زوجها القاسي وحماتها

ألف من فلوس ورث والده الله يرحمه. وأنا دفعت ستمية ألف كاش من مدخراتي ومن بيع شقة ورثتها عن أمي في البلد. العقد الابتدائي اتكتب باسمه هو لوحده ساعتها؛ لأن البنك اللي كان عامل التمويل العقاري للأقساط المتبقية كان بيشترط إن العميل يكون عنده سجل ائتماني ثابت في قطاع المبيعات اللي طارق شغال فيه، وأنا كنت لسه مغيره شركتي جديد. ساعتها طارق مسك وشي بإيديه الاتنين وقال يا مريم، لحمي ودمي ومالي بتوعك، الورق ده مجرد إجراءات شكلية للبنك، إحنا واحد، معقولة هخون مراتي وشريكة حياتي؟. طبعاً مكنتش غبية للدرجة دي عشان أسيب فلوسي في الهوا، بس مكنتش متوقعة برضه الغدر يوصل لدرجة الرزع على الأرض والشتيمة. في اليوم ده، طارق كتبلي إيصال أمانة بمبلغ الستمية ألف بتوعي، وكتبلي عقد اتفاق ومشاركة مدنية موثق بصحة توقيع، بيقر فيه إني مالكة لخمسين في المية من الشقة نظير دفعي لنص القسط الشهري اللي بيتم تحويله شهرياً من حسابي البنكي لحسابه الشخصي، ومن حسابه لحساب البنك المقرض.
المفاجأة التانية اللي طارق مكنش عامل حسابها.. الشغل. طارق شغال مدير مبيعات في شركة توريدات طبية كبرى. وطارق من غير ما يحس كان معتمد عليا في كل حاجة تخص إداريات شغله؛ تقارير الكوميشن الشهرية بتاعته، مراجعة حسابات مناديبه، وحتى إقرارات ضريبته العقارية وتأميناته. وفوق كل ده، كان واخد قرض حسن من الشركة بتاعته بضمان استمراريته، وحاطط اسمي أنا كضامن أول ومستلم في حالة أي عجز مالي، لأن مكتبي ومركزي الائتماني في بنكي
كان ممتاز.
اتصلت بالمحامي بتاعي، أستاذ إبراهيم، راجل جهبذ في قضايا الأحوال الشخصية والنزاعات المالية، وقعدنا في مكتبه تالت يوم خروجي من البيت. شاف الكدمات الزرقا اللي على جنبي، وشاف التقرير الطبي المختوم، وقرأ عقد الاتفاق والمشاركة وإيصالات الأمانة وشاف تحويلات البنك المنتظمة.
ابتسم إبراهيم وهز راسه بهدوء وقال يا بنتي.. الراجل ده رامي نفسه في حضن السجن برجليه ومش دريان. أنا مش عايزة أرميه في السجن وخلاص يا أستاذ إبراهيم رديت بهدوء تام أنا عايزة حقي كامل مكمل، وعايزة كرامتي اللي اتهانت تترد في نفس المكان وقدام نفس الوشوش اللي شمتت فيا. خطتك إيه؟ طارق بعد أسبوعين عنده عزومة العيلة السنوية الكبيرة.. العزومة دي مقدسة عند الست نادية، بيعزموا فيها كل عيلة طارق وعيلة خيلانه وعمامه عشان يتفشخروا بإن طارق اشترى شقة في مصر الجديدة وعايش في العز، وأنا كل سنة كنت بتمرمط أسبوع قبلها عشان أجهز الأكل والحلويات لستين نفر.. نادية مصممة تتباهى بابنها ونجاحه وشقته الفخمة. وانتي ناوية تعملي إيه في العزومة دي؟ ناوية أكون المفاجأة بتاعة البوفيه.
