انا مش خدامه في بيت حماتي

لمحة نيوز

​مكنش ده بس اللي سمعته، ده اللي جاي كان أدهى وأمر. سمعتها بتكمل وبتقول:
لا يا قلبي، سيبك منها، أنا مأمّنة كل حاجة. شقة عمارتنا الجديدة اللي في أول الشارع، المحل اللي تحت اتسجل باسم بنتي خلاص، وفلوس الجمعية اللي هي كانت فاكرة نفسها بتدفع فيها من مصروفها بقالها سنتين، أنا حطيت الورق كله باسمك انت وأختك. خليها هي تلف حوالين نفسها، هي فاكرة إنها لما تقعد عشر سنين هنا بقت صاحبة ملك؟ دي يا دوب حتة بت غريبة دخلت البيت تخدمنا، ويوم ما تفكر تفتح بقها ولا ترفع عينها، بشنطة هدومها وعلى بيت أبوها، وعيالها هيربيهم غيرها!
​رجعت لورا خطوة بخطوة، قلبي كان بيدق بسرعة جنونية لدرجة حسيت إنه هيخرج من بين ضلوعي. دخلت شقتي وقفلت الباب بالترباس براحة تامة، وقفت مسندة ضهري على الخشب البارد، ودموعي كانت بتنزل زي الشلال بس من غير صوت، دموع قهر وحرقة دم على عشر سنين ضاعوا من عمري هدر. عشر سنين وأنا بقول حاضر ونعم، عشر سنين وأنا بنزل على ركبي أمسح السلالم وأمسح شقة حماتي وشقة بنتها، وأطلع على شقتي هلكانة أنضف وأغسل لعيالي، وأقول ده بيت العيلة والبركة في الرضا.
​دخلت الحمام، فتحت الحنفية وغسلت وشي بمية تلج، وبصيت لنفسي في المراية. شوفت واحدة ملامحها شاحبة، خطوط التعب محفورة تحت عينيها، إيديها خشنة من كتر الغسيل والكلور ومية الساقعة، وشعري اللي كان زمان بيضربوا بيه المثل بقى مربوط كعكة طول النهار ومحدش شايفه غير الهم. قولت لنفسي: على إيه؟ كنتي بتعملي ده كله لمين؟ لناس باصين لك على إنك جارية جايبينها ببلاش؟ لناس سارقين شقا جوزك وعيالك وعايشين يتنعموا بيه وسلفتك قاعدة في التكييف فوق وانتي طالعة نازلة على سلالمهم؟
​مسحت وشي وخرجت على الصالة، لقيت توأمي الصغيرين عمر ومروان بيجروا ورا بعض وبيضحكوا، والكبار ملك وزياد قاعدين بيذاكروا على الطبلية. زياد رفع عينه فيا وقالي:
ماما، هو بابا مش هيبعت الفلوس عشان نجيب الكشاكيل والألوان اللي المستر طلبها؟ انتي قولتي أول ما الشهر يبدأ هنجيبهم.
​الكلمة نزلت على قلبي زي

الرصاصة. قعدت على طرف الكنبة وقولتله:
هنجيبهم يا حبيبي، هنجيب أحسن حاجة في الدنيا، وبابا باعت كل حاجة، متقلقش أبداً.
​قعدت أفكر بعقل وهدوء، مبقاش ينفع العياط ولا الطيبة اللي كانت مودياني في داهية. أول حاجة كان لازم أتأكد منها هي حكاية الفلوس والحوالات دي، وجوزي موقفه إيه من اللي بيحصل ده كله؟ هل هو عارف وبيلعب بيا؟ ولا هو نايم على ودانه ومسلم أمه الخيط والمخيط؟ أحمد جوزي طيب وغلبان، بس مشكلته الأزلية إنه بيثق في أمه ثقة عمياء، من يوم ما اتجوزنا وهو شايف إن أمه ملاك مبيغلطش، وإنها بتعمل كل حاجة لمصلحة البيت، ولما كنت باجي أشتكي له زمان من كلمة رميتها ولا تصرف ضايقني، كان يقولي: معلش يا ستي دي في مقام أمك، كبري مخك عشان خاطري، إحنا عايشين ببركتها.
​مسكت تليفوني، كان نفسي أضربه في الحال وأصرخ في وشه وأقوله أمك بتعمل وبتسوي، بس تراجعت في آخر ثانية. لو كلمته دلوقتي وأنا منهارة وبصرخ، أول حاجة هيعملها هيكلم أمه، وأمه بتعرف تلوّن الكلام وتطلع نفسها المظلومة وتطلعني أنا المتبلية المفترية اللي عايزة تخرب البيت وتفرق بينه وبين أهله، وساعتها هو هيقف في صفها وهيقولي انتي بتتبلي على أمي. لازم يكون معايا دليل، لازم أمسك كل حاجة بإيدي قبل ما أنطق بحرف واحد.
​تاني يوم الصبح، صحيت بدري زي عادتي، بس المرة دي مكنتش نفس الست بتاعة امبارح. نزلت عيالي للمدارس، ولما رجعت، لقيت حماتي قاعدة في مدخل العمارة ومعاها سلفتي هدى، وهدى قاعدة حاطة رجل على رجل ولابسة عباية استقبال شيك وبتاكل فاكهة، وحماتي أول ما شافتني طالعة، بصتلي بطرف عينها وقالت بصوت عالي عشان تسمعني:
يا هدى يا بنتي، اطلعي ارتاحي ومتتعبيش نفسك، أصل فيه ناس هنا في البيت صحتهم زي الحيط ومبيعملوش حاجة غير الأكل والنوم، ولو قولنالهم هاتوا لقمة عيش يعملوا مناحة ويقولوا مش خدامين.
​هدى ضحكت بمياعة وقالت:
ربنا يخليكي لينا يا ماما، إحنا ملناش بركة إلا انتي، والواحدة مننا أصلها بيبان في تصرفاتها برضه.
​وقفت، بصيتلهم الاتنين من فوق لتحت ببرود تام عمري ما جربته قبل كده، ومردتش بحرف، كملت طريقي وطلعت على السلم بخطوات ثابتة. سمعت حماتي بتنفخ وبتقول:
شوفي القادرة مابتردش كمان! والله لأوريكي يا نادية، مبقاش أنا أم أحمد لو مكسرتش مناخيرك دي.
​دخلت شقتي، وكان عندي مشوار أهم من كلامهم التافه ده كله. غيرت هدومي ونزلت من غير ما حماتي تحس، خرجت من باب العمارة الخلفي اللي بيطلع على الجنينة، وركبت توك توك وطلعت على البنك اللي أحمد بيحول عليه الفلوس، والبريد اللي أحياناً بيبعت منه. كان لازم أعرف الحوالات بتنزل إزاي ومين بيستلمها ومكتوب فيها إيه. لما وصلت البنك، طبعاً الموظف قالي: الحسابات سرية، ومينفعش نطلع على أي بيانات إلا لصاحب الحساب أو اللي معاه توكيل رسمي يتيح ليه الاطلاع والصرف.
​سألته بالراحة:
طب يا أستاذ، لو سمحت، أنا زوجته ومعايا بطاقته وصورة من قسيمة الجواز، أنا بس عايزة أعرف هل فيه حوالة باسمي أنا شخصياً اتبعتت ولا لأ؟
​الموظف دور بالرقم القومي بتاعي على السيستم، وبصلي باستغراب وقالي:
يا مدام، انتي نزل لك حوالة من السعودية من عشر أيام باسمك انتي، بمبلغ كبير، بس اتسحبت تاني يوم على طول بتوكيل عام بنكي معمول لوالدة الزوج، والتوكيل ده بيتيح ليها تسلم وتستلم أي مبالغ تخص حسابات الأسرة…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *