جوزي سمي
جوزي سمّى كوبري بملايين الجنيهات على اسم ست تانية يوم عيد ميلادي لكن لما رجع البيت، رد فعلي خلاه يتصدم!
في اليوم اللي كملت فيه 30 سنة، جوزي افتتح كوبري جديد بتكلفة ملايين الجنيهات، وقرر يسميه على اسم فيكتوريا، واحدة من أقرب الأشخاص ليه واللي كان دايمًا بيعتبرها صاحبة فضل كبير عليه.
وبينما آلاف الناس كانوا بيهنّوه على الإنجاز الضخم، كنت أنا قاعدة قدام تورتة عيد ميلادي، مستنية مكالمة منه عمرها ما جت.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما رجع البيت أخيرًا، ولقيتني لا بعيط ولا حتى بلومه على اللي حصل.
بعد سبع سنين جواز، كنت وصلت لمرحلة إني تعبت من التنازلات، وقررت أبدأ أهتم بنفسي ومستقبلي.
كان جوزي، أحمد المنشاوي، رئيس واحدة من أكبر مجموعات الشركات في المدينة.
الصبح، كان وعدني إنه هياخدني أتعشى في المطعم اللي بحبه.
قال لي
البسي الفستان الأزرق اللي أنا بحبه يا مريم، الليلة دي هتبقى مميزة.
صدّقته.
قعدت ساعتين بجهز نفسي، ولبست الفستان اللي كنت شرياه مخصوص للمناسبة، وحطيت ميك أب بعناية، وفضلت مستنياه.
الساعة ستة المغرب، بعتّ له رسالة.
الساعة سبعة، اتصلت بيه.
الساعة تمانية، لسه مفيش أي رد.
ولما الساعة بقت تسعة، ظهر خبر على مواقع التواصل الاجتماعي
مجموعة المنشاوي تفتتح كوبري جديد فوق النيل، وإطلاق اسم كوبري فيكتوريا عليه رسميًا.
فيكتوريا بنت سعيد، واحدة من الشخصيات اللي أحمد كان بيحترمها جدًا، واللي ساعدته في بداية حياته العملية.
بعد ثواني، أحمد نشر صورة ليه وهو واقف جنبها في المطعم اللي كان وعدني ياخدني ليه.
كانت ماسكة مجسم دهبي صغير للكوبري، وبتبتسم بسعادة.
وكتب أحمد تحت الصورة
النهارده بنحتفل بإنجاز مهم، وبنكرّم إنسانة كان ليها دور كبير في رحلتنا. أتمنى الكوبري ده يفضل شاهد على النجاح والإصرار، ويفتح أبواب جديدة لمستقبل أفضل.
فيكتوريا علّقت
شكرًا يا أحمد، عمري ما هنسى التقدير الجميل ده. فخورة باللي قدرنا نحققه.
المنشور جاب آلاف التعليقات.
ألف مبروك على الإنجاز العظيم!.
يا بخت الناس اللي بتعرف تسيب أثر جميل في الدنيا.
الكوبري هيبقى علامة مميزة في المدينة.
قريت التعليقات من غير ما تتغير ملامحي.
محدش كان يعرف إن أحمد وعدني نقضي عيد ميلادي سوا، وإنه نسي وعده تمامًا بسبب شغله ومناسبته الكبيرة.
قفلت الموبايل، وقلعت الكعب، ونزلت اشتريت تورتة.
واشتريت كمان شيبسي وشوكولاتة وكل الأكل اللي كنت محرماه على نفسي من سنين، علشان أحمد كان دايمًا مصمم إني أحافظ على وزني.
لدرجة إني بقيت أضغط على نفسي علشان أرضيه في كل حاجة.
لكن الليلة دي كنت جعانة، وقررت أعمل اللي أنا عايزاه.
ولعت تلاتين شمعة، وغنيت لنفسي أغنية عيد الميلاد.
وقبل ما أطفي الشموع، تمنيت أمنية واحدة
يا رب أقدر أرجع أحلامي اللي ضحيت بيها، وأعيش حياتي بالطريقة اللي أستحقها.
أحمد رجع البيت قبل نص الليل بشوية.
لقاني باكل التورتة من العلبة على طول.
بص لي وقال
إنتِ بتاكلي في الوقت ده؟ وبعدين تشتكي إن وزنك زاد!
ما رديتش.
طلع علبة شيك من شنطته وقال
حصلت مشاكل في الشركة، واضطريت أتأخر. معلش، ما لحقتش أكلمك.
