جوزي سمي

اتقدم ضدي.
لكن فيه اختلاف واضح.
الرسمة القديمة كانت ناقصة، أما تصميمي فكان فيه تفاصيل إضافية أنا طورتها بنفسي، خصوصًا في شكل الأكمام والتطريز.
فيكتوريا أشارت للصفحة وقالت
جدك كان بيغيّر التصميم الواحد عشرات المرات قبل ما يعتمد النسخة النهائية. ودي مش النسخة النهائية، أنا متأكدة إني شفت الرسمة دي قبل كده في دفتره.
سألتها
تقدري تثبتي الكلام ده؟
ردت
الدفاتر دي أصلية، لكن لازم خبير يفحصها ويحدد تاريخها. أنا مش هقدر أضمن النتيجة، بس أقدر أقدّم إفادة عن اللي أعرفه.
شكرتها، وخدت الدفاتر للمحامي بعد ما اتفقنا على توثيقها وفحصها بالطريقة القانونية.
لأول مرة من يوم ما وصلني الخطاب، حسيت إن فيه أمل حقيقي.
في اليوم التالي، اجتمعت لجنة المسابقة معايا ومع المشرفة على البرنامج.
عرضت عليهم دفاتر الرسم الأصلية، وسجل مراحل تنفيذ التصميم، وكل الرسومات اللي احتفظت بيها من أول يوم بدأت فيه المجموعة.
شرحت لهم إزاي استلهمت الفكرة من أشكال التطريز المصري، وإزاي طورتها لحد ما وصلت للنتيجة النهائية.
المشرفة بصت للرسومات، وبعدها قالت
واضح إن عندك توثيقًا مهمًا لمراحل العمل. هنحتاج وقت قصير لمراجعة المستندات، لكن مش هنصدر حكمًا قبل انتهاء الفحص.
خرجت من الاجتماع وأنا متوترة، لكن مرتاحة إني أخيرًا قدرت أشرح موقفي.
وبعد يومين، جالي اتصال من إدارة المسابقة.
قالوا إن المراجعة الأولية ما لقتش دليلًا كافيًا يثبت إن التصميم اتنقل من الرسمة القديمة، وإن تقييم مجموعتي هيستمر لحين انتهاء المراجعة النهائية.
قفلت المكالمة وأنا بعيط من الفرحة.
مش لأن القضية خلصت، لكن لأنهم ادوني فرصة عادلة.
وفي نفس الليلة، اتصل أحمد.
مريم، عندي خبر مهم. القسم القانوني اكتشف إن النسخة اللي اتبعتت في الخطاب مش موجودة بنفس الشكل في الأرشيف الأصلي.
سألته بسرعة
يعني إيه؟
يعني فيه اختلافات محتاجة تحقيق، وطلبنا مراجعة سجل الوصول للملفات علشان نعرف مين عدّل النسخة ومتى.
سكت لحظة، وبعدها قال
وفيه حاجة تانية لازم تعرفيها. الموظف السابق اللي خرج الملف من الأرشيف هو نفسه اللي كان مسؤول عن نقل بعض مستندات الشراكة القديمة.
قلبي اتقبض.
هل الشخص ده كان مجرد موظف أخطأ في الإجراءات، ولا كان عنده سبب يخليه يغيّر الملفات؟
قبل ما أسأله، أحمد قال
مريم، الموظف ده وافق يقابلنا بكرة، وقال إنه مستعد يشرح كل اللي حصل بشرط واحد إنك تكوني موجودة بنفسك.
وافقت على المقابلة.
لكن في صباح اليوم التالي، قبل الموعد بساعة، وصلني ظرف من غير اسم المرسل.
فتحته، ولقيت جواه صورة للموظف القديم، ومعاها ورقة مكتوب عليها
لو قابلتي الراجل ده، اسأليه عن يوم افتتاح أول دار أزياء لجدك. اليوم ده هو بداية الحكاية كلها.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب على ضهرها اسم واحد بس.
اسم والدي!
وفجأة، بدأت أشك إن القصة اللي كنت فاكرة إنها مجرد خلاف على تصميمات وميراث، وراها أحداث قديمة محدش في عيلتي كان مستعد يحكيها.
إيه اللي حصل يوم افتتاح دار الأزياء؟ وليه اسم أبويا ظهر في الصورة؟
الجزء الثامن السر اللي أبوها خبّاه عن العيلة كلها!
فضلت باصة للصورة، ومش قادرة أفهم إزاي اسم أبويا ظهر في موضوع كنت فاكرة إنه انتهى من سنين.
اتصلت بأمي فورًا.
ماما، محتاجة أسألك عن بابا. إيه علاقته بدار الأزياء القديمة بتاعة جدو؟
سكتت أمي شوية، وبعدها قالت بصوت متردد
إنتِ عرفتي منين عن الموضوع ده؟
لقيت صورة فيها اسمه، ومش عايزة حد يخبي عني حاجة تاني.
أمي اتنهدت وقالت
أبوكي كان بيشتغل مع جدك فترة قصيرة وهو صغير، وكان مسؤول عن تسجيل بعض الحسابات والمستندات. لكن بعد خلاف حصل بينه وبين جدك، ساب الشغل، ومن يومها ما بقاش يحب يتكلم عن الموضوع.
قلبي اتقبض.
خلاف على إيه؟
ما أعرفش كل التفاصيل. جدك كان مقتنع إن فيه خطأ في الحسابات، وأبوكي كان بيقول إنه مالوش علاقة بيه. وبعد فترة، كل واحد فيهم مشي في طريقه.
قفلت المكالمة وأنا مصممة أعرف الحقيقة.
في ميعاد المقابلة، وصلت لمكتب المحامي فؤاد، ولقيت أحمد قاعد مستني، ومعاه راجل في الخمسينات من عمره.
المحامي عرّفني بيه
ده الأستاذ سامح، الموظف السابق المسؤول عن الأرشيف.
قعدت قدامه وقلت
أنا عايزة أعرف مين غيّر المستندات القديمة، وليه اسمي اتزج في مشكلة التصميمات.
سامح بص لأحمد، وبعدها بدأ يتكلم
أنا اشتغلت في الشركة أكتر من عشرين سنة. من فترة، طلب مني أحد المسؤولين أطلع بعض الملفات القديمة علشان مراجعة داخلية. وأنا نفذت الطلب، لكن بعد كده اكتشفت إن فيه نسخ اتداولت خارج الأرشيف، من غير ما أعرف مين أخرجها.
سألته
وإيه علاقتك بأبويا؟
اتنهد وقال
والدك كان موظفًا في المشروع القديم، وكان هو اللي سجّل بعض الرسومات في الدفاتر. لكنه ما كانش صاحب التصميمات، ولا كان عنده حق يتصرف فيها من نفسه.
أحمد اتدخل
طيب، هل شفت بنفسك أي تعديل حصل على الرسمة اللي اتقدمت ضد مريم؟
سامح هز راسه.
ما أقدرش أقول مين عدّلها من غير فحص النسخ، لكن أقدر أقول إن النسخة اللي ظهرت في الخطاب مش هي النسخة اللي كانت محفوظة في الأرشيف آخر مرة راجعتها.
المحامي طلب منه يقدّم كل سجلات التسليم والاستلام، واتفقوا إن خبير مستقل يفحص المستندات.
خرجت من المكتب وأنا لسه عندي أسئلة كتير، لكن على الأقل بدأنا نعرف طريق الحقيقة.
بعد أسبوع، ظهرت نتيجة الفحص الأولي.
الخبير أكد وجود اختلافات بين النسخة اللي ظهرت في الخطاب وبين بعض النسخ المحفوظة سابقًا، لكنه ما قدرش يحدد مين المسؤول عن التغيير.
إدارة المسابقة قررت تكمل تقييم تصميمي، مع الاحتفاظ بحقها في طلب مستندات إضافية لو ظهرت معلومات جديدة.
ولما عرفت النتيجة، اتصلت بسارة.
الحمد لله، التقييم مستمر. بس لسه لازم نعرف مين غيّر النسخة.
سارة ردت
أنا هساعدك في جمع كل سجلات التصميمات من الاستوديو، علشان يكون عندنا ملف كامل يثبت تاريخ شغلك.
لأول مرة من أيام، حسيت إن الأمور بدأت تهدى.
لكن في نفس الليلة، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
أحمد اتصل بيا من القاهرة، وكان صوته مختلف.
مريم، محتاج أقولك حاجة بخصوص أبوكي.
قلبي دق بسرعة.
عرفت إيه؟
راجعت ملفات قديمة، ولقيت خطابًا من جدك لأبوكي، مكتوب قبل افتتاح دار الأزياء بشهر. الخطاب بيطلب منه يرجع للمشروع ويساعد في تنظيم الحسابات، وبيأكد إنه مش عايز الخلاف القديم يفضل بينهم.
سألته
وأبويا رد عليه؟
دي المشكلة. ما لقيناش رد مكتوب، لكن لقينا مستندًا تاني يثبت إن والدك حضر افتتاح الدار، رغم إنه كان قال للعيلة إنه مش هيحضر.
اتصدمت.
يعني بابا كان موجود يوم الافتتاح؟
أيوه، وده ممكن يفسر ليه اسمه موجود في سجلات المشروع.
بعد ما قفلت مع أحمد، قررت أكلم أبويا بنفسي.
العلاقة بيني وبينه ما كانتش سهلة، وكان بينا خلافات قديمة، لكن المرة دي كنت محتاجة أسمع منه الحقيقة.
اتصلت بيه.
بابا، أنا محتاجة أتكلم معاك عن جدو ودار الأزياء القديمة.
سكت فترة طويلة، وبعدها قال
مين فتح الموضوع ده تاني يا مريم؟
أنا اللي بدور على الحقيقة. عايزة أعرف إيه اللي حصل يوم الافتتاح، وليه اسمك موجود في المستندات.
أبويا اتنهد، وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي. اسمعيني كويس يا بنتي، أنا ما أخدتش حقك، ولا أخفيت عنك أي حاجة علشان أضرّك. لكن فيه قرار اتاخد وقتها، وأنا وافقت عليه علشان أحافظ على العيلة.
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
قرار إيه؟
رد بصوت منخفض
جدك قبل ما يموت، طلب مني أحتفظ بمفتاح خزانة في دار الأزياء القديمة. قال لي إن جواها مستندات لازم ما تتفتحش غير لما تكبري وتكوني مستعدة تعرفي الحقيقة كاملة.
وقفت من مكاني.
والخزانة دي لسه موجودة؟
على حد علمي، أيوه. لكن آخر مرة رحت هناك كانت من سنين طويلة.
سألته بسرعة
والمفتاح معاك؟
سكت لحظات، وبعدها قال
أيوه يا مريم. المفتاح لسه عندي.
اتفقنا نتقابل أول ما أرجع مصر.
لكن قبل ما أقفل المكالمة، أبويا قال جملة خلتني أحس إن المفاجأة الجاية أكبر من كل اللي فات
بس لازم تعرفي إن الخزانة مش فيها أوراق جدو بس فيها كمان رسالة مكتوبة بخط أحمد أبو المنشاوي، أبو جوزك، وفيها اعتراف بحاجة حصلت يوم تأسيس الشركة، وغيّرت مصير العيلتين لسنين طويلة.
وفي اللحظة دي، فهمت إن السر الحقيقي لسه ما ظهرش.
وإن كل المستندات اللي لقيناها لحد دلوقتي كانت مجرد بداية.
لكن هل الرسالة هتثبت إن حقوق مريم اتظلمت فعلًا، ولا هتكشف إن العيلتين كانوا فاهمين الحقيقة غلط من البداية؟
الجزء التاسع الرسالة اللي قلبت حياة العيلتين!
رجعت مصر وأنا كل تفكيري في الخزانة اللي جدي ساب مفتاحها عند أبويا. كنت حاسة إن الحقيقة اللي بدور عليها من شهور مستنياني ورا باب قديم، وإن أول ما أفتحه مش هقدر أرجع لحياتي زي الأول.
أول ما وصلت، روحت لأبويا.
كان قاعد في الصالة، وقدامه صندوق خشب صغير. أول ما شافني، مد إيده وطلع مفتاح نحاس قديم.
قال لي المفتاح ده معايا من أكتر من عشرين سنة. وكل مرة كنت أفكر أروح أفتح الخزانة، كنت أفتكر كلام جدك ما تفتحهاش غير لما مريم تكون قادرة تواجه الحقيقة بنفسها.
مسكت المفتاح وأنا بسأله طب ليه ما قلتليش من زمان؟
بص لي بحزن وقال لأني كنت خايف الحقيقة تفرق بينك وبين ناس إنتِ بتحبيهم، وخايف تفتكري إني كنت السبب في ضياع حقك.
ما رديتش عليه. كنت محتاجة أشوف المستندات بعيني قبل ما أحكم على أي حد.
تاني يوم، رحت أنا وأبويا وأحمد والمحامي فؤاد لدار الأزياء القديمة.
المكان كان مقفول من سنين، والهدوء اللي جواه كان غريب. دخلنا غرفة صغيرة في آخر المبنى، ولقينا خزانة حديد قديمة مستخبية ورا دولاب خشب.
أبويا دخل المفتاح، لكنه وقف قبل ما يلفه.
مريم، مهما لقيتي هنا، افتكري إن الورق ساعات بيحكي نص الحقيقة بس.
لف المفتاح.
الباب اتفتح بصعوبة، وظهر جواه ملف كبير، ودفتر حسابات، ومظروف بني مكتوب عليه بخط جدي
إلى حفيدتي مريم يُفتح عندما تطالب بحقها بنفسها.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح المظروف.
جوا الرسالة، جدي كان كاتب
يا مريم، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى إنتِ كبرتي وبقيتي قادرة تدافعي عن نفسك.
أنا أسست دار الأزياء دي بحلمي وتعب سنين عمري، لكن نجاحها ما كانش بجهدي لوحدي. كان فيه ناس وقفت جنبي، وناس اختلفت معاها، وناس دفعت تمن خلافات ما كانش المفروض تتحملها.
أنا ما سبتش ليكي اسم العيلة بس. سبت ليكي حق لازم تعرفي حقيقته، لكن ما تسمحيش للمال إنه يخليكي تخسري نفسك أو تحكمي على الناس من غير دليل.
وقفت عند آخر السطور.
جدي ما كتبش نسبة ملكية واضحة في الرسالة، لكنه أشار لدفتر الحسابات وقال إن تفاصيل الشراكة موجودة فيه.
المحامي فؤاد أخد الدفتر بحذر، وبدأ يقلب صفحاته.
وفجأة وقف عند صفحة معينة.
استنوا هنا فيه تسجيل لشراكة بين عبدالسلام المنشاوي ووالد أحمد المنشاوي.
أحمد قرب منه.
شراكة في إيه؟
فؤاد رد في تأسيس الدار، وملكية بعض التصميمات والعلامة التجارية. لكن فيه تحويلات واتفاقات لاحقة لازم نراجعها، علشان نعرف مين احتفظ بإيه، وهل الحقوق دي انتقلت بشكل قانوني ولا لأ.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني الموضوع ما كانش مجرد تصميم اتشابه مع رسمة قديمة؛ ممكن يكون فيه حقوق ملكية لسه محدش حسمها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الدفتر.
في صفحة منفصلة، لقينا توقيع والد أحمد، وتحته توقيع أبويا، وعلى الهامش جملة مكتوبة بالقلم الأحمر
الاتفاق ده مؤقت، ولا يُعتبر تنازلًا نهائيًا عن حقوق الورثة.
بصيت لأبويا بصدمة.
إنت وقّعت على الاتفاق ده؟
هز راسه ببطء.
أيوه. كنت شاهد على تسليم مستندات، مش صاحب حق في التنازل. لكن وقتها ما كنتش فاهم إن الاتفاق ممكن يفضل مؤثر لحد النهارده.
أحمد كان ساكت، ووشه اتغير تمامًا.
المحامي فؤاد قفل الدفتر وقال بحزم لازم نراجع أصل الاتفاق ونطابق التوقيعات ونشوف المستندات اللاحقة. ما ينفعش نستنتج الملكية من صفحة واحدة.
هزيت راسي، وكنت لسه بحاول أستوعب كل ده، لما لاحظت ورقة صغيرة واقعة تحت الدفتر.
رفعتها.
كانت رسالة قصيرة، مكتوبة بخط مختلف عن خط جدي
لو وصلتوا للخزانة، يبقى حد بدأ يدور في الملفات من جديد. خليكوا حذرين، لأن الشخص اللي غيّر المستندات مش غريب عن العيلتين.
رفعت عيني وبصيت لأحمد، ثم لأبويا.
مين الشخص اللي يعرف أسرار العيلتين بالشكل ده؟
وقبل ما حد فينا ينطق، تليفون المحامي فؤاد رن.
رد، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعدها وشه اتغير.
قال لنا فيه خبر لازم تعرفوه. الأرشيف القديم اتعرض لمحاولة اقتحام امبارح بالليل، والشرطة لقت إن الملفات اللي تخص شراكة عبدالسلام والمنشاوي اختفت.
بصيت للدفتر اللي في إيد المحامي، وفهمت إن اللي حصل مش مجرد خلاف قديم.
فيه حد عارف إننا قربنا من الحقيقة، ومستعد يعمل أي حاجة علشان يمنعنا نوصل لها.
لكن مين كان عارف إننا هنفتح الخزانة في اليوم ده بالذات؟
والأخطر هل الشخص ده كان موجود معانا من البداية؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *