جوزي ومصاريف البيت

لي وجهًا لم أره من قبل.. وجهًا خاليًا من كلّ مودّة ورحمة. قال بلهجة قاسېة كأنّه يكلّم غريمًا وأنتِ ظنّاكِ إني هأعطيكِ نصّ البيت بكل بساطة؟ ده فلوس أهلي اللي دفعتها في الأصل! ما دفعتيش غير قرش بسيط مقارنة بكلّ اللي صرفته! ومن حقّي أسترجع ما لي!
قرش بسيط؟! بكيت من شدّة الصدمة وقلت أنا دفعت نص التمن بكلّ ما أملك! وكلّ شهر أساهم في المصاريف! وخدمتك وخدمة أمّك وربّيت أولادك وحرمت نفسي من كلّ جميل عشان نعيش بكرامة! وتقول لي قرش بسيط؟ أهكذا تُقدّر التعب والسنين يا رجل؟
قال بكلّ وقاحة أنتِ زوجتي، وكلّ ما تملكينه لي! والبيت لازم يبقى باسمي أنا عشان يبقى للأولاد من بعدي، النساء ما يعرفن يتصرفن في الأمور دي! أمّي شافت إنّكِ مبذّرة ومش هتحافظي على المال، فاتّفقنا ننقله لي وتبقين أنتِ مطمئنّة، ما ليش حقّ تقلقي!
أيكون هذا هو السبب الحقيقي؟ سألته وأنا أتأمّله باحتقار تسلبني حقي وأسمي ذلك حفظًا لمال الأولاد؟ أم الحقيقة إنّك تريد أنت وأمّك التحكّم في كلّ شيء، وتتركوني أنا في موضع لا حول لي ولا قوّة؟ تمنعون عنّي الخروج والمال والعمل والمستقبل، فإذا ما أردتم التخلّص منّي في يوم من الأيام.. وجدتموني بلا بيت ولا مال ولا حقّ؟!
لم يُجب.. صمت، وفي صمته كانت الإجابة الأقسى والأوضح. حينها أدركتُ إنّه لا فائدة في الكلام، ولا رجاء في قلبٍ اختار أن يُقام على الظلم والغدر. أمسكت الدفتر بيدي وقلت له بكلّ عزم وثبات اسمعني جيّدًا.. هذا الدفتر هو وثيقتك بنفسك، شاهد على كذبك ومكرك. البيت مسجّل باسمي وباسمك قانونًا، ولن أتنازل عن حقيّ قط. ولن توقّعني على ورقة تضرّني بعد اليوم. وإذا حاولتَ تنفيذ ما خطّطتَ له.. سأذهب بك
إلى القضاء، وأُري الجميع حقيقتك ومكر أمّك. عندي من الأدلة ما يكفي، ولن أتنازل.. أبدًا!
نظرت إليه نظرة أخيرة، ثمّ انصرفتُ إلى غرفتي وأغلقت الباب، تاركةً إياه وحيدًا مع خطّته التي بدأت ټنهار، ومع ضميرٍ لم أعد أدري أهو نائم أم مېت.
الفصل الرابع الموعد المحدّد والانقلاب
مرّت الليلة بطيئة كأنّها دهر، لم أنمْ فيها ولم ينمْ هو. ظلّ كلّ منّا في جهة، حائرًا متفكّرًا. أنا أفكّر في مستقبلي ومستقبل أولادي، وكيف لي أن أحميهم من هذا النهج وهذا الفكر. وهو.. لا أدري فيمَ يفكّر، هل يندم؟ أم يفكّر في حيلة أخرى؟
جاء اليوم الموعود.. اليوم الذي حدّدوه لتنفيذ خطّتهم. استيقظتُ باكرًا، وجهتُ أولادي إلى مدرستهم، ثمّ جلستُ في انتظار ما سيحدث. كنت على أتمّ الاستعداد، حاملة معي نسخة من العقد، وصورًا للدفتر والمستندات التي تثبت مساهمتي في ثمن البيت، وكلّ ما يثبت ادّعائي.
لم تمضِ ساعات الصباح حتى جاءت حماتي، دخلت بكلّ وقار وكبرياء كالمعتاد، وكأنّ شيئًا لم يحدث. سلّمت عليّ ثمّ قالت مباشرة أين ولدي؟ اتفقنا نذهب معًا إلى الشهر العقاري اليوم لإنهاء بعض الإجراءات الخاصّة بالبيت.
قلت لها وأنا واقفة بثبات أمامها البيت باسمي وباسم ابنكِ يا ستّي، وأيّ إجراء يخصّه يلزم علمي وموافقتي. فما هو نوع الإجراء الذي جئتِ من أجله اليوم بالذات؟
لم تتوقّع منّي هذا الردّ، فبدت متفاجئة ثمّ قالت بحدّة بسمة، ما لنا وللكلام الطويل؟ البيت لازم يبقى باسم ولدي وحده، وأنتِ ما ينقصكِ شيء، ستبقين فيه زي ما أنتِ، بس وقّعي الأوراق ونخلص!
ولماذا أسلّم حقي وأتنازل عن نصيبي من غير سبب؟ سألتها بكلّ هدوء ألستِ أنتِ
من كتبتِ في الدفتر خليها فاكرة إنّ الفلوس كلّها بتروح على البيت.. لحد ما ننقل الملكية؟ ألم يكن هذا خطّتكِ منذ البداية؟ أتظنّين أنّي سأسلّمكِ ما لي وأنا أعلم كلّ شيء؟
لمّا سمعت كلماتي، تغيّر لون وجهها وبدا عليها الڠضب الشديد، فقالت بصرامة ومن قال لكِ إنّ هذا حقّكِ؟ هذا بيت أهلنا، ومال أبنائنا، وأنتِ مجرّد زوجة! من حقّنا نرجعه لمن كان! ولن تقدرى على الوقوف في وجهنا!
وفي تلك اللحظة دخل جوزي، فوجدنا في مواجهة صاړخة، فقال بصوت عالٍ ما هذا؟ لماذا كلّ هذا الصوت؟
التفتّ إليه وقلت سؤالكِ أنتَ.. ألم يكن اليوم هو الموعد الذي حدّدته لتنفيذ خطّتكما؟ ألم تجهّز الأوراق لتوقيعي عليها وأنا لا أدري؟ ها أنا ذا أعرف كلّ شيء! فماذا تنوي أن تفعل الآن؟ أخبرني.. هل كان حبّك لي حقيقيًّا يومًا؟ أم كان كلّ شيء مُسرحيّة لأجل هذا البيت؟
صمت الرجل طويلًا، تردّدت على وجهه تعابير عدّة الذنب، العناد، ثمّ اليأس. تنهّد بعمق وقال بصوت خاڤت لم أسمعه من قبل تزوّجتكِ وأنا أظنّكِ فتاة طيّبة ستكون عونًا لي.. لكنّ أمّي لم تقتنع بكِ أبدًا، كانت تقول لي إنّكِ سلبتِني منها، وإنّكِ سوف تأخذين كلّ ما أملك.. ظلّت تضغط عليّ سنين طويلة، تقول لي احفظ حقّ أخيك، احفظ مال أهلك، حتى صدّقتُ كلامها وبدأتُ أنظر إليكِ بعين الشكّ.. الدفتر كان فكرتها، وكلّ خطّة كتبتها هي وأنا أطيعها.. لم أكن أملك الشجاعة لأخالفها.
كلماته كانت صادقة ومؤلمة في آنٍ واحد.. لقد كان ضعيفًا، ضعيفًا أمام سيطرة أمّه، فسلّمها زمام أموره وسمح لها بټدمير حياتنا الزوجيّة وأمانة بيته. قلت له بمرارة فإذًا لم يكن بيننا شيء؟ كلّ تلك السنين.. كلّ حبّ وودّ وذكريات.. كانت مجرّد وهم؟
قال بصوت متهدّج أنا آسف.. لقد أخطأتُ في حقّكِ، واعترف بذلك.. لكنّي لا أستطيع مخالفة أمّي.. البيت لازم يعود لي.
هنا صرختُ في وجهه بكلّ ما أملك من قوّة إذًا فلتختَر بيني وبينها! إمّا أن تحميني وتحمي أولادك وتحفظ حقّنا.. وإمّا أن تمضي معها في طريقها وتتركني! ولكن اعلم جيّدًا.. إن اخترتَ ظلمي، فلن أسكتَ ولن أتنازل، وسأقف أمامكما حتى آخذ حقي ولو طال الزمان!
نظرت إليه تنتظر الجواب.. فنظر إلى أمّه التي كانت تحدقه بنظرات الأمر والنهي، ثمّ نظر إليّ أنا التي كنتُ أنتظر منه العدالة والإنصاف.. وتردّد، وتردّد، ثمّ خفض رأسه وقال بصوتٍ كالهمس البيت لي.. وأنا أمركِ بالتوقيع.
كانت تلك الكلمات كالسكّين في القلب.. علمتُ حينها إنّه قد اختار، وإنّ لا رجاء في هذا الرجل. فقلت له بكلّ شموخ وكرامة حسنًا.. لقد اخترتَ طريقك. وأنا اخترتُ طريقي. لن أوقّع على شيءٍ يُسلبني حقي. ولن أتنازل عنّي وعن حقّ أولادي. ومن اليوم.. لا تنتظر منّي طاعة ولا ودّ. فالزواج بلا عدالة ومحبّة.. ليس بزواج.
التفتّ إلى حماتي وقلت وأنتِ.. تذكّري جيّدًا.. الظلم سريعًا ما يكشفه الله، وما بني على باطلٍ سوف ينهار. هذا البيت لي نصفه قانونًا وحقًّا، ولن آخذ إلّا حقي، ولن أتنازل عنه لكم أبدًا.
خرجتُ من الغرفة تاركةً إياهما معًا.. هي توبّخه وتأمره، وهو صامت خاضع.. وفي تلك اللحظة علمتُ إنّ المعركة لن تكون سهلة، وإنّ الطريق أمامي طويل وشاقّ، لكنّي كنتُ على يقينٍ من شيءٍ واحد ما دام الحقّ معي، فالله معي، ولن يضيع حقّ وراءه مطالب.
الفصل الخامس الطريق إلى العدالة
مرّت الأيّام وتحوّلت حياتنا إلى صراعٍ صامتٍ مرير. لم يعد بيننا كلام ولا حديث، نعيش تحت
سقفٍ واحدٍ وكأنّنا غرباء. كان يحاول بشتّى الطرق إقناعي بالتنازل