فتحت العلبة، لقيت جواها جزمة حمرا بكعب عالي جدًا، وحتى مقاسها ما كانش مقاسي!
كل سنة وإنتِ طيبة يا مريم، أتمنى تعجبك.
بصيت للجزمة وابتسمت بهدوء.
شكرًا، هدية جميلة.
أحمد وقف مكانه وبص لي باستغراب.
كان متوقع إني أعاتبه على نسيانه عيد ميلادي، وأتكلم عن وعده اللي ما نفذوش، وننتهي بخناقة طويلة زي كل مرة.
لكن المرة دي ما سألتش عن أي حاجة.
قمت، شلت الطبق، ودخلت أنام.
لما أحمد جه ينام، قرب مني وحاول يصالحني بطريقته المعتادة.
لكنني بعدت عنه وقلت
مش النهارده يا أحمد، أنا عايزة أنام.
سألني باستغراب
مالك؟ إنتِ زعلانة مني؟
قلت بهدوء
أنا بس تعبانة، ومحتاجة أرتاح شوية.
بص لي للحظات، وبعدها قام يدخل يستحمى.
وفجأة، موبايلي اهتز.
كانت رسالة من سارة، شريكتي في استوديو التصميم الصغير اللي أسسناه من سنين.
كتبت لي
مريم، عارفة إن الوقت متأخر، بس محتاجة أسألك للمرة الأخيرة. فرصة الدراسة لمدة سنة في فرع واحدة من أشهر دور الأزياء العالمية في باريس مش هتتعوض.
إنتِ كنتِ من أفضل تلات مصممات في المسابقة الدولية، والمركز التالت كان من نصيبك بجدارتك.
إنتِ فعلًا ناوية تتنازلي عن حلمك علشان مسؤوليات البيت؟.
فضلت أبص للرسالة وقت طويل.
كنت اشتغلت شهور علشان المسابقة دي.
ومن بين مئات المتسابقين، مجموعتي حصلت على المركز التالت.
والجائزة كانت فرصة تدريب احترافي لمدة 12 شهرًا وسط مصممين عالميين مشهورين.
كان ده حلمي من وأنا عندي 17 سنة.
لكن لما عرفت النتيجة، أحمد بالكاد رفع عينه من على الكمبيوتر.
قال لي
سنة كاملة في فرنسا؟ وأمال مين هيهتم بالبيت؟
حاولت أوضح له
دي ممكن تكون فرصة عظيمة لمستقبلي وشغلي
قاطعني وقال
يا مريم، إنتِ عندك استوديو بالفعل. ليه محتاجة تسافري وتبعدي كل المدة دي؟
وقتها خفت من فكرة السفر، ومن إني أسيب حياتي المعتادة، وقررت أأجل حلمي علشانه.
لكن الليلة دي، بعد ما شفت إزاي انشغل أحمد بافتتاح الكوبري لدرجة إنه نسي أهم يوم بالنسبالي، فهمت إني لازم أراجع قراراتي.
هو عنده شغله وطموحه وإنجازاته، وأنا كمان من حقي يكون عندي مستقبلي الخاص.
ليه أفضل أتنازل عن أحلامي وأنا قادرة أحققها؟
فتحت المحادثة وكتبت
يا سارة، أنا موافقة. هسافر باريس.
الرد وصل في نفس اللحظة تقريبًا
مش متخيلة أنا فرحانة قد إيه! بكرة هنتكلم في الورق والإجراءات.
ابتسمت من قلبي لأول مرة طول اليوم.
لكن فجأة، ظهرت رسالة تانية من رقم غريب مش مسجل عندي.
كان معاها صورة قديمة لأحمد وفيكتوريا، واقفين قدام مبنى شركته في أول سنة من تأسيسها.
وتحت الصورة كانت فيه جملة واحدة خلتني أحس إن حياتي كلها على وشك تتغير
يا مريم، قبل ما تسافري باريس، لازم تعرفي حقيقة مهمة عن جوازك من أحمد. فيه سر متعلق بالسبع سنين اللي فاتوا، وهو مخبيه عنك لسبب مش هتتخيليه أبدًا والأغرب إن فيكتوريا نفسها هي مفتاح السر ده! الجزء التاني السر اللي أحمد خبّاه عن مراته سبع سنين!
فضلت باصة للرسالة اللي وصلتلي، وإيدي بتترعش من التوتر.
مين الشخص اللي باعتلي؟ وإيه السر اللي ممكن يكون أحمد مخبيه عني طول السنين دي؟
كتبت للرقم الغريب بسرعة
إنت مين؟ وإيه الحقيقة اللي بتتكلم عنها؟
الرد جه بعد ثواني
اسمي محمود، وكنت شغال محاسب في شركة المنشاوي من سبع سنين. عندي مستندات لازم تشوفيها بنفسك، بس أوعي تقولي لأحمد إني كلمتك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سبع سنين!
نفس مدة جوازي من أحمد بالضبط.
سألته عايز مني إيه؟
رد مش عايز منك أي حاجة. أنا بس مش قادر أفضل ساكت أكتر من كده. بكرة الساعة عشرة الصبح، هتلاقيني في كافيه قريب من مكتبك. هجيبلك ملف فيه كل التفاصيل.
فضلت طول الليل أفكر في كلامه، ولما أحمد خرج من الحمام، خبّيت الموبايل بسرعة.
بص لي وقال
إنتِ لسه صاحية؟ مش قولتي إنك تعبانة؟
كنت بفكر في شوية حاجات تخص شغلي.
ضحك بسخرية خفيفة.
شغلك إيه بس يا مريم؟ إنتِ مكبرة الموضوع أوي. بكرة تنسي كل ده ونرجع لحياتنا الطبيعية.
حياتي الطبيعية!
الكلمة فضلت ترن في ودني.
هو كان شايف إن حياتي الطبيعية إني أستنى رجوعه، وألغي أحلامي، وأفضل موجودة وقت ما يحتاجني، من غير ما يكون ليا أي طموح خاص بيا.
تاني يوم الصبح، لبست هدومي وخرجت بحجة إني عندي مشوار مهم.
وصلت الكافيه قبل الميعاد بعشر دقايق.
كان فيه راجل في أواخر الأربعينات قاعد في آخر المكان، وأول ما شافني قام وقف.
مدام مريم؟
أيوه، حضرتك محمود؟
هز راسه، وطلع ملف بني من شنطته.
قبل ما تفتحي الملف، لازم تعرفي إن أحمد مش الشخص الوحيد اللي اتأثر بالقرار اللي اتاخد من سبع سنين.
فتحت الملف، ولقيت أول ورقة عقد قديم عليه توقيع أحمد، وورقة تانية عليها اسمي!
بصيت له بصدمة.
إيه ده؟ أنا أول مرة أشوف الورق ده!
محمود اتنهد وقال
قبل جوازك من أحمد بشهور، والدك كان داخل في مشروع تجاري كبير، لكن المشروع اتعطل، والشركة كانت مهددة بخسارة كل حاجة. مجموعة المنشاوي تدخلت وقتها وساعدت في تسوية جزء كبير من الالتزامات.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
والدي كان فعلًا عنده مشاكل مالية في الفترة دي، لكنه عمره ما حكى لي التفاصيل.
كمل محمود
أحمد هو اللي وافق على المساعدة، لكن فيه شرط كان موجود في اتفاق جانبي، واتكتب من غير ما حد يشرحلك مضمونه.
قلبت الورقة بسرعة، لكن المصطلحات القانونية كانت معقدة.
إيه الشرط ده؟
بص لي محمود وقال
والدك وافق إنك تتنازلي عن حصتك في شركة عائلية قديمة لصالح مجموعة المنشاوي، مقابل تسوية الالتزامات. لكن الورقة دي مش بتثبت إنك كنتِ عارفة أو موافقة بنفسك.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
شركة عائلية؟ أنا أصلًا ما كنتش أعرف إن ليا أي حصة!
طلع محمود صورة قديمة من الملف.
كانت صورة لوالدي واقف جنب رجل كبير في السن، وعلى ضهرها مكتوب اسم شركة صغيرة متخصصة في تصميم الملابس.
وفجأة افتكرت كلام أمي من سنين، لما قالت إن جدي كان عنده ورشة ملابس، وإنه كان نفسه حد من العيلة يكمل شغله.
لكن محدش شرح لي إيه اللي حصل للورشة بعد وفاته.
سألت محمود
طيب، إيه علاقة فيكتوريا بكل ده؟
رد بعد لحظة صمت
فيكتوريا كانت مسؤولة عن مراجعة ملف الاستحواذ في الفترة دي. وهي الوحيدة اللي تعرف ليه بعض المستندات اتغيرت قبل توقيع الاتفاق النهائي.
بصيت للصورة مرة تانية، وبدأت أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلاف عائلي.
لكن قبل ما أسأله أي سؤال تاني، موبايلي رن.
كان أحمد.
رديت وأنا بحاول أسيطر على صوتي.
أيوه يا أحمد؟
صوته كان حاد بشكل عمري ما سمعته منه قبل كده.
إنتِ فين يا مريم؟
بره، عندي مشوار.
مشوار إيه؟ سارة قالت لي إنك بتسألي عن أوراق السفر لباريس!
اتجمدت مكاني.
إزاي عرف؟
كمل بصوت غاضب
إنتِ وافقتي تسافري من غير ما ترجعيلي؟ إنتِ فاهمة معنى إنك تسيبي بيتك سنة كاملة؟
ولأول مرة، ما خفتش من نبرة صوته.
قلت له بهدوء
زي ما إنت بتاخد قرارات تخص حياتك وشغلك، أنا كمان من حقي أقرر مستقبلي.
سكت لحظات، وبعدها قال جملة خلت محمود يبص لي بقلق
مريم، اسمعيني كويس. لو فتحتي أي ملف قديم يخص عيلتك، أو قابلتي محمود، يبقى لازم تعرفي إن كل اللي إنتِ فاكراه عن جوازنا ممكن يتغير.
قلبي وقع.
بصيت لمحمود، لقيته بيقفل الملف بسرعة وبيهمس لي
هو عرف إني قابلتك!
وقبل ما أقدر أرد، وصلني إشعار برسالة جديدة على موبايلي.
كانت من فيكتوريا بنفسها.
مريم، لازم نتقابل النهارده. محمود ما قالكيش الحقيقة كاملة وأحمد مش هو الشخص الوحيد اللي خبّى عنك حاجة. لو عايزة تعرفي مين صاحب التوقيع التاني في العقد، تعالي لوحدك الساعة ستة.
بصيت للرسالة، وبعدها بصيت للورقة اللي قدامي.
كان فيه توقيع تاني فعلًا.
لكن الاسم المكتوب تحته كان اسم شخص مستحيل أتخيل إنه ممكن يكون طرف في الموضوع.
أمي!
الجزء التالت توقيع أمها قلب حياتها كلها!
فضلت باصة للتوقيع وأنا مش قادرة أستوعب.
أمي؟!
إزاي أمي تكون وقّعت على ورق بالشكل ده من غير ما أعرف؟ وإيه علاقة ده بجوازي من أحمد؟
بصيت لمحمود وقلت له بصوت مهزوز
أنا لازم أفهم كل حاجة دلوقتي. أمي وقّعت على إيه بالظبط؟
محمود قفل الملف وقال
مش هقدر أشرحلك كل التفاصيل من غير ما تشوفي النسخة الأصلية. لكن اللي أقدر أقولهولك إن جدك كان سايب حصة في شركة تصميم الملابس باسمك، ووالدتك كانت الوصية على نصيبك وقتها لأنك كنتِ لسه صغيرة.
وده معناه إيه؟
معناه إن فيه احتمال إن بعض حقوقك اتنقلت من غير ما تكوني عارفة. ولازم محامي مستقل يراجع الأوراق قبل ما تستنتجي أي حاجة.
حسيت إن الدنيا بتضيق بيا.
طول عمري كنت فاكرة إن جوازي من أحمد كان بداية جديدة لحياتي، وإن كل اللي حصل في الماضي انتهى.
لكن واضح إن فيه حكاية قديمة لسه ما خلصتش.
خدت صور المستندات، وشكرته، وخرجت من الكافيه.
طول الطريق للبيت كنت بسأل نفسي هل أمي كانت بتحاول تحميني؟ ولا كانت مخبية عني حقيقة كبيرة؟
لما وصلت، لقيتها قاعدة في الصالة بتجهز الغدا.
أول ما شافتني، ابتسمت وقالت
إيه يا مريم؟ مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟
حطيت الملف قدامها على الترابيزة.
ابتسامتها اختفت في لحظة.
بصت للأوراق، وبعدها رفعت عينيها ليا.
إنتِ جبتي الورق ده منين؟
صوتي خرج بصعوبة
عايزة إجابة واحدة يا أمي. إنتِ وقّعتي على إيه من سبع سنين؟
أمي سابت اللي في إيدها وقعدت ببطء.
فضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدها دموعها نزلت.
كنت فاكرة إنك عمرك ما هتعرفي يا بنتي.
حسيت بوجع شديد في صدري.
يعني الكلام ده حقيقي؟
هزت راسها وقالت
جدك قبل ما يموت كان سايبلك حصة



