالت بسأل حضرتك خلصت العرض اللي بتعمله؟ الضحك اختفى في لحظة. الصالة كلها بقت ساكتة. المجندة قامت من مكانها. ومدت إيدها ناحية جيب الزي العسكري. مارك بص لإيدها بترقب. وهي طلعت علبة جلد صغيرة. فتحتها بهدوء وطلعت منها بطاقة عسكرية. وحطتها قدام مارك. مارك مد إيده وأخد البطاقة. قرأ الاسم. وبعدين قرأ الرتبة. وبص للصورة. وبعدين رجع بص للرتبة مرة تانية كأنه مش مصدق عينيه. الابتسامة اختفت من وشه تمامًا. وشه بدأ يشحب. وهمس بصوت بالكاد مسموع عقيد؟! العساكر اللي قاعدين قريب منهم اتجمدوا مكانهم. لأن البنت اللي من شوية كان بيحاول يحرجها قدام الشركة كلها واللي كان فاكر إنها مجرد مجندة جديدة طلعت العقيد صوفي ريد. والأهم من كده؟ كانت هي القائد الجديد للوحدة. القيادة كانت لسه ما أعلنتش رسميًا عن تعيينها قدام كل أفراد الوحدة. وده كان سبب إن محدش يعرف هي مين ولا رتبتها. لكن صوفي كانت وصلت قبل موعدها الرسمي. وكان عندها سبب مقصود جدًا. هي كانت عايزة تشوف الوحدة وهي بتشتغل في يوم عادي، من غير ما حد يعرف إنها القائد الجديد. كانت عايزة تعرف الحقيقة بنفسها من غير مجاملات. ومن غير ما حد يمثل قدامها. لكنها اكتشفت أكتر بكتير مما كانت متوقعة. مارك وقف بسرعة وعدّل وقفته. وقال سيادة العقيد أنا أنا مكنتش أعرف حضرتك مين. صوفي ردت بهدوء أنا لاحظت. مارك اتوتر أكتر. حصل سوء تفاهم، وأنا بعتذر. صوفي أخدت البطاقة من إيده وحطتها تاني في جيبها. وبصت له وقالت بتعتذر عن إيه بالضبط يا كابتن؟ مارك اتلخبط. عن تصرفي. قالت عن إنك كبّيت العصير على قائدتك الجديدة؟ سكت لحظة. وبعدين قال أيوه، يا سيادة العقيد. صوفي فضلت باصة له في صمت. وبعدين قالت يبقى إنت لسه مش فاهم المشكلة. الصالة كلها سكتت تمامًا. صوفي كملت المشكلة مش إنك عملت كده معايا أنا. مارك رفع عينيه لها. فقالت المشكلة إنك لما افتكرت إني مجرد مجندة جديدة، قررت إن من حقك تهينني قدام كل الناس. مارك نزل عينيه للأرض. وصوفي كملت كلامها إنت مكنتش هتعمل كده لو كنت عارف رتبتي. سكتت لحظة. ثم قالت ودي هي المشكلة الحقيقية. مارك ماقدرش يرد. وصوفي بصت حواليها على أفراد الوحدة كلهم. وقالت احترام الناس مش بيتحدد برتبتهم. واللي بيستخدم سلطته عشان يهين شخص أضعف منه، مش بيبقى قائد كويس مهما كانت رتبته. الصمت كان مسيطر على المكان. أما مارك فكان واقف قدامها، مش عارف يقول كلمة واحدة. لأنه من شوية كان واقف قدام الجميع بيحاول يثبت إنه صاحب السلطة. والآن اكتشف إن الشخص اللي حاول يذلّه قدامها هو نفسه الشخص اللي هي مسؤولة عن تقييمه ومحاسبته. والأسوأ بالنسبة له إن صوفي ما كانتش داخلة الوحدة عشان تسمع الكلام اللي بيتقال عنها. كانت داخلة عشان تشوف بعينيها مين يستحق يفضل في مكانه ومين لأ.