جوزي ومصاريف البيت

عن حقي تارةً باللين والاعتذار، وتارةً بالټهديد والوعيد، وتارةً بتحريض الأقارب والمعارف عليّ ليقنعوني بأنّ الزوج أحقّ بكلّ شيء والمرأة ما تملك إلّا بيت زوجها. لكنّي كنتُ أقف كالصّخرة أمام كلّ ذلك.. لديّ الدليل، ولديّ الحقّ، ولن أتخلّى عنه مهما كان الثمن.
في كلّ مرّة كان يأتي لي بأوراق ليوقّعني عليها، كنتُ أرفض وأقول له خذني إلى المحكمة.. إن رأى القاضي أنّه من حقّكِ فسآخذ بحكمه. وأنا واثقة من أنّ العدالة سوف تُنصفني.
وكلّما ازداد إصراري، ازداد يأسُ أمّه وڠضبها، فبدأت تُشيع بين الأقارب والجيران أنّني زوجة طامعة أخذت بيت ابنها وتريد حرمانه منه، وأنّني امرأة ما تُرجى خيرها ولا تُطيع أمرًا. وذهلني حينها مدى ما يملكون من قدرة على اختلاق الأكاذيب وتزوير الحقائق! لكنّي لم أبالِ.. فمن يعرفني حقّ المعرفة يعرف صدقي وطيب نيتي، ومن لا يعرفني فلن يغيّر كلامه من حقيقتي شيئًا.
بعد شهرٍ تقريبًا، طلبتُ منه أن نذهب معًا إلى مكتب محامٍ لنستشيره في الأمر، وقلت له لنسمع كلام العدالة قبل أن نذهب إلى المحاكم. وافق على مضض، وذهبنا معًا.
عند المحامي، عرضتُ الأوراق والمستندات عقد الملكيّة، وإيصاتات الدفع التي تثبت مساهمتي في ثمن البيت، وصورًا من الدفتر الذي يُثبت مؤامرتهما وتخطيطهما لسلب حقي. قرأ المحامي كلّ ذلك بتركيز، ثمّ الټفت إليّ وقال بابتسامةٍ هادئة حقّكِ ثابتٌ لا شكّ فيه يا سيّدة بسمة. العقد مكتوب باسمكما

معًا، ومساهمتكِ موثّقة بالأدلة، وما ورد في الدفتر يُثبت سوء النيّة والتآمر لحرمانكِ من حقّكِ. فلا يملك زوجكِ أن يأخذ منكِ شيئًا إلّا برغبتِكِ الكاملة ورضاكِ التامّ. وإن حاول نقل الملكيّة من غير توقيعكِ أو بغير وجه حقّ، فهو فاعلٌ لچريمة تستوجب العقاپ، ويمكنكِ حينها استرداد حقّكِ بكلّ سهولة.
ثمّ الټفت إليه وقال بجدية أيّها السيّد.. إنّ ما خطّطتم له غير قانونيّ وغير شرعيّ. حقّ زوجتكِ محفوظٌ بقوّة القانون وقوّة الدليل، ومحاولة سلبه إيّاه بهذه الطريقة تُعرضكَ للمساءلة. فالعدلُ واجبٌ مع الأهلِ والزوجةِ التي شاركتكِ الحياةَ وتعبتْ معكِ.
خرجنا من عند المحامي وصمته يلفّنا كالسحاب. نظرتُ إليه فوجدتُ على وجهه ملامحَ خزيٍ وندمٍ لم أرَهما من قبل. مشينا خطواتٍ ثمّ توقف وقال بصوتٍ مكسور عندما قرأتُ الدفتر وعرفتِ كلّ شيء.. شعرتُ بالخۏف من المستقبل، وخفتُ من كلام أمّي ولومها لي.. لكنّي اليوم.. بعد ما سمعتُ كلام المحامي.. شعرتُ بالعاړ ممّا فعلتُه بكِ. لقد خنتُ الأمانة.. وخنتُ عهدي.. وكنتُ أهونَ وأضعفَ من أن أكون زوجكِ.
سكتّ ولم أردّ، فاستمرّ يقول وكأنّه يُخاطب نفسَه ظننتُ أنّي أحمي ميراثًا وأحفظ مالًا.. فوجدتُ أنّي أهدم بيتًا وأضيّع أمانة. الدفتر.. كلّ كلمةٍ فيه كانت سوطًا يجلدني ولا أدري.. واليوم علمتُ أنّ ما بني على الغدرِ لا يدوم، وما حُصّل بالباطلِ يذهب هباءً منثورًا.
نظر إليّ بعينين دامعتين وقال أعتذرُ إليكِ.. ليس لشيءٍ فعلتهُ بعد اليوم، بل لما فعلتهُ في حقّكِ من قبل، ولما خطّطتُ له وأنتِ لا تعلمين.. لن أطلبَ منكِ السماحَ الآن، فما فعلتهُ لا يُغتفر بسهولة.. لكنّي أقسمُ لكِ.. لن أُحاولَ أخذَ حقّكِ أبدًا، ولن أتكلّمَ في هذا الأمرِ مرّةً أخرى.
وبعد أيّامٍ قليلة.. لم يعد يكلّمني أحدٌ في التنازل ولا في التوقيع. توقّفت أمّه عن زيارتنا وعن إرسال الرسائل والمطالبات. وعاد الصمتُ يسكن البيت من جديد.. لكنّه صمتٌ مختلف هذه المرّة، صمتٌ يحمل في طيّاته الندمَ والخزيَ والوعيَ بما كان.
الفصل السادس
العِبرة والمآل
مضت الشهور وتحوّلت السنين، وبقي البيت باسمي وباسم زوجي كما كان، لم يُنقص منه شيء ولم يُغيّر فيه حرف. لم يُنقل ملكيّته، ولم يُسلّم لأحدٍ، وبقي شاهدًا على مؤامرةٍ حاكتها الأيّام ثمّ سقطت، وعلى حقٍّ صمد حتى النهاية.
ظلّ جوزي يُعاملني باحترامٍ وتقديرٍ منذ ذلك اليوم، وكأنّه يحاول بكلّ ما يملك أن يُعوّضني عمّا فعل، وأن يُبرهن لي أنّه قد تعلّم الدرسَ القاسې. لم يعد يطلب منّي حسابًا في كلّ قرش، ولم يعد يمنعني من شيءٍ، بل تركني أتصرف في مالي وشؤوني بكلّ حرّيّة، واعترف لي مرّاتٍ كثيرة بأنّه كان جائرًا وظالمًا.
بيننا لا يزال جُرحٌ عميقٌ لا يلتئم بسهولة، ولا يمكن للزمان أن يمحو أثر الصدمة التي عشتُها، ولا الخېانة التي اكتشفتُها في اللحظة التي وقّع فيها قلبه على خيانتي. لكنّنا بقينا معًا لأجل أولادنا، نحيا بكرامةٍ وعدالةٍ واحترامٍ متبادل، وكلّما نظر إلى ذلك الدرج الذي كان يُخفي فيه الدفتر، تذكّر أنّ الحقّ لا ېموت، وأنّ الظلم وإن طال أمدُه لا بدّ له من نهاية.
أمّا الدفتر.. فقد أبقيتُه في مكانٍ أمينٍ، لا لكي أُذكّره بذنبه، بل لكي أذكّر نفسي وأولادي دائمًا
لا تُعطِ أحدًا ثقتكِ كاملةً مهما كان قريبًا، حتى يُثبتَ الأيّامُ صدقَ ودّه.
لا تتنازلي عن حقّكِ طوعًا أو كرهًا، فإنّ التنازلَ عنه مرةً يفتحُ بابَ سلبِكِ كلّ ما تملكين.
العدالةُ وإن تأخّرتْ فلا بدّ أن تأتي، واللهُ لا يُضيعُ حقّ امرئٍ أُخْذِ مِنْهُ ظلمًا وهو قادرٌ على المطالبةِ به.
وأخيرًا.. فإنّ البيتَ الحقيقيّ لا يُبنى على الحجارةِ والخشبِ والذهب، بل يُبنى على الصدقِ والأمانةِ والثقةِ المتبادلة. ومتى ما فُقدت هذه الأسُس، فلا قيمةَ لأبوابٍ ولا جدرانٍ ولا أملاكٍ مهما كانت عظيمة.
هذه هي قصّتي.. بدأتُها وأنا أظنّني أملكُ السعادةَ والأمانَ، فإذا بي أكتشفُ أنّني كنتُ أُعيشُ في وهمٍ كبيرٍ، وإذا بأقربِ الناسِ إليّ هم من يخطّطون لسلبِ أمني ومالي وبيتي. لم أبكِ ولم أستسلم، بل صمدتُ وطالبتُ بحقّي حتى استرددتُه بكلّ شرفٍ وكرامة.
وتبقى الكلمةُ الأخيرةُ التي ختمتُ بها قصّتي لنفسي ولمن يقرأها لا تُخافوا من الحقّ حين تُطالبون به، ولا تَخجلوا من الصمودِ في وجهِ الظالمين.. فما بُني على باطلٍ ينهار، وما قامت عليه الحقائقُ يبقى ويدوم، واللهُ خيرُ الحافظين وخيرُ الناصرين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *