حساب مؤجل

عشان يثبتها علينا! مصطفى زق إيدي براحة وقال بجمود مش رايحله هو.. هو فكر نفسه ذكي وعامل فيها قانونجي وواثق من نفسه عشان رمى المحضر، إحنا رايحين القسم الأول، هنعمل تقرير طبي بإصاباتك ووشك اللي اتورم ودراعك ده، ونعمل محضر ضرب وسب وقذف وطرد من مسكن الزوجية وسرقة عفش، ونشوف بقى مين اللي القانون هيجيبه من قفاه.. وبعد ما نخلص من القسم، قسماً بعزة جلال الله لهكون كاسر باب شقته وجايب العيال بحكم القوة لو القانون نام!
نزلنا السلم وأنا رجلي بتسحب في الأرض سحب، القهرة اللي في قلبي كانت بتتحول لحاجة تانية.. نار عمري ما حسيت بيها قبل كده. كنت طول عمري الست الطيبة الغلبانة اللي بتوطي راسها عشان المركب تمشي، اللي بتستحمل البخل والإهانة وتصبر وتقول كله عشان خاطر الولاد. بس لما توصل إن ولادي يتحرموا مني، ويتعلموا إن أمهم حرامية، ويقعدوا تحت رحمة حماتي اللي بتكره التراب اللي بمشي عليه.. هنا الصبر بقى موت.
روحنا المستشفى العام، الريحة بتاعة الديتول والدم، وزحمة الحوادث في الاستقبال. الدكتور اللي كشف عليا بص لوشي بأسى وهو بيكتب في التقرير كدمات شديدة في الوجه والفك، سحجات وكدمات حول الرقبة نتيجة محاولة خنق، جرح قطعي في الركبة الشمال يحتاج غرزتين، وكدمات متفرقة في الكتف والدراع مع اشتباه في جزع بمفصل الكتف الأيمن. كل كلمة كان بيكتبها الدكتور كنت بحس إنها مسمار بيتدق في نعش أي رحمة كانت متبقية في قلبي لحسام.
طلعنا بالتقرير وروحنا على قسم الشرطة، كانت الساعة عدت اتناشر بالليل. دخلنا النبطشية، أمين الشرطة بص على التقرير وعلى وشي المتشوه وعلى مصطفى اللي عيونه بتقدح شرار خير يا جماعة؟ في إيه؟ مصطفى اتكلم
بثبات وقوة محضر اعتداء وضرب مبرح وطرد من مسكن الزوجية واحتجاز أطفال قُصّر ضد المدعو حسام عبد العزيز. أمين الشرطة قعد على المكتب وبدأ يسجل البيانات، وفجأة وهو بيكتب في الدفتر، رفع عينه وقال حسام عبد العزيز؟ حسام اللي شغال في التوريدات؟ مصطفى قاله أيوة، هو. أمين الشرطة مط شفايفه وبصلي بنظرة مريبة، وقام من ورا المكتب ودخل أوضة الظابط جوة، وغاب خمس دقايق وخرج وهو بيقول الظابط عاوزكم انتوا الاتنين جوة بسرعة.
دخلنا الأوضة، كان الظابط قاعد ورا مكتبه وبيبص في ورق قدامه، ولما دخلنا رفع عينه، ولقيت في الركن التاني من الأوضة قاعد واحد غريب، لابس بدلة شيك وماسك في إيده ملف أسود كبير، وشكله محامي. الظابط بص لمصطفى وبصلي، وقال بصوت حاسم إنتي هدى محمود؟ قولتله بصوت مرتعش أيوة يا باشا. الظابط رمى ملف قدامه على المكتب وقال جوزك مش بس عامل محضر سرقة خيانة أمانة بخصوص الفلوس بتاعة محفظته.. جوزك ومحاميه ده لسه مقدمين بلاغ من نص ساعة بيتهموكي فيه بسرقة مشغولات ذهبية خاصة بوالدته قيمتها مية وخمسين ألف جنيه، وبلاغ تاني بالهروب من منزل الزوجية وتعريض حياة الأطفال للخطر، وجايبين تنازلات موقعة بإمضتك على مؤخر الصداق وقايمة المنقولات من سنة فاتت!
الدنيا لفت بيا، والأوضة بقت تضيق عليا كأن الحيطان بتطبق على صدري.. حسام مكنش ناوي يطلق ويفضحني وبس، حسام كان مجهز فخ كامل، ملعوب مدروس من شهور طويلة عشان يرميني في الشارع بجلابيتي من غير مليم، وياخد العيال والشقة، ويحبسني كمان. بصيت لمصطفى اللي كان باصص للظابط بذهول وصدمة شلت لسانه، وبصيت للمحامي اللي كان بيبتسملي نفس الابتسامة الخبيثة بتاعة حماتي وحسام.
الظابط شاور لأمين الشرطة اللي واقف ورايا وقال بنبرة مفيهاش أي تفاهم اقفل الباب يا عسكري.. وخد المدام دي على الحجز لحد ما العرض يجهز للنيابة بكرة الصبح! يتبع
الكلمة نزلت على دماغي زي مية سخنة بتغلي خد المدام دي على الحجز!
مصطفى اتنطر من مكانه زي الملدوع، وصوته رعد في أوضة الظابط وهو بيسد طريق العسكري اللي قرب مني حجز مين يا باشا؟! دي المجني عليها! دي جاية بتقرير طبي ودمها لسه بينزف على هدومها، وشها وارم ودراعها مخلوع! الست دي متسجوعة ومطرودة في الشارع بنص هدومها، ودهب إيه وقايمة إيه اللي يتنازل عنها؟ دي بتتباع وتتلفقلها قضية عيني عينك عشان يساوموها على عيالها!
الظابط خبط على المكتب بإيده خبطة هزت الأوضة وقال بجمود صوتك ميعلاش هنا يا أستاذ! في بلاغ رسمي متسجل، وفي فواتير بالدهب المفقود، وإقرار تنازل رسمي هي ماضية وباصمة عليه، وفوق ده كله واقعة تحويل الفلوس مسجلة إلكترونياً باعترافكم إنتم. التقرير الطبي بتاعها هيتضم للمحضر، والنيابة العامة هي اللي تفصل في الكلام ده بكرة الصبح.. اتفضل برة قبل ما أعملك مذكرة تعدي على موظف عام وأبيتك جنبها!
المحامي اللي قاعد في الركن قام وقف وهو بيعدل جاكتته بابتسامة سم، وبص لمصطفى بنظرة كلها استعلاء الأستاذ يهدى شوية، القانون مبيتعاملش بالعواطف.. البلاغ متقدم ومعاه أدلته، ولو حابين نخلص الموضوع ودي والمدام تتنازل عن حضانة الولاد مقابل التنازل عن البلاغات الجنائية، الأستاذ حسام قلبه كبير وممكن يوافق، فكروا كويس قبل ما المحضر يروح الصبح وتبقى قضية سرقة مقترنة بجناية.
الكلام كان واضح وصريح، بيع وشرا، مقايضة رخيصة على ضنايا. عيالي هما التمن، عاوزين يكسروني وياخدوا مريم وأحمد ويسيبوني أتحسر عليهم بقية عمري وأنا مفيش في إيدي مليم ولا حتى كرامة.
العسكري مسك دراعي السليم وشاورلي أتحرك، مصطفى عيونه كانت بتطق شرار، بس لقيته فجأة بيقرب مني ويهمس بصوت واطي ومبحوح وهو بيضغط على كتفي متخافيش يا هدى.. وحياة أمي وتربة أبويا ما هسيبك، اصمدي لحد الصبح بس، والله العظيم حقك هيرجع وأنا مش هنام الليلة دي.
نزلوني السلم المؤدي لحجز الحريم، الريحة كانت رطوبة وعفن وزحمة أنفاس مكتومة. الباب الحديد التقيل اتفتح بصرخة صدى، واترزع ورايا. قعدت على الأرض في ركن ضيق، ضامة ركبي لصدري، ركبتي اللي بتنزف وجعها مبقاش فارق، وجع جسمي كله اختفى قدام النار اللي كانت قايدة في حشايا. كنت سامعة صوت مريم وهي بتقول افتح لماما يا بابا، وسامعة ضحكة حماتي الشمتانة.
في العتمة دي، وسط حريم محبوسين في قضايا مختلفة، رفعت وشي للسقف اللي مليان شروخ، ودموعي نزلت من غير صوت، بس قلبي كان بيصرخ لربنا يارب.. إنت شايف وعارف ومطلع، أنا ممدتش إيدي في الحرام عشان أفسد ولا أتجبر، أنا طلعت من عندهم مكسورة ومتبهدلة ومظلومة، يارب متسيبش ولادي للظالمين، يارب وريني فيهم عدلك، يارب انتقم من اللي فضحني وكسر قلبي واستقوى عليا بفلوسه وكدبه.
برة في الشارع، الدنيا كانت مقلوبة ومصطفى مكانش بيهزر. أول ما خرج من القسم، اتصل بأستاذ عبد المنعم، محامي قديم في منطقتنا، راجل شيبته في القانون وكان صاحب أبويا الله يرحمه. قعد معاه في مكتبه الصغير لحد الفجر، وشرح له كل تفصيلة، من أول الجمعية والفلوس اللي في المحفظة، لحد ورقة التنازل اللي الظابط اتكلم عنها.
أستاذ عبد المنعم عدل نضارته وقال بهدوء حسام ده حمار وبيسوق في الهبل ومفكر نفسه ذكي عشان معاه قرشين. ورقة التنازل عن القايمة والمؤخر دي هتطعن



