زوجها القاسي وحماتها

الساعة خمسة الفجر قلت إني مش هعمل فطار لحماتي، فقام جوزي شدني ورزعني في الأرض وهي واقفة تبتسم بشماتة أخيرًا هتتعلمي الأدب. وقعت على الأرض، وبدل ما أعيط وأستعطفهم، مسكت تليفوني وصوّرت الكدمات ووثّقت الساعة، وخرجت بشنطة هدوم واحدة. بعد تلات أسابيع رجعت على عزومة عيلة كبيرة، ومعايا دبلتي، وتقرير طبي مختوم، ودوسيه أوراق خرّس الكل من الصدمة.
الجزء الأول
قومي. الساعة خمسة الصبح وأمي مستنية فطارها.
فتحت عيني وأنا مش مستوعبة من قلة النوم. كان طارق واقف جنب السرير ولابس هدومه، ووراه في الطرقة أمه، نادية، واقفة تراقبني بروب نبيتي ونظرة كلها تعالٍ.
أنا لسه نايمة اتنين ونص بالليل همست بتعب مش قادرة أقوم أقف على البوتاجاز دلوقتي.
لفيت ضهري عشان أكمل نومي.
طارق شد الغطا بعنف، ولما كررت رفضي، مسكني من دراعي بقوة وجرّني من فوق السرير. جنبي خبط في الكومودينو قبل ما أترزع على البلاط. وجع شديد قطع نَفَسي.
نادية ابتسمت وقالت ببرود
كان لازم من زمان تعرّفها مقامها وحجمها الطبيعي.
بصيت لطارق ومستنياه يفوق لنفسه ويندم، لكنه شاور بإيده ناحية المطبخ وقال بقسوة
اخلصي، قومي اعملي بيضتين لأمي وبطلي شغل التمسكن ده.
في اللحظة دي بالظبط، تليفوني اتهز برنة رسالة.
قريت الكلام، والخوف اللي كان ماليني اتبدل لحاجة تانية خالص؛ أصل قبل أسبوعين، ومن غير ما طارق يحس بحاجة، كنت بدأت أرتب خطة خروج.
الموضوع كله بدأ من حداشر أسبوع، لما نادية أعلنت إن ماسورة مياه ضربت في شقتها في طنطا، وإن تصليح الحمام وتجديد البيت هياخد تلات أسابيع بالكتير.
كنا عايشين في شقة تمليك وعليها أقساط في مصر الجديدة، بندفع قسطها الشهري بالنص أنا وهو. أنا شغالة في الموارد البشرية والمرتبات في شركة شحن وتوزيع، وطارق مدير مبيعات. وافقت إنها تقعد معانا، وحوّلت أوضة مكتبي الصغيرة لأوضة ضيوف ونقلت حاجتي وشغلي لأوضة النوم.
أول أسبوع كان عادي،

وبعدها بدأت الطلبات
مريم، اعمليلي كوباية شاي بحليب.
مريم، حطي عباياتي تتغسل مع هدومك.
مريم، عايزة الفطار بكرة الساعة سبعة بالدقيقة.
وشوية شوية، الطلبات بقت أوامر.
في يوم دخلت عليا الأوضة وأنا في اجتماع أونلاين مهم
البن خلص يا هانم.
شاورتلها بإيدي تستنى ثانية عشان المايك مفتوح.
بالليل، طارق دخل يعاتبني بنرفزة
أمي بتقول إنك بتعامليها بتعالي وبتتكبري عليها!
كنت في ميتنج شغل بكلم مديري.
ما إنتِ قاعدة بتشتغلي من البيت، بلاش دراما بقى.
كلمة بلاش دراما بقت رده الثابت على أي شكوى مني. لما نادية اتريقت على شغلي وقالت هو قعادك قدام الإكسيل ده بقى شغل بجد؟، طارق ضحك. ولما علقت إن الراجل المتجوز عيب يكوي قمصانه بنفسه ومراته موجودة، طارق برضه سكت ومردش.
التلات أسابيع بقوا خمسة.
وفي ليلة، واحنا قاعدين بنتعشى، قلت بهدوء وحسم
من بكرة كل واحد كبير يحضر فطاره بنفسه. لو هطبخ للبيت كله أهلاً وسهلاً، لكن مش هصحى مخصوص قبل ميعادي أخدم طلبات فردية.
نادية سابت الشوكة وقالت بلؤم
في عيلتنا الست الأصيلة بتشيل أهل جوزها فوق راسها من غير ما تحس إنها شغالة.. بس نقول إيه، يمكن بنات الأقاليم متربوش على الأصول.
طارق بصلي بشرارة غضب
لسانك يتقص قبل ما تغلطي في أمي!
في الليلة دي سألت نفسي لأول مرة لو حبيت أسيب البيت ده بكرة، هروح فين؟
تاني يوم بعتت ل سارة، زميلتي في الشغل، خالتها كانت بتأجر ستوديو صغير مفروش في العباسية.
ردت عليا للأسف متأجر دلوقتي.
قلت لها أنا بس بسأل وبشوف خياراتي.
بعدها بأسبوعين، نادية قررت فجأة إنها مسافرة طنطا الصبح بدري وقالت بأمر
فطارك يكون جاهز خمسة الصبح.
مش هينفع، عندي تسليم رواتب ومش هقفل اللاب توب قبل اتنين بالليل.
طارق رفع عينه من الموبايل وقال باستهزاء
هتعملي حوار وجنان عشان حتة فطار؟
الساعة 217 قفلت اللاب توب ونمت من التعب.
الساعة 500 شدني من السرير ورزعني في الأرض.
والساعة 504 وصلت رسالة سارة
خالتي استلمت شقتها امبارح.. الاستوديو فاضي وجاهز من النهاردة.
طارق لسه واقف بيزعق عشان أقوم للمطبخ، ونادية لسه بتبتسم في الطرقة.
ومكنش في دماغ أي حد فيهم إن الفطار ده مكنش غير القشة اللي هتقسم ضهرهم، وبداية كابوس مش هيصحوا منه.
الرسالة اللي نورت شاشة التليفون كانت طوق نجاة مرمي لي وسط بحر من الغرق والإهانة. خالتي استلمت شقتها امبارح.. الاستوديو فاضي وجاهز من النهاردة.
قرأت الجملة مرتين، وفي اللحظة دي بالذات حسيت بحاجة كانت بتغلي جوايا انطفت تمامًا وحل مكانها تلج بارد ومخيف. الزعيق اللي كان مالي الأوضة اتحول لوشوشة بعيدة ملهاش أي معنى. طارق لسه واقف فوق راسي، عروق رقبته نافرة، ووشه محتقن بالغضب الذكوري الأعمى، وعينيه بتبصلي كأني حشرة لازم يدوس عليها عشان تثبت ولائها، وأمه وراه عند باب الأوضة، ريحة عطرها الرخيص مختلطة بريحة الصبح البارد، وابتسامتها الصفرا مفرودة على وشها بانتصار مقزز وهي شايفة ابنها بيكسرني عشان خاطر عيونها.
قومي يا بت انتي هتفضلي متنحة في شاشة الزفت ده؟! طارق صرخ وهو بيشاور برجله كأنه هيديني شلوت في ضهري والله ما هسيبك النهاردة إلا لما تنزلي على ركبك وتبوسي إيد أمي وتعمليلها اللي هي عايزاه!
غمضت عيني لثانية واحدة، بلعت طعم الدم الخفيف اللي طلع في بقي نتيجة خبطة سناني في بعض لما اتطوحت على الأرض، وفتحت الكاميرا. من غير ما أرد عليه بكلمة، ومن غير ما صوتي يتهز بدمعة واحدة يستلذوا بيها، رفعت الموبايل ودوست على زرار التسجيل والكاميرا، لقطت صورتين لتاريخ وساعة الشاشة، وبعدها لقطت صورة لجنبي اللي بدأ يورم ويزرقّ بسرعة عند عظمة الحوض مكان خبطة زاوية الكومودينو، وصورة تانية واضحة لطارق وهو واقف فوقي بيزعق ولأمه اللي كانت لسه متمسكة بنفس الابتسامة المسمومة لحد ما شافت الكاميرا في وشها.
انتي بتعملي إيه يا مجنونة؟! طارق اتخض ومد إيده عشان يخطف التليفون من إيدي، لكن كنت أسرع منه. سندت على الأرض بإيدي التانية وقومت وقفت على حيلي رغم الألم الفظيع اللي كان شادد على وسط ضهري.
متقربش مني قلت الجملة دي بنبرة واطية وهادية لدرجة خلت طارق يتسمر مكانه خطوة لورا. مكنتش صوت مريم اللي بتعيط وتبرر وتستسمح، كانت نبرة حد قفل الحساب وبدأ يجرد الدفاتر.
نادية حست إن في حاجة غلط، قربت خطوة ومطت شفايفها باحتقار عشان تغطي على توترها وقالت شايفة قلة أدبها وعينها القوية يا طارق؟ بدل ما تعتذر على طول لسانها بتصورك زي البلطجية! دي متربتش يا بني، دي عايزة تتكسر من أول وجديد عشان تعرف إنها عايشة في خيرك وتحت سقفك.
بصيت لنادية من فوق لتحت بابتسامة خفيفة، ابتسامة خلت وشها يصفرّ فجأة. تحت سقفه؟ رديت وأنا بمسح بضهر إيدي نقطة دم صغيرة نزلت من شفتي اللي اتجرحت تمام.. خليكي فاكرة الكلمة دي يا حماتي. الشقة دي بالذات، بكل حيطة فيها، متنسيش مين اللي دافع نص تمنها ومليمها لحد اللحظة دي.
مريم! طارق زعق بصوت جهوري وهو بيقفل قبضة إيده لو لسانك الزفر ده نطق كلمة تانية عن الشقة أو قللتي من أمي، قسماً برب العزة

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *