حساب مؤجل

يدفع في ثانية ألوفات في المستشفى الاستثماري عشان ينقذ الولد، نفس الفلوس اللي كان مستخسر فيها تلات آلاف جنيه لبس ليهم، دفع

أضعافها في ساعات وهو مرعوب ودموعه بتنزل من الخوف.
ولما رجع البيت وهو مهدود الحيل عشان يجيب هدوم للولد وأمه، لقى الكارثة الأكبر مستنياه في الشقة. حماتي، الست اللي كانت بتشعلل النار وبتتبلى عليا بالسرقة، كانت قاعدة لوحدها في الصالة مستنية حسام، وفجأة جالها هبوط حاد في الدورة الدموية وجلطة مفاجئة في المخ نتيجة ارتفاع شديد في ضغط الدم، وقعت على الأرض في الصالة ومقدرتش تنطق ولا تتحرك، ومريم الصغيرة واقفة مرعوبة بتعيط في الأوضة مش عارفة تعمل إيه لحد ما الجيران سمعوا صوت الخبط وكسروا الباب!
لما حسام وصل، لقى الإسعاف شايلاه أمه، مشلولة نصياً ومش قادرة تتكلم ولسانها معوج، نفس اللسان اللي كان بيسبني ويقول عليا حرامية وناقصة رباية، بقى مش قادر ينطق حرف واحد، وعينيها بس اللي بتبص في السقف برعب وذهول!
الدكتور في الإسعاف قاله والدتك جالها جلطة في مراكز الحركة والنطق، ومحتاجة عناية مركزة فوراً.. جهز فلوس كتير عشان الحالة حرجة. حسام وقف مذهول، الفلوس اللي كان باخل بيها على عياله ومجمعها عشان يذلني بيها، طارت في يوم واحد ما بين مستشفى ابنه ومستشفى أمه، وبقى يلف حوالين نفسه زي المجنون، لا لاقي حد يقف جنبه، ولا الجيران اللي شتمهم الصبح راضيين يبصوا في وشه بعد الفضيحة اللي عملها.
العصر كان أذن، ووصلت أنا ومصطفى والبوليس ومعانا قرار تمكين فوري وتسليم الصغار. لقينا الشقة مفتوحة، والعمارة مقلوبة على خبر جلطة حماتي، وحسام قاعد على السلم برة الشقة، نفس السلم اللي رماني عليه وسحلني، قاعد مهدود، هدومه متبهدلة، عيونه مكسورة وزايغة، والتليفون اللي كان بيتمنظر بيه مرمي جنبه مكسور الشاشة.
أول ما شافني داخلة ومعايا البوليس، رفع عينه ليا، مكنش فيه ولا أثر للوحش الكاسر اللي كان بيضرب ويسب بالأمس. كان راجل مهزوم، مكسور، خسران كل حاجة. مريم أول ما شافتني جريت من جوة الشقة وارتمت في حضني وهي بتصرخ ماما! متسيبنيش يا ماما! وحشتيني يا ماما! حضنتها ودفنت راسي في رقبتها وأنا ببكي بكل جوارحي، ومصطفى دخل جاب شنط هدومها وخرج.
الظابط شاور لحسام وقال ببرود إنت مطلوب للتحقيق بكرة الصبح في جناية تزوير وبلاغ كاذب وضرب عمدي مع سبق الإصرار، وده قرار تمكين المدام من الشقة وحضانتها لأولادها، اتفضل لم حاجتك الشخصية واخرج برة عشان ننفذ القرار.
حسام مقدرش حتى ينطق كلمة واحدة، كان باصصلي بنظرة كلها ذل، وقام يجر رجليه بالعافية. وقف قدامي على باب الشقة، وصوته كان بيترعش وهو بيقول بصوت واطي ومكسور هدى.. ابني في المستشفى، وأمي بتموت في الرعاية.. متعمليش فيا كده، سامحيني عشان خاطر العيال.
بصيتله في عينه بثبات وقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي، وقولتله بصوت واطي بس كان بيقطع زي السيف اللي بيظلم مبيفكرش في ربنا يا حسام، بس ربنا مبيغفلش. إنت استقويت عليا عشان ست غلبانة وضعيفة، وفضحتني قدام الناس وافتريت عليا في شرفي وأمانتي، ودلوقتي ربنا بيوريك جزء من عدله في الدنيا قبل الآخرة. أمك اللي كانت بتقولك اضربها واطردها، لسانها اتعوج ومبقاش ينطق، وفلوسك اللي كنت بتبخل بيها على لبس عيالك، طلعتها غصب عنك ومكفتش.. العيال في حضني، والشقة دي حقي وحقهم، والقانون بيني وبينك مش هسيب فيه ولا فتفوتة.. اخرج برة يا حسام، الباب اللي رزعتوا في وشي، اتقفل في وشك للأبد.
خرج حسام من العمارة وهو مطاطي راسه في الأرض، والناس كلها بتبصله بقرف بعد ما الحقيقة بانت، وعرفوا إنه راجل جاحد افترى على مراته وولاده.
دخلت شقتي وقفلت الباب ورايا بترباس الأمان، خدت مريم في حضني، وروحنا على طول المستشفى عشان نطمن على أحمد وناخده في حضننا بعد ما حالته استقرت.
قعدت جنب سرير ابني في المستشفى، وماسكة إيد بنتي، وحسيت براحة وسكينة مكنتش حسيت بيهم من سنين. المدارس كانت هتبدأ يوم السبت، وعيالي مش هيدخلوا مكسورين، هيدخلوا وهما عارفين إن أمهم حاربت الدنيا كلها عشانهم، وإن ربنا كبير أوي، بيمهل الظالم لحد ما يفتكر إنه ملك كل حاجة، وفجأة بيسحب منه كل حاجة ويوريه إن العدل هو اللي باقي.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *