الاخطبوط ١٧ امانى سيد

نرمين لوّت بوزها وقالتها بكل بساطة ومن غير ما يتهز فيها جفن:
ـ اتصرف انت بقى يا نرجع يا تاخده وتتصرف فيه زى ماتحب انت ابوه ومش هتغلب .. أنا جالي عريس وعايزة أتجوز وأشوف حياتي، ومش هفضل طول عمري قاعدة من غير جواز وموقفة دنيتي. العريس شاريني بس مش هيشيل عيال مش عياله. فمن الآخر كده.. ابنك معاك أهو في قصرك، شيل إنت بقى شيلتك او نرجع ونشيلها سوا
رحيم حافظ على ثباته الانفعالي، ولا اتهز ولا اتنرفز. فضل واقف مكانه بكل هيبته وبروده القاتل، وبص لنرمين من فوق لتحت نظرة استخفاف، وكأن تصرفها ده مكنش مفاجأة بالنسبة له، بل أكد له نظريته فيها إنها بتدور على مصلحتها وبس.
بص لآدم اللي كان واقف منكمش في نفسه، وبعدين رجع بنظره لنرمين وقال بلهجة هادية ومستفزة من كتر برودها:
ـ خلاص.. سيبيه يا نرمين، وانتي روحي عيشي حياتك.
نرمين برقت بعينيها وبصت له بذهول، كانت فاكراه هيزعق أو يساومها، أو على الأقل يرفض عشان يضايقها، بس بروده ده صدمها. رحيم كمل كلامه وهو بيشاور بإيده للشغالة تقرب:
ـ آدم ابني، ومكانه الطبيعي في قصر أبوه، وأنا هعرف أتصرف وأربيه إزاي. مبروك عليكي الجوازة الجديدة، وياريت تقفلي الباب وراكي وانتي خارجة عشان الدوشة.
نرمين اتغاظت جدًا إنها معرفتش تستفزه أو تطلع منه بأي رد فعل عنيف، لمت شنطتها بعصبية، وبصت لآدم بقلة حيلة ومن غير ما تسلم عليه حتى، لفت ضهرها ومشيت وهي بتخبط كعب جزمتها في الأرض بغل
أول ما الباب الخارجي اتقفل وراها، رحيم أخد نفس طويل، ونزل لمستوى طول آدم، ملامحه الحادة دي اتحولت تمامًا للدفا والحنان، وطبطب على كتف ابنه وقال له بصوت حنين:
ـ نور القصر يا بطل.. متخافش من أي حاجة، من هنا ورايح إنت مع باباك، ومحدش في الدنيا يقدر يزعلك.
آدم فضل واقف مكانه لثواني، كأنه مش مصدق إن الخوف والشد والجذب اللي كان عايش فيهم انتهوا خلاص. بص لوش أبوه وللحنان اللي مالي عينيه، وفجأة، رمى نفسه في حضن رحيم بكل قوته، وربط إيديه الصغيرة حوالين رقبته وكأنه بيستخبى فيه من الدنيا كلها.
رحيم ضمّه لقلبه جامد، وشاله من على الأرض وهو بيطبطب على ضهره بحنان يهز جبال.
آدم دفن وشه في كتف أبوه، وصوته طلع مخنوق من الدموع اللي كان حابسها طول القعدة وقال:
ـ أنا بحبك أوي يا بابا.. أنا أصلاً كان نفسي أعيش معاك هنا علطول، ومكنتش عايز أرجع هناك تاني.
رحيم غمض عينيه وأنفاسه حارة، وحس بوجع في قلبه على كل ليلة ابنه بعد فيها عنه وعاش في قلق. باس راسه وقال بصوت دافي كله وعود صادقة:
ـ وأنا بحبك يا قلب بابا. من النهاردة مفيش مرواح في حتة تاني، ومحدش هيقدر يبعدك عني. القصر ده كله بتاعك، وإنت الآمر الناهي فيه.
رحيم وداه على الكنبة وقعده جنبه وبدأ يمسح دموعه بحنان، ويضحك معاه عشان يخرجه من المود الصعب ده ويهون عليه قسوة الموقف اللي أمه حطته فيه.
ملامح رحيم رجعت حادة تاني وعينيه ضاقت بغضب مكتوم وهو سامع ابنه بيتكلم، بس حاول يحافظ على نبرة صوته الهادية والدفو اللي فيها عشان الولد يفضفض وميخافش. آدم مسح عينيه بظَهر إيده، وبص لأبوه وقال بنبرة طفولية مكسورة:
ـ بابا.. أنا مكنتش بخرج خالص هناك، ومكنتش بشوف الشارع والنوادي غير في الأيام اللي إنت كنت بتيجي تاخدني فيها وتقعدني معاك.
رحيم شد على إيد آدم الصغير وقال بتركيز:
ـ ومامتك يا آدم؟ مكنتش بتاخدك معاها وهي خارجة؟
آدم هز راسه بالنفي وقال:
ـ لاء.. ماما طول الوقت كانت بتسيبني عند تيتا، وتقول إنها وراها مشاوير وشغل كتير ومش فاضية للدوشة. وتيتا كمان كانت أوقات كتير بتخرج وتسيبني لوحدي في الشقة، ومكنش بيبقى قدامي غير الموبايل أقعد ألعب عليه بالساعات لحد ما هما يرجعوا. أنا كنت بخاف أوي يا بابا من الضلمة لما الليل يليل عليا وأنا لوحدي.
كلام آدم نزل على رحيم زي الصاعقة. الغضب جواه كان بيغلي؛ طليقته اللي كانت بتساومه على الفلوس والنفقة بحجة مصاريف الولد وعيشته، كانت رامية حتة منه بالإهمال ده كله! سيباه للوحدة وللموبايل وعايش في رعب.
رحيم اتنهد عشان يطرد الشحنة اللي جواه، وضّم آدم لصدره تاني وباس راسه بقوة وقال له:
ـ خلاص يا بطل.. كل ده خلص وانتهى. من النهاردة مفيش موبايل بالساعات، ومفيش قعدة لوحدك في الضلمة تاني. أنا هقدملك في أكبر نادٍ، وهجيبلك كل اللعب اللي بتحبها، وقصر باباك كله مفتوح لك تعيش فيه برنس.
رحيم شاور للشغالة اللي كانت واقفة بعيد ومتابعة الموقف، وقال لها بنبرة حاسمة:
ـ جهزي عشا خفيف لآدم.. هاتي كل الحاجات اللي بيحبها، وحضري السفرة بسرعة.
دقايق وكان الأكل جاهز، ورحيم أخد آدم من إيده ودخلوا غرفة السفرة الفخمة. قعدوا سوا، ورحيم بدأ يقرّب الأكل لآدم ويشجعه ياكل وهو مبتسم، والدنيا بدأت تروق والضحكة ترجع لوش الولد الصغير تاني. وهما بيتكلموا وبياكلوا، آدم سكت شوية، وبص لرحيم بعيون كلها رجاء وقال:
ـ بابا.. هو أنا ينفع أروح معاك الشغل بكرة؟
رحيم ابتسم وهز راسه:
ـ الشغل يا آدم؟ بس الشغل بيبقى زحمة وفي مكاتب ومقابلات، وإنت هتزهق هناك ومفيش لعب.
آدم بدأ يزن ويلح، ومسك في إيد أبوه:
ـ لأ مش هزهق والله! أنا هقعد ساكت خالص ومش هعمل دوشة، بس خدني معاك.. مش عايز أقعد هنا لوحدي بكرة، والنبي يا بابا خدني معاك!
الزن والإلحاح بتوع آدم مكنوش مجرد شقاوة أطفال، رحيم كان قاري اللي وراهم؛ الولد خايف يتساب لوحده تاني بعد السنين اللي عاشها في إهمال. رحيم طبطب على إيده وقال له بطمأنينة:
ـ خلاص يا بطل، متزنّش.. وافقت، بكرة هتروح معايا الشركة وتشوف مكتبي كمان.
آدم وشه نوّر وفرح جداً ورجع يكمل أكله بحماس، في الوقت ده رحيم شرد بذهنه لبعيد.. وعينيه ضاقت وهو بيفكر في بكرة. هو وافق عشان يطمن ابنه، بس هو رجل أعمال ومشغول، والشركة مش مكان مناسب لولاية طفل طول الوقت. فكر في نفسه: “لازم من بكرة الصبح أشوف (دادة) تكون أمينة، وعلى مستوى عالي من التعليم والتربية، تيجي القصر هنا وتتفرغ لآدم وتاخد بالها منه ومن أكله ومذاكرته في غيابي.. مش هسمح لثانية إهمال تانية في حياة ابني.”