التلات أسابيع اللي عشتهم في الاستوديو كانوا مرحلة بناء كاملة من الصفر. أول حاجة عملتها أوقفت التحويل التلقائي للقسط الشهري من حسابي لحسابه. البنك حاول يسحب القسط من حساب طارق في ميعاده يوم واحد في الشهر، وطبعاً الراتب بتاعه مكنش مكفي القسط بالكامل لأنه كان معتمد على نصيبي، فالحساب نزل بالسالب وجاتله أول غرامة تأخير وإنذار بنكي. تاني حاجة بعتت إنذار رسمي على يد محضر لشركة التوريدات الطبية اللي طارق شغال فيها، بسحب ضمانتي له في القرض المالي وإلغاء صفتي كضامن، وده خلى قسم الشؤون القانونية في شركته يجمد صرف الكوميشن بتاعه لحد ما يجيب ضامن جديد أو يسدد أصل القرض. تالت حاجة أستاذ إبراهيم رفع دعوى قضائية عاجلة ل تمكين مشترك من مسكن الزوجية مرفق بيها عقد المشاركة وإثبات الملكية الصريح، مع طلب حجز تحفظي على الشقة لصالحي لمنعه من التصرف فيها أو بيعها، وقضية جنحة ضرب عمد مرفق بيها التقرير الطبي الميري والتسجيلات الصوتية والصور.
في الأسبوع التالت، عرفت من بنت خالة طارق اللي كانت متغاظة من زمان من تصرفات نادية إن نادية وطارق قالبين الدنيا تجهيز لعزومة الجمعة الكبيرة، وإن نادية عزمت كل قرايبهم من طنطا والإسكندرية وجايبين طباخين ومجهزين صواني الرقاق والمحاشي عشان يحتفلوا ب تطهير البيت من مريم، وإن طارق كان بيبرر غيابي للناس بإن مريم عيانة وراحت تقضي فترة نقاهة عند أهلها لأنها مقدرتش تستحمل ضغوط الحياة الزوجية.
يوم الجمعة الموعود.. الساعة كانت أربعة العصر. كنت لابسة بدلة كلاسيك كحلي غامقة، شيك جداً ومرتبة، فردت شعري، وحطيت روج أحمر هادي، بس مكنتش حاطة ولا دبلة في إيدي؛ الدبلة كانت في جيبي الصغير. وفي إيدي اليمين، كنت ماسكة شنطة جلد أنيقة، جواها الدوسيه البلاستيك الشفاف.. دوسيه الموت بالنسبة لعائلة طارق.
نزلت من التاكسي قدام العمارة في مصر الجديدة. ركنت جنب البوابة عشان أشوف العربيات اللي راكنة.. عربيات خيلانه، عربية عمه اللي جاي من السويس، عربيات بنات عمته.. الكل متجمع، والأصوات العالية والضحكات كانت واصلة لحد مدخل العمارة تحت. طلعت الأسانسير لغاية الدور الرابع. وقفت قدام باب الشقة. كان مفتوح على وسعه، متوارب بس على قد السلك، وصوت الضحك وريحة الأكل والسمنة البلدي مالية المكان. سمعت صوت نادية العالي وهي بتقول في الصالة وسط لمة الستات والله يا أم أشرف ربنا نجد ابني منها.. ما كانت نافعة في حاجة، لسان طويل وشغل على الفاضي ومفيهاش ريحة الأصل.. بكرة أجوز طارق ست ستها، دكتورة كدة ولا مدرسة، تشيل تراب رجليه وتعرف تخدم حماتها مش تقولي بشتغل وعاملة مسؤولة!
أخدت نَفَس عميق، نَفَس بارد، وزقيت الباب برجلي ودخلت بكل هدوء. صوت الكعب العالي بتاعي على البلاط عمل صدى غريب في مدخل الشقة. الضحك بدأ يهدى شوية بشوية. الستات اللي كانوا قاعدين في الريسبشن التاني بصولي بدهشة. رجالة العيلة اللي كانوا متجمعين في الصالون جوة سكتوا فجأة. طارق كان واقف لابس قميص جديد وماسك كاس عصير، أول ما شافني على الباب، الكاس فلت من إيده ونزل اتهشم على الأرضية الباركيه، والعصير الأحمر ساح على السجاد كأنه بركة دم.
نادية قامت وقفت وشهقت وهي بتحط إيدها على صدرها انتي.. انتي إيه اللي جابك هنا يا وش المصايب؟!
ابتسمت، مشيت خطوات بطيئة وثابتة لحد ما وقفت في نص الصالة الكبيرة، وسط أكتر من خمسة وتلاتين نفر من كبارات العيلتين، وفتحت سوستة شنطتي. طلعت دبلتي الدهب، ودبدبت بيها على طفاية السجاير الكريستال اللي على الترابيزة برنة معدنية رنت في ودن كل الموجودين. وبعدها، طلعت الدوسيه الأزرق الكبير، رميته على الترابيزة قدام عم طارق الكبير اللي كان قاعد بيتصدر الجلسة.
مساء الخير يا جماعة قلت بصوت واضح، مسموع، ومليان هدوء مرعب خلى الصالة تسكت كأن طير على روسهم معلش جيت متأخرة على العزومة.. بس كان لازم أجيب معايا واجب الضيافة اللي يليق بمقام الست نادية وابنها البار.
طارق وشه كان لونه أبيض زي ورق الكراس، وعيونه كانت رايحة جاية بين الدوسيه، وبين وشي، وبين قرايبه اللي بدأوا يهمسوا لبعض بفضول قاتل.
مريم.. اطلعي برة طارق همس بصوت مبحوح ومرعوب وهو بيقرب خطوة اطلعي برة نتفاهم تحت، متعمليش شوشرة قدام الناس!
بصيت لطارق وضحكت ضحكة قصيرة نتفاهم؟ مكنش في
وقت للتفاهم يا طارق الساعة خمسة الفجر لما رزعتني في الأرض وكسرت ضلوعي عشان أعمل فطار لأمك المصونة؟ مكنش في وقت للتفاهم لما هددتني إنك هترمي كراكيبي في الشارع وتغير الكوالين؟
الصالة اتقلبت همهمات وزعيق مكتوم. عم طارق الكبير رفع راسه، راجل عجوز بشنب أبيض وله هيبة في عيلتهم، وبص لطارق بحدة إيه الكلام الفارغ ده يا طارق؟! مين اللي اتمدت إيده على مراته ومين اللي اترزعت في الأرض؟
نادية صرخت بسرعة عشان تلحق الموقف وتداري كدابة! بتتبلى عليه يا حاج فوزي عشان تنتقم منه! دي سابت البيت وهربت من غير إذنه وسرقت دهبها وفلوسها وراحت قعدت في شقق مشبوهة، والنهاردة جاية تفضحنا قدام قرايبنا! ارميها برة يا طارق، ارمي الفاجرة دي برة!
فتحت الدوسيه بهدوء تام، ومديت إيدي بالورقة الأولى لعم طارق ده التقرير الطبي الميري من المستشفى الحكومي يا حاج فوزي، مختوم بختم النسر، بيثبت الكدمات والتمزق العضلي وشرخ الحوض الناتج عن التعدي بالضرب، ومعاه فلاشة عليها فيديو مسجل للحظة الضرب وصوت الست نادية وهي بتشجعه وتقوله عرّفها مقامها. والورقة دي إخطار من النيابة بجلسة التحقيق في محضر الضرب والسب والقذف اللي رقمه مقيد فوق.
الراجل مسك الورقة، وعينه وسعت بصدمة حقيقية وهو بيقرا الأختام والإصابات، ورفع عينه لطارق بنظرة احتقار مكنش متخيلها.
بس المفاجأة الكبيرة مكانتش دي. المفاجأة اللي خرست نادية وخلت لسانها يتدلى في حلقها كانت الورقة التانية والتالتة اللي سحبتهم من الدوسيه ورميتهم قدام الكل.
ودي بقى.. أوراق ملكية الشقة اللي انتو متجمعين فيها وبتاكلوا وتشربوا وبتحتفلوا بطردي منها قلت وأنا ببص لنادية اللي كانت بتنهج برعب الشقة دي، يا حماتي يا أصيلة، تلتين فلوسها مدفوعة من حر مالي. وده عقد المشاركة والاتفاق اللي ابنك ماضيه، وده إيصال الأمانة اللي على رقبته بستمية ألف جنيه كاش.. والورقة دي تحديداً، إشعار رسمي من المحكمة بالتمكين المشترك والحجز التحفظي على باب الشقة ده.. يعني العزومة اللي انتو قاعدين فيها دي، بتتعمل على ملكي، وبإذني، والبوليس على وصول دلوقتي عشان ينفذ قرار الشمع الأحمر لو ابنك مطلعش برة بشنطة هدومه زي ما خرجتني بالضبط!
طارق اتشنج مكانه، وشه احمر وبدأ يعرق بغزارة وهو شايف أوراق البنك والقضايا بتتكشف قدام خيلانه وأعمامه اللي طارق





