حساب مؤجل

على وشي اللي معلم عليه صوابع حسام الزرقا. نزلت وشي في الأرض من الخزي، القهرة كانت خانقاني لدرجة الدموع نشفت في عيني، مكنتش قادرة أتنفس. حاولت ألم الهدوم اللي اتفرتكت على السلالم، المريلة الكحلي بتاعة مريم اللي كانت بتضحك وهي بتقيسها بقت مليانة تراب ومطبوع عليها علامة كوتشي حسام، والكوتشي الصغير بتاع أحمد مرمي فرردة على السلم وفرردة تحت عند مدخل شقة حماتي.
لميت الحاجة بإيد بترتعش، وكل لمسة للقماش كانت بتفكرني بفرحتي وأنا في المحل لما قولت للبياع قيس دي للبنت ودي للولد.. مكنتش سارقة عشان أتجمل، ولا كنت واخدة الفلوس أشتري بيها روج ولا فستان ليا، واخدة الفلوس عشان عيالي ميروحوش أول يوم مكسورين، علشان مريم متقعدش في الديسك وهي خايفة تبان هدومها القصيرة من زمايلها.
نزلت درجات السلم زي التايهة، كل رجل بتنزل درجة بتقل طن. حماتي قفلت بابها بالمفتاح من جوة وسمعت صوت المزلاج وهو بينزل، كأنهم بيتخلصوا من وباء، كأن البيت ده مكنتش شيلته على كتافي سبع سنين خدمة، أكنس وأمسح وأطبخ وأغسل رجلين أمه لما كانت بتتعب، وفي الآخر بقيت الحرامية الجعانة بنت البيت الجعان!
خرجت من مدخل العمارة للشارع، كان المغرب أذن والشارع زحمة، بياعين الخضار والمحلات منورة والناس بتفاصل وتشتري لعيالها. مشيت وأنا شادة كم الجلابية المقطوع بإيدي التانية بستر بيه لحمي، وحاطة الطرحة على نص وشي عشان أداري الكدمة اللي تحت عيني والورم اللي في خدي. الناس كانت بتبصلي باستغراب، واحدة ماشية متبهدلة وبتعرج في رجلها وشايلة كيس متبهدل، كأني خارجة من قلب حادثة.
أروح فين؟ أهلي؟ أمي ست كبيرة وغلبانة، عايشة على معاش أبويا الله يرحمه اللي يدوب بيكفي دوا السكر والضغط والعيش الحاف،
لمحة نيوز

وأخويا مصطفى شغال باليومية على عربية خضار وعنده تلات عيال وساكن في أوضتين وصالة ومكفي بالعافية. لو روحت وقولتلهم حسام طردني وضربني وهيقولوا عليا سرقت، مصطفى دمه حامي وممكن يروح يرتكب جناية ويضيع، وأمي مش هتستحمل، ضغطها هيعلى وممكن تروح فيها من الصدمة.
بس مكنش قدامي غيرهم، مفيش سقف في الدنيا ممكن يسترني الليلة دي غير الحيطة اللي طلعت منها. وقفت في ركن مظلم في أول الشارع، ممعيش حتى تليفوني اتصل بمصطفى، حسام شده من إيدي ورماه جوة الشقة مع حاجتي. كل اللي كان معايا في جيبي الصغير تلاتين جنيه باقية من فلوس اللبس في السوق.
ركبت توكتوك بصعوبة، السواق بصلي في المراية بقلق وقال خير يا أختي؟ فيكي حاجة؟ قولتله بصوت مخنوق ومتقطع سوق يا أسطى، وديني المساكن.. بسرعة الله يسترك.
طول الطريق وشريط حياتي بيمر قدام عيني، من أول يوم دخلت فيه شقة حسام، وراضيته بكل قرفه وبخله. كنت أقول بكرة يتغير، بكرة لما يخلف قلبه يحن، بكرة لما ربنا يوسعها عليه هيفك إيده. وربنا وسعها، بدل الشغلانة بقى عنده اتنين، ودخل جمعيات، وبقى يحط في المحفظة الإلكترونية بالخمسة والعشرة آلاف، بس كل ما الفلوس تزيد في جيبه، قلبه يقسى أكتر، وإيده تكلبش أكتر، وكل قرش يخرج للبيت كأنه بيطلع من روحه، إلا أمه، أمه اللي تطلب يجيلها في ثواني، وأنا وعياله شحاتين، ناكل البايت ونلبس المقطع عشان نوفر للبيه اللي بيحوش للزمن!
وصلت المساكن، نزلت ودخلت العمارة القديمة بتاعتنا، ريحة البيت والأمان فكرتني بطفولتي، بس فكرتني برضه بكسرتي دلوقتي. طلعت الدور الرابع ووقفت قدام الباب ولساني متلجم، إيدي كانت بتترعش وهي بتخبط خبطتين خفاف.
فتحت أمي الباب، أول ما شافتني شهقت وحطت إيدها على صدرها يالهوي! هدى؟! مالك يا بنتي فيكي إيه؟ مين عمل فيكي كده؟! دخلت وارتميت في حضنها، العياط اللي كان محبوس في زوري انفجر مرة واحدة، صوتي كان طالع بشهقات مرعبة هزت كياني كله، مش قادرة أنطق غير حسام يا أمي.. حسام بهدلني وطردني قدام الجيران، رماني في الشارع وساب عيالي جوة!
خرج مصطفى أخويا من الأوضة على صوت الصريخ، لابس الفانلة والبنطلون وباصصلي بعيون مبرقة، وشاف كمي المقطوع والدم اللي على ركبتي والورم اللي مغير ملامح وشي. عروق رقبته نفرت في ثانية ووشه احمر دم، قرب مني ومسك كتفي السليم مين اللي عمل فيكي كده يا هدى؟ انطقي! الواد ده لمس شعرة منك؟ حسام مد إيده عليكي؟
قعدتني أمي على الكنبة وجابتلي كوباية مية بإيد بترتعش، وحكيت كل حاجة، من أول ما طلبت منه لبس المدارس ورفض ببرود، لحد ما نزلت لحماتي وردها القاسي، لحد ما الشيطان وزني ودخلت حولت تلات آلاف جنيه من محفظته من غير ما يعرف ومسحت الرسايل، ونزلت اشتريت اللبس ورجعت لقيته كاشفني ومستنيني مع أمه.
أمي لطمت على وشها يا مصيبتي السودا! تمدي إيدك على تليفونه وتاخدي من وراه يا هدى؟ ليه يا بنتي تعملي في نفسك وفينا كده؟ الراجل ده خبيث وميأمنش، يقوم يعمل فيكي كده ويفضحك؟! مصطفى زعق في أمه بصوت جهوري متلوميهاش يا أمي! هي شحاتة؟ دي مراته وأم عياله، وعياله داخلين المدرسة عريانين وهو معاه ومبيصرفش! هو اللي مش راجل، هو اللي يستاهل يتداس عليه بالجزم! بقا يمد إيده على أختي ويقطع هدومها ويطردها في الشارع ويفضحها قدام العمارة؟! والله العظيم ما هسيبه، الليلة دي دمه مهدور!
مسكت في رجل مصطفى وأنا ببكي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *