جوزي سمي
له بهدوء.
أنا مش بسيبك يا أحمد. أنا بس مش هسيب نفسي تاني. السفر سنة، وعندي حلم نفسي أحققه من زمان.
نزل عينه، وقال
أنا يمكن اتعودت إنك دايمًا بتأجلي حاجاتك علشاني، لدرجة إني بقيت فاكر إن ده الطبيعي.
رديت
وأنا اتعودت أتنازل، لحد ما نسيت أنا عايزة إيه.
فضلنا ساكتين فترة طويلة.
وبعدين قال
مش هطلب منك تتنازلي عن السفر. لكن أتمنى تديني فرصة أصلح اللي أقدر عليه.
ما وعدتوش بحاجة.
قلت له بس
اللي هيحدد مستقبلنا مش الكلام، لكن الأفعال.
تاني يوم، وأنا بجهز أوراقي، وصلني اتصال من المحامي فؤاد.
قال بصوت جاد
يا مريم، فيه تطور جديد في ملف جدك. راجعت سجل الشركة، واكتشفت مستندًا ممكن يغيّر تقييم حقوقك بالكامل.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
إيه المستند ده؟
رد
عقد تأسيس قديم، عليه توقيع جدك وتوقيع شريك سابق له. العقد بيشير إلى وجود أصول وحقوق ملكية فكرية لم تدخل ضمن التسوية القديمة، ولسه لازم نتحقق من وضعها القانوني.
سألته
وده معناه إيه بالنسبة لي؟
قال
لسه بدري نحكم، لكن فيه احتمال إن الموضوع أكبر من حصة الشركة والبيت.
قفلت المكالمة وأنا بفكر في كل اللي حصل.
كنت فاكرة إني بدور على إجابة لسؤال واحد ليه أحمد خبّى عني الحقيقة؟
لكن كل إجابة كانت بتفتح بابًا جديدًا.
وبعد دقائق، وصلتني رسالة من رقم المحامي.
كانت صورة لصفحة من العقد القديم، وتحتها ملاحظة مكتوبة بخط جدي
لا يتم تسليم الملف النهائي لمريم إلا بعد التأكد من هوية الوريث المستحق للعلامة التجارية الأصلية.
وتحت الملاحظة كان فيه اسم شخص واحد.
اسم ما ظهرش في أي ورقة من الأوراق اللي شفتها قبل كده.
اسم والد أحمد نفسه!
يعني إيه إن والد أحمد له علاقة بملكية تصميمات جدي؟
وإزاي اسم العيلتين مرتبط ببعض بالشكل ده؟
وفجأة، اتصل أحمد وقال لي
مريم، لازم نتقابل فورًا. اكتشفت حاجة عن أبويا، وحاجة تانية عن جديكي، ومش هينفع أقولها لك في التليفون.
سألته بقلق
إيه اللي حصل؟
رد بصوت متوتر
أبويا ما كانش مجرد شريك قديم لجدك ده كان الشخص اللي أسس معاه أول دار أزياء، وفيه اتفاق قديم ممكن يثبت إن عيلتنا وعيلتكم كانوا شركاء من البداية!
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحكاية مش مجرد ميراث ضايع.
دي حكاية مشروع بدأ من جيلين، وحقوق لازم تتحدد، ومستقبل أنا المرة دي مش هتنازل عنه مهما حصل.
الجزء السادس الحقيقة اللي جمعت العيلتين من جديد!
قفلت المكالمة مع أحمد، وفضلت قاعدة مكاني مش قادرة أستوعب كلامه.
والده كان شريك جدي؟!
إزاي محدش حكالي عن الموضوع ده قبل كده؟ وإزاي شركة المنشاوي اللي بقت من أكبر الشركات في المدينة، ممكن يكون ليها علاقة بمشروع صغير بدأه جدي من سنين طويلة؟
قررت أروح أقابل أحمد في مكتبه.
أول ما دخلت، لقيته واقف قدام مكتبة كبيرة، وفي إيده صورة قديمة لرجلين واقفين قدام ورشة ملابس صغيرة.
ناولني الصورة وقال
الراجل اللي على اليمين ده أبويا، واللي على الشمال جدك.
بصيت للصورة بتركيز. كان واضح إنهم كانوا قريبين من بعض، ووراهم لافتة مكتوب عليها اسم دار أزياء قديمة.
أحمد كمل
أبويا كان بيحكيلي إنهم بدأوا المشروع سوا، وإن جدك كان مسؤول عن التصميمات، وأبويا كان مسؤول عن الإدارة والتمويل. لكن بعد وفاة جدك، حصلت خلافات على الحسابات والملكية، وكل طرف كان فاكر إن الطرف التاني أخد أكتر من حقه.
سألته
طب ليه ما حاولتوش تحلوا الخلاف ده من زمان؟
رد وهو بيقعد
حاولنا، لكن المستندات كانت ناقصة، وأبويا مات قبل ما نقدر نوصل لاتفاق نهائي. وأنا لما استلمت الشركة، ركزت على إنقاذها وتوسيعها، وافتكرت إن التسوية اللي حصلت وقتها أنهت كل حاجة.
بصيت له وقلت
لكن التسوية دي أثرت على حقوقي أنا كمان، وكان من حقي أعرف.
هز راسه وقال
عندك حق. أنا غلطت لما سبت الموضوع من غير ما أشرحلك.
كانت دي أول مرة أسمع منه اعتراف واضح بالشكل ده.
لكنني ما كنتش مستعدة أعتبر الاعتذار نهاية المشكلة.
قلت له
أنا عايزة كل العقود تتراجع عن طريق محامي مستقل، وأي حق يثبت إنه ليا لازم يرجع لي. وفي نفس الوقت، لو فيه حقوق لشركتك، لازم تتحدد هي كمان.
أحمد وافق من غير جدال.
وبعد يومين، اجتمعنا مع المحامي فؤاد ومحاسب مستقل، وبدأوا يراجعوا المستندات القديمة.
النتيجة الأولى كانت مفاجأة.
العقود بتوضح إن فيه اتفاق شراكة قديم بين العيلتين، وإن بعض حقوق التصميمات والعلامة التجارية ما زالت محتاجة تحديد قانوني. كمان ظهرت مستندات بتشير إلى إن جزءًا من الأصول اتنقل في فترة سابقة، لكن ما كانش واضح إذا كانت كل الإجراءات تمت بشكل صحيح.
المحامي قال
مش هنقدر نحدد حجم الحقوق إلا بعد ما نراجع سجلات التسجيل والملكية والتحويلات المالية. لكن المهم إننا دلوقتي عندنا أساس نبدأ منه.
وافقت على استكمال الإجراءات، وقررت إني ما أخليش الخلاف ده يوقف حياتي.
لأن في حاجة أهم كانت مستنياني.
باريس.
قبل السفر بأسبوع، أحمد طلب مني نتقابل في المطعم اللي كان وعدني نروح له يوم عيد ميلادي.
المرة دي وصل قبلي، وكان مستنيني على الترابيزة.
لما قعدت، قال
أنا عارف إن المطعم ده بيفكرك باللي حصل، وعارف إني خذلتك.
ما رديتش، فكمّل
يوم افتتاح الكوبري، كنت مركز في المشروع لدرجة إني نسيت الوعد اللي قطعتهولك. وبدل ما أعترف بغلطتي، تصرفت كأن الموضوع مش مهم.
بصيت له وقلت
الموضوع ما كانش مجرد عشا يا أحمد. أنا كنت محتاجة أحس إن فيه حد شايفني، وإن أحلامي ومناسباتي ليها قيمة عنده.
نزل عينه وقال
أنا فاهم ده دلوقتي، حتى لو فهمته متأخر.
سألته
وإيه اللي هيتغير بعد كده؟
رد
مش هطلب منك ترجعي عن قرار السفر، ومش هطلب منك تتنازلي عن شغلك علشاني. عايز أثبتلك إن حياتك مهمة زي حياتي بالضبط.
ما وعدتوش إني هرجع زي الأول، لكن وافقت أدي لنفسي فرصة أشوف إذا كان التغيير حقيقي ولا مجرد كلام.
وصل يوم السفر.
كنت واقفة في المطار، ماسكة جواز سفري وتذكرة الطيارة، وقلبي مليان مشاعر متناقضة.
أمي قالت
روحي يا بنتي، حققي حلمك. المرة دي ما ترجعيش غير وإنتِ فخورة بنفسك.
ابتسمت وسط دموعي.
أما أحمد، فكان واقف بعيد شوية، ولما قربت منه قال
رحلة سعيدة يا مريم. هستنى أسمع أخبار نجاحك.
ولأول مرة من سنين، ما حسيتش إن سفري معناه إني بخذل حد.
حسيت إني أخيرًا بختار نفسي.
بعد وصولي باريس بأسبوعين، بدأت التدريب في دار الأزياء، وانشغلت بالتصميمات والدروس والاجتماعات.
وفي يوم، المشرفة على البرنامج شافت رسوماتي، وطلبت مني أشارك في مشروع جديد لتصميم مجموعة مستوحاة من التراث المصري.
وافقت بحماس.
كنت عايزة أثبت لنفسي قبل أي حد إن الفرصة دي كانت تستاهل كل التعب.
لكن في نفس الأسبوع، اتصل بي المحامي فؤاد.
قال
يا مريم، ظهرت نتيجة مراجعة مهمة. لقينا مستند تسجيل قديم بخصوص العلامة التجارية اللي كان جدك بيستخدمها.
قلبي دق بسرعة.
وإيه اللي ظهر؟
قال
المستند بيثبت إن العلامة اتسجلت باسم الشركة المشتركة في البداية، لكن بعد إعادة هيكلة المشروع، اتنقلت ملكيتها بعقد محتاج مراجعة دقيقة. دلوقتي عندنا أساس أقوى لفهم اللي حصل، لكن لسه لازم نراجع صحة نقل الملكية.
وقبل ما أقفل، أضاف
وفيه حاجة تانية. فيكتوريا قدمت إفادة مكتوبة عن بعض الإجراءات اللي حضرتها بنفسها وقت إعادة الهيكلة.
سألته
قالت إيه؟
رد
قالت إن فيه مراسلات قديمة كانت بتوضح إن جدك طلب تأجيل نقل بعض الحقوق لحد ما تبلغي السن القانونية وتقدري تقرري بنفسك. لكن المراسلات دي ما ظهرتش في الملف اللي اتراجع وقت التسوية.
اتصدمت.
يعني جدي كان حريص إن قراري يفضل بإيدي، لكن المعلومة دي ما وصلتش لي.
شكرت المحامي، وقفلت المكالمة.
وبعدها بدقائق، وصلني إيميل من أحمد، عنوانه
حاجة لازم تعرفيها عن مستقبل شركتنا.
فتحت الرسالة، ولقيته كاتب
مريم، بعد مراجعة الحسابات، اكتشفنا إن بعض التصميمات القديمة اللي الشركة بتستخدمها لسه وضع ملكيتها محتاج تسوية. أنا قررت نوقف أي استخدام جديد للتصميمات المختلف عليها لحد ما المحامين ينهوا المراجعة.
عارف إن القرار ده ممكن يكلّف الشركة كتير، لكنه الصح، حتى لو النتيجة النهائية طلعت مختلفة عن توقعاتنا.
فضلت باصة للشاشة.
لأول مرة، أحمد كان بيتخذ قرار صعب من غير ما يطلب مني أتنازل علشان يسهّل حياته.
لكن قبل ما أقدر أرد عليه، وصلتني رسالة من سارة.
مريم، لازم تعرفي إن فيه خطاب جديد وصل للاستوديو من محامي شركة المنشاوي. الخطاب مش بخصوص الميراث، لكنه بخصوص تصميم جديد قدمناه للمسابقة وفيه ادعاء إن التصميم ده مطابق لرسمة قديمة محفوظة في أرشيف جدك.
حسيت بقلق شديد.
التصميم ده كان من شغلي أنا، وكنت رسمته بنفسي خلال شهور التدريب.
إزاي ممكن يكون مطابق لرسمة قديمة ما شفتهاش قبل كده؟
فتحت سارة صورة الخطاب، وبدأت أقرا التفاصيل.
وفي آخر صفحة، لقيت صورة لتصميم قديم مرسوم بخط اليد.
اتجمدت مكاني.
التصميم كان قريب جدًا من مجموعتي الجديدة، لدرجة إن حتى تفاصيل التطريز كانت متشابهة.
لكن أسفل الرسمة، كان فيه توقيع صغير.
توقيع جدي.
وفي نفس اللحظة، فهمت إن القضية اللي كنت فاكرة إنها هتنتهي باسترداد حقوق عيلتي، ممكن تهدد أهم فرصة حصلت عليها في حياتي كلها.
والأخطر من كده، إن المسابقة النهائية في باريس كانت بعد ثلاثة أيام فقط!
هل هقدر أثبت إن تصميمي من إبداعي، وأحافظ على حلمي، ولا السر اللي اتدفن من سنين هيضيّع مني كل حاجة؟
الجزء السابع اتهموها بسرقة تصميم جدها!
فضلت باصة للرسمة القديمة، وكل ما أدقق فيها، قلبي كان بيدق أسرع.
التصميم اللي قدمته للمسابقة كان نتيجة شهور من الشغل والتجارب، ومع ذلك فيه تفاصيل فعلًا شبه الرسمة اللي قدامي.
اتصلت بسارة فورًا.
سارة، إنتِ شوفتي الرسمة دي قبل كده؟
ردت بتوتر
لأ يا مريم، أول مرة أشوفها كانت مع الخطاب. بس فيه مشكلة أكبر.
إيه تاني؟
الشركة طالبة وقف تقييم تصميمك لحد ما يتأكدوا من ملكية الرسمة الأصلية.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
بعد كل السنين اللي ضحيت فيها بحلمي، وبعد ما أخيرًا سافرت علشان أحقق نفسي، ممكن أخسر كل حاجة بسبب سر ما كنتش أعرف عنه أي حاجة!
لكن المرة دي ما استسلمتش.
قلت لسارة
ابعتيلي كل المستندات، وأنا هكلم إدارة المسابقة بنفسي. مش هسمح لحد يحكم عليا قبل ما يسمعني.
قفلت معاها، وبدأت أراجع كل خطوات تصميم مجموعتي.
كنت محتفظة بدفاتر الرسم الأولى، وصور مراحل التنفيذ، ورسائل بيني وبين المشرفة، وحتى تسجيلات قصيرة كنت بصورها وأنا بجرّب أشكال التطريز المختلفة.
كل ده كان ممكن يثبت إني اشتغلت على التصميم بنفسي.
في نفس الليلة، اتصلت بالمحامي فؤاد.
شرحت له الموضوع، فقال
أهم حاجة دلوقتي إننا نفصل بين ملكية الرسمة القديمة وبين إثبات إنك اشتغلتي على تصميمك بشكل مستقل. هنحتاج نفحص الرسومات وتواريخها، ونراجع حقوق الملكية الفكرية لكل تصميم.
سألته
يعني لسه عندي فرصة؟
رد بثقة
طبعًا. مجرد وجود تشابه مش معناه إنك سرقتي حاجة. لازم الأدلة تتراجع قبل أي قرار.
الكلام ده هداني شوية.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
تاني يوم الصبح، وصلتني رسالة من أحمد.
مريم، عرفت موضوع الخطاب. أنا مش هتدخل في نتيجة المسابقة، لكن طلبت من القسم القانوني يرسل لك نسخة كاملة من أرشيف التصميمات القديمة علشان تقدري تقارني بينها وبين شغلك.
بعدها بدقائق، وصلني رابط الملفات.
فتحت الأرشيف، وبدأت أدور على الرسمة اللي ظهرت في الخطاب.
وفجأة، لقيت ملفًا بعنوان مجموعة الربيع تصميمات عبدالسلام.
فتحت الملف، وظهرت مجموعة كاملة من الرسومات القديمة.
لكن في آخر صفحة، لقيت ملاحظة مكتوبة بخط جدي
المجموعة دي ما اكتملتش، والتصميمات الموجودة فيها مجرد أفكار أولية. ممنوع استخدامها في أي إنتاج تجاري قبل مراجعة النسخ النهائية.
وقفت عند الجملة دي.
يعني الرسمة اللي اتقدمت كدليل ضدّي ممكن تكون مجرد مسودة قديمة!
حفظت الصفحة، وبعتها للمحامي، وطلبت منه يراجع أصل المستند وتاريخه.
بعد ساعات، اتصل بيا وقال
يا مريم، لقينا اختلافًا مهمًا بين نسخة الأرشيف ونسخة الخطاب. لكن محتاجين النسخة الأصلية علشان نعرف إذا كان فيه تعديل حصل على المستندات ولا لأ.
سألته
والنسخة الأصلية فين؟
رد
بحسب سجل الشركة، آخر مرة اتسجل فيها خروج الملف كانت قبل شهرين، باسم موظف سابق في الأرشيف.
وقبل ما يكمل، سمعت صوت إشعار جديد على موبايلي.
رسالة من فيكتوريا.
مريم، أنا عرفت إن التصميم بتاعك اتعرض لمشكلة. عندي معلومة ممكن تساعدك، لكن لازم أقولها لك بنفسي.
اتفقنا نتقابل في اليوم نفسه.
لما وصلت، لقيت فيكتوريا معاها صندوق صغير مليان دفاتر قديمة.
حطته قدامي وقالت
الدفاتر دي كانت عند والدتي، لأنها كانت صديقة جدك وبتساعده أحيانًا في تنظيم رسوماته. احتفظت بيها سنين، وما كنتش أعرف إنها هتبقى مهمة بالشكل ده.
فتحت أول دفتر، وبدأت أقلب صفحاته.
رسومات، وملاحظات، وأفكار لمجموعات أزياء مختلفة.
لحد ما وصلت لصفحة عليها نفس التصميم اللي

