انا مش خدامه في بيت حماتي

هترمينا في الشارع بعد ما ترهن البيت اللي حمايا الله يرحمه سابه لأولاده، وكل ده عشان تصرف على بنتها وجوز بنتها وتفتح له مشاريع فاشلة!
المحامي قالي بصوت واطي يا مدام نادية، الموضوع محتاج هدوء تام. البنك باعت الإنذار الأخير، ولو المبلغ مسددش خلال أسبوعين، الحجز هيتنفذ رسمي. أحمد بيه قايلي أتحرك في كل الإجراءات القانونية فوراً، بس طلب مني أسلمك إنتي الورق ده عشان تكوني عارفة كل خطوة بتتعمل، وهو حاجز أول طيارة وطالع على المطار دلوقتي.
أول ما سمعت إنه في الطريق، حسيت إن ضهري اتسند بجد. اليومين دول عدوا وكأنهم سنتين. حماتي من ساعة مكالمة الكاميرا قفلت على نفسها باب شقتها ومخرجتش، وصفاء بنتها كانت رايحة جاية في الشارع وشها متخشب، وهدى سلفتي لما شافت العزوة بتنهار والحقائق بتتكشف، لزمت شقتها فوق وبقت تنزل تشتري حاجتها بنفسها ومتقدرش تحط عينها في عيني. سبحان مغير الأحوال، اللي كان بالأمس شايفني خادمة مالهاش قيمة، النهاردة مرعوب يبص في وشي!
يوم وصول أحمد، كنت مجهزة البيت ومنضفاه، وعيالي لابسين ومستنيين أبوهم على نار. لما دخل الباب، التوأم جروا عليه وحضنوه، وزياد وملك اتعلقوا برقبته، وأنا وقفت بعيد باصة لملامحه اللي اتغيرت من الحزن والخذلان. عينيه كانت حمرا من السهر والهم، ووشه شاحب. نزل لمستوى عياله وحضنهم جامد، وبعدين قام ووقف قدامي، مسك إيدي
وباس راسي قدام ولاده وقال بصوت مخنوق بالدموع حقك عليا يا نادية… حقك عليا يا بنت الأصول. عشر سنين شايلاني وشايلة بيتي ومستحملة الإهانة والذل عشان خاطري، وأنا كنت أعمى ومسلم اللي ورايا واللي قدامي لناس مفكروش فيا ولا في عيالي دقيقة واحدة.
دموعي نزلت، بس كانت دموع ارتياح. قولتله حمد الله على سلامتك يا أحمد، الأيام الصعبة عدت، والمهم إنك عرفت مين اللي بيصونك ومين اللي بياكل في لحمك.
مستناش يرتاح، ساب شنطه ونزل على شقة أمه، وطلب مني أنزل معاه عشان كل حاجة تتحط على المكشوف. لما خبطنا، حماتي فتحت الباب وإيدها بتترعش، وأول ما شافته عيطت وحاولت تاخده في حضنها وتقول يا حبيبي يا أحمد، وحشتني يا نور عيني، متصدقش اللي بيتقال عليا، دي مراتك…
أحمد بعد خطوة لورا ورفع إيده بجمود مكنتش أتخيله فيه كفاية يا أمي، كفاية تمثيل لحد هنا! أنا جاي ومعايا المتر، والورق كله قدامي. العمارة اللي حماها أبويا بعرقه رهناها عشان جوز صفاء يخسر الفلوس في البورصة؟ والمحل اللي بنيته بطوبة طوبة مسجلاه باسمها؟ والعشرين ألف اللي باعتهم أكل وشرب ومدارس لعيالي سرقتيهم بالتوكيل وقلتي لمراتي مبعتش غير ألفين؟ ده أنا لو كنت ربيت غريب مكنش عمل فيا كده!
صفاء كانت قاعدة جوة، قامت تزعق إنت جاي بعد السنين دي كلها تقف في صف الغريبة ضد أمك وأختك؟ المحل ده من حقنا إحنا كمان، مش إنت لوحدك اللي ليك في البيت!
أحمد لف ليها وبصلها بنظرة خلتها ترجع ورا وتخرس أنا الغريبة دي صايناني وصاينة عيالي، وإنتي جوزك اللي واكل مال الناس واكل حق أخوكي معاه! اسمعي إنتي وهي، المحامي محضر التنازل الرسمي عن المحل حالا دلوقتي، والتوكيلات اللي كانت معمولة كلها اتلغت واتشمعت في الشهر العقاري. وبالنسبة لرهن البيت، أنا هدفع قيمة القرض للبنك كاش، بس مقابل ده، نصيبك إنتي يا صفاء ونصيب أمي في العمارة دي هيتسجل بيع وشرا رسمي باسم مراتي نادية وولادي!
حماتي شهقت وصرخت عايز تجردنا من كل حاجة يا أحمد؟ عايز تكتب البيت للبت دي؟ أحمد رد بمنتهى الحسم والصرامة البت دي هي الوحيدة اللي تستاهل تشيل اسمي وأملاكي! ده مش انتقام، ده حقها وحق عيالي اللي كنتوا ناويين تشردوهم في الشارع. الورق قدامكم، يا تمضوا على التنازل ونصفي الحسابات بما يرضي الله وأنا أسدد القرض وأسيبكم قاعدين في شققكم معززين مكرمين، يا إما هسيب البنك ينفذ الحجز بالمزاد العلني ويطردكم، وهرفع بكرة الصبح قضايا خيانة أمانة واستيلاء على أموال بالتوكيل، وساعتها النيابة مش هترحم حد!
صفاء بصت لأمها وهي منهارة، وجوز صفاء لما عرف بالمصيبة اتصل يتبرأ من كل حاجة وخاف من الحبس. مكنش قدامهم أي مفر، قعدوا على الترابيزة والإيدين بتترعش، ومضوا على كل التنازلات وبصموا عليها في وجود المحامي والشهود.
بعد ما الورق خلص وخرجنا من الشقة، أحمد بص لأمه وقالها كلمة أخيرة مصروفك الشهري هيوصلك لحد عندك عشان إنتي أمي وربنا أمرني ببرك، ومش هسيبك تموتي من الجوع، بس ملكيش دعوة بمراتي ولا عيالي، ولا ليكي حكم على مليم من شقايا بعد النهاردة. ومراتي هنا هي ست البيت والمالكة الأولى والأخيرة، واللي هيفكر يدوس ليها على طرف، هيشوف مني وش تاني خالص.
طلعنا شقتنا، حسيت لأول مرة من عشر سنين إن الهوا اللي بتنفسه خفيف، وإن الحمل التقيل اللي كان كابس على صدري انزاح للأبد. أحمد قعد وسط ولاده، ودفع كل مصاريف المدارس، وجاب لكل واحد فيهم اللي كان نفسه فيه وزيادة. المحل اللي تحت كتبه باسمي هدية ورد اعتبار لكرامتي، وأجرناه لتوكيل كبير بقى يدخل دخل شهري محترم متأمن لمستقبل العيال، وعمارة العيلة بقت كلها ملكية واضحة ومسجلة محدش يقدر يلعب فيها ولا يهدد أماننا تاني.
سلفتي هدى نزلت اعتذرت لي
وبقت تمشي جنب الحيط وتطلب رضايا، وحماتي وبنتها عرفوا مقامهم وبقوا قاعدين في شققهم مبيقدروش يرفعوا عينهم فيا لما يقابلوني على السلم.
اتعلمت إن السكوت على الظلم مش طيبة ولا أصل، وإن الحق بيعوز قوة وذكاء يحميه. عشر سنين خدمة وصبر راحوا في كفة، بس الكرامة والأمان اللي رجعوا ليا ولولادي وزوجي اللي فاق وعرف قيمة بيته، كان هو العوض الحقيقي اللي نساني كل اللي فات وبدأت بيه حياة جديدة راسي فيها مرفوعة للسما.



