جوزي ومصاريف البيت

الأطباق، وقلبي بيخفق بسرعة جنونيّة لا، ما قالتش حاجة، كانت بتسأل عنك بس. قال وهو يجلس كويس.. الدفتر معاها شويّة، عايزة تراجع معايا الأرقام، هاخده منها بعد يومين.
كلامه كان طبيعيًّا جدًّا، لدرجة إنّي كدت أشكّ في نفسي هل أنا اللي فهمت غلط؟ هل اللي قرأته مش معناه كده؟ لكن لا.. الكلام كان واضحًا كالشمس خليها فاكرة إنّ الفلوس كلّها بتروح على البيت.. لحد ما ننقل الملكية. وتحت التاريخ بوضوح 17 الجاري.. يعني بعد سبعة أيّام بالضبط!
صمتّ ولم أكلّمه في شيء، وأنا قرّرت في داخلي ألاّ أتكلّم معاه من غير دليل قاطع، وألاّ أظهر له أيّ شكّ لحد ما أعرف كلّ الحقيقة. لأنّي لو واجهته الآن، قد يُنكر، وقد يختلق الأعذار، وقد يسرّع في خطّته ويُفاجئني قبل ما أكون مستعدّة. فالصمت في تلك اللحظة كان أقوى سلاح أملكه.
من الغد بدأت رحلتي في البحث. كنت أعرف إنّ العقد ملكيّة البيت في درج مكتبه القديم، فانتظرت لما كان في الشغل، فتحت الدرج بحرص شديد، ووجدت العقد في مكانه. قرأته بتركيز تامّ.. ووجدت إنّه فعلاً مكتوب باسمي وباسم جوزي، نصفين لكلّ واحد منّا، وتوقيعي موجود، وتوقيعه، وموثّق في الشهر العقاري. هذا يعني إنّه ما ينفعش ينقل الملكية من غير علمي ولا توقيعي.. فإذًا كيف يخطّط لذلك؟ وهنا بدأت أفكّر في الخيط اللي ممكن يوصلني لبقيّة الحقيقة.
عدّت الأيّام وأنا أتظاهر بكلّ شيء طبيعي، أكتب المصاريف في الدفتر الجديد اللي جابه لي من عند أمّه، وأقول له تمام، هأكتب كلّ حاجة زي ما تريد، وأضحك معاه وأتكلّم كالمعتاد، وفي داخلي ڼار بتأكلني كلّ ليلة. كنت أراقب كلامه وحركاته، فوجدت إنّه في الفترة الأخيرة كان يتكلّم كثيرًا عن إجراءات ورقيّة لازم نعملها

للبيت عشان نضمن حقّ الأولاد، وكلّ مرّة يقول لي ممّن توقيعك هنا بس، ورق عادي، نعمله للمستقبل. وهنا عرفت بالضبط كيف ستتمّ المؤامرة!
كان بيجهّز أوراقًا سأطلب منّي التوقيع عليها بحجّة ضمان حقّ الأولاد أو إجراءات رسميّة، وستكون في الحقيقة أوراق تنازل عن ملكيّتي ونقلها له أو لمن يريد! وبهذا يكون قد حصل على توقيعي وأنا لا أدري، وينفّذ خطّته في الموعد المحدّد!
كلّما فكّرت في الأمر، تزداد رغبتي في البكاء.. رجل عشت معه سنين، شاركته الرغيف والفرح والحزن، كنت أعتبره سندي وملجأي.. يبيّت لي هذه النيّةّ؟ يسرق نصيبي وتعب عمري وأنا اللي ما بخلّ عليه بشيء؟ وكلّ هذا بمساعدة أمّه اللي كنت أخدمها وأعاملها كأمّي؟
في اليوم الخامس، وجدته يضع أوراقًا على الطاولة ويدعوني قائلًا بلهجته الهادئة يا بسمة، تعالي وقّعي هنا، ده إقرار بسيط عشان نسهّل إجراءات البيت في المستقبل، ما يحتاجش تقلقي، مجرّد ورق رسمي.
قلبي توقّف عن الخفقان لحظة.. ها هي اللحظة! جاءني بما كنت أتوقّعه! نظرت للورق بسرعة، ورأيت في خفايا الكلمات عبارات غريبة لم أفهمها بوضوح، لكنّ سياقها كان يشير إلى تنازل عن الحقّ الشخصي وتفويض كامل بالإدارة والتصرف. كلّها عبارات لو وقّعت عليها سأكون قد سلّمت له رقبتي بيدي!
نظرت في عينيه بكلّ برود وقلت ممكن أقراها كويس الأوّل؟
تغيّرت ملامحه قليلًا وقال بلهجة استعطاف يا حبيبتي، ده كلام ورقيّ صعب، وأنا شرحتلك المعنى، مجرّد توقيع عشان نعمل إجراءات سريعة، ما تضيّعي وقت في القراءة، تعبكِ عليه!
إصراره زاد من شكوكي، فقلت وأنا أمسك الأوراق بيدي لا يا سيدي، الأوراق لازم تقرأ قبل التوقيع، أليس كذلك؟ خصوصًا لو تتعلّق بملكيّة بيت.
لمّا سمع
كلمتي الأخيرة، تجمّد مكانه، وبدا على وجهه ارتباك لم يستطع إخفاءه. سحب الأوراق من يدي بسرعة وقال بحدّة إنتِ بتشكّي فيّ؟ ده كلام غريب! أنا جوزكِ وأمينكِ، وتقوليلي كلام زي ده؟
أمينى؟.. كاد الكلام يخرج من فمي صارخًا، لكنّي تمالكت نفسي وقلت بهدوء يخفي وراءه بركانًا ما قلتش كده أبدًا، بس أنا حريصة على حقّي وحقّ أولادي، فمن حقي أقرا وأفهم قبل ما أوقّع. ولاّ فيه حاجة مستخفّية؟
تأمّلني طويلًا كأنّه لأوّل مرّة يراني، ثمّ صمت ومشى من أمامي وقال بصوت منخفض الأوراق دي مش مستعجلة، نعملها وقت تاني. وتلك الليلة لم ينمْ بجانبي كالمعتاد، بل بقى جالسًا في الصالة حتى الصباح، وأنا كنت أعرف بكل يقين إنّ الشكوك بدأت تتسلّل إلى نفسه، وإنّ الخطة تسير باتّجاهٍ لم يكن في حسبانه.
الفصل الثالث المواجهة وكشف الأوراق
بقي يومان فقط على الموعد المحدّد في الدفتر. كنت أعرف إنّه سيسعى لتحقيق هدفه بأيّ طريقة، وإنّ الصراع قد وصل لمرحلته الأخيرة. في تلك الأثناء، لم أجلس ساكنة.. ذهبت في الصباح التالي إلى الشهر العقاري، وسألت الموظّف المختصّ عن الإجراءات اللازمة لنقل ملكيّة بيت مسجّل باسمي وباسم زوجي. قال لي بوضوح يلزم حضوركِ شخصيًّا وتوقيعكِ أمام الموظّف المختصّ، ولا يقبل التفويض إلّا بوجودكِ أو بتوكيل رسمي موثّق منكِ.
هنا اتّضحت الصورة كاملة! هو يحاول الحصول على توقيعي على توكيل أو تنازل وأنا لا أعرف، فإذا حصل عليه ذهب به إلى الشهر العقاري وأنجز المعاملة من غير أن أحضر، وأخرجني من بيتي إلى غير رجعة!
عدت للبيت وفي داخلي قرارٌ حاسم لن أنتظر حتى ينفّذ خطّته، سأواجهه وأكشف له كلّ ما أعرفه، ولنرى ماذا سيقول!
في المساء، لمّا عاد من عمله، وجدني جالسة بانتظاره في الصالة، والدفتر الذي وجدته عند أمّه.. نعم! لقد استطعتُ الحصول عليه مرّة أخرى بحكمة وهدوء.. موضوعًا أمامى على الطاولة.
لمّا رآه، تغير لون وجهه فورًا وسأل بصوت متوتّر منين جبتيه؟ كان عند أمي!
قلت وأنا أثبّت نظري فيه بكلّ قوّة أخذته منها النهارده لما رحت زيارتها.. قرأت ما فيه كويس يا سيدي. قرأت الملاحظات اللي بتكتبها عنّي وعن مصاريفي، وقرأت قائمة الحاجات اللي لازم نمنعها من بسمة.. وقرأت كلامك وكلام أمّك بخصوص نقل ملكيّة البيت.. والتاريخ المحدّد بعد غدٍ!
سكتّ قليلًا لكي تصل كلماتي إلى أعماقه، ثمّ أكملت بصوتٍ لم أتوقّع يومًا أن يخرج من فمي قلت لي الدفتر لتنظيم المصاريف.. ووجدته سجّلًا لمحاسبتي أنا على كلّ قرش، بينما تصرف أنت المئات والآلاف على أهلك ولا تكتب شيئًا. طلبت منّي أن أتخلّى عن ملذّاتي ومالي وطموحاتي بحجّة ترشيد الصرف.. والسبب الحقيقيّ كان لكي لا أملك من أمرٍ شيئًا حين يحين وقت التنفيذ! أهكذا كان زواجنا؟ مؤامرة مدبّرة من الأوّل لكي تسلبني حقي وتتركني في الشارع أنا وأولادك؟
لم يكلّمني في البداية، بل سحب نفسًا عميقًا وحاول المراوغة بسمة، إنتِ فهمتي كلّ حاجة غلط! الكلام ده مجرّد أفكار كنّا نتناقش فيها أنا وأمي، ما فيه شيء اتّفق عليه، والبيت ليكِ زي ما هو ليا، ما تقلقيش!
أفكار؟! صرختُ في وجهه وأنا أخرج صفحة محدّدة وأضعها أمامه أفكار تُكتب وتُخطّط لها وتُحدّد لها تواريخ؟ انظر إلى هنا.. لو فضلت تعرف كلّ حاجة، مش هنعرف ننفذ الخطة.. أيعقل هذا مجرّد أفكار؟ وأين وعدك يوم كتبنا العقد؟ أين قولك نصّك محفوظ يا بسمة؟ كنتَ تخدعني؟ كنتَ تنتظر اللحظة المناسبة لتسرق تعب عمري؟!
هنا انكسر حاجز الصمت
بيننا، وتخلّى عن قناعه فورًا، فبدا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *