ورث مزرعه

لمحة نيوز
على الأرض.
عمر أخد نفس طويل وقال
أنا هقعد هنا كام أسبوع.
سلمى رفعت عينيها له.
ليه؟
بصلها وقال
قبل ما أقرر أبيع أو أسيب عايز أفهم أنا ورثت إيه بالظبط.
سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت
يبقى من بكرة هنبدأ بدري.
لكن عمر ماكانش يعرف إن أول يوم شغل في المزرعة
هيكون اليوم اللي هيكتشف فيه ليه عمه رفض يبيع الأرض طول حياته.
حكايات بسمة
الليل نزل على الفيوم كأنه حبر أسود اتدلق على الأرض، والهدوء كان تقيل يخلي الواحد يسمع دقات قلبه. عمر كان قاعد في الأوضة الصغيرة، المصباح الجاز بيتهز ونوره الضئيل بيرسم خيالات طويلة على الحيطان الخشب المشققة. كان ماسك ورقة وقلم وبيحسب ديونه للمرة الألف 186 ألف جنيه، غير الفوايد اللي كل شهر بتزيد وتخنق أنفاسه.
صوت خطوات برة على التراب خلاه يتفزع. مسك العصاية الخشب اللي كانت جنب السرير وقام ببطء. فتح الباب وخرج للصالون الصغير.
لقى سلمى قاعدة قدام شباك المطبخ، ماسكة فانوس قديم وبتصلح شبكة صياد صغيرة كانت بتستخدمها عشان تجمع البلح من النخل.
خضيتك؟ سلمى قالتها وهي من غير ما تلف تبص له، كأنها سمعت خطواته الخايفة.
عمر نزل العصاية وهو حاسس بإحراج
لأ أبداً.. افتكرت حد برة. الجو هنا ساكت زيادة عن اللزوم، أنا متعود على دوشة القاهرة.
سلمى ابتسمت وهي بتشد الخيط بسنانه
دوشة القاهرة بتهربك من نفسك، لكن سكوت البلد بيخليك تقعد مع نفسك وتفكر. وقعدتك دي شكلها طالت في التفكير.. مش عارف تنام؟
عمر قعد على دكة خشب قصادها
أنام إزاي؟ أنا حاسس إني اتورطت في قصة أكبر مني. الحاج صابر قال إن عمي كان سايب سر في البير.. سر إيه اللي يخلي راجل زي بدر الجبالي ده يلف حوالين البيت زي التعشب؟
سلمى حطت الشبكة من إيدها، وبصت له بعيونها الخضرا البسيطة اللي مليانة حزن قديم
عمك رحمة الله عليه ماكانش مجرد راجل بيزرع.. عمك كان مهندس ري قديم، ساب المهنة ورجع للبلد من 30 سنة. لما جه هنا، الأرض دي كانت بور، والبير ده كان مجرد حفرة ناشفة. عمك قعد سنتين يحرث في الصخر لحد ما وصل لمية حلوة أصفى من مية النيل، وجنب المية.. لقى حاجة تانية.
عمر قرب منها بلهفة
لقى إيه؟ آثار؟
سلمى هزت رأسها بالنفي
لأ.. مش آثار بالمعنى اللي في دماغك. لقى عرق مية معدنية كبريتية نادرة طالعة من جبل أرتياغا اللي ورا الأرض. مية بتشفي أمراض الجلد والعظام، والأهم إنها مية ما بتنشفش مهما حصل جفاف. بدر الجبالي عرف الموضوع ده لما جاب خبرا أجانب تحت اسم شركة استثمار، وعرف إن الأرض دي تحتها خزان مية معدنية يسوى ملايين، لو اتعملت منتجع أو مصنع مية.
عمر اتنفس بسرعة، الصدمة كانت كبيرة
ومش بس كده.. بدر عارف إن لو البير ده اتفتح وردم الآبار اللي حواليه، الأرض الزراعية بتاعة البلد كلها هتعطش، وهو يقدر يشتري أراضي الناس بالقشورة لما تبور!
سلمى هماست
بالظبط.. عمك وقف في وشه ومنعه. وعشان كده بدر بدأ يحاربه، يقطع عنه السماد، يمنع عنه العمال، لحد ما عمك كبر ومات بالكتف.. وجوزي لما وقف مع عمك، بدر ورطه في ديون ولما جوزي مات في الحادثة.. بدر افتكر إن الأرض بقت لقمة سائغة.
في اللحظة دي، صوت ضربة قوية خبطت على باب المزرعة الخارجي!
صوت رجالي جشير وزعيق طالع من برة
يا سلمى! افتحي يا حرمة! قولي للغريب اللي عندك يخرج يتكلم زي الرجالة بدل ما هو مستخبي جوة!
سلمى اتجمدت مكانها، ووشها أصفر. عمر قام وقف بسرعة، ورجعت في عينيه لمعة غضب ماكانتش موجودة فيه من سنين.
ده بدر؟ عمر سأل بصوت واطي بس حاد.
ده رجالة بدر.. عبد المولي ذراعه اليمين. سلمى قالت وهي بتترعش بلاش تخرج يا عمر.. دول ناس مش بتخاف ربنا.
عمر بص لها وقال بثبات
أنا سكت طول حياتي وهربت من مشاكلي ودبست نفسي في ديون عشان كنت بخاف أواجه.. الأرض دي ملكي وملك عمي، ومحدش هيدخلها بالغصب وأنا حي.
فتح عمر الباب الخشبي الكبير وخرج للجرن. كانت فيه عربية نص نقل مولعة النور العالي في وشه، وواقف جنبها تلات رجالة معضلين، ماسكين شوم وعصيان، وفي وشهم راجل بكرش وطاقية بيضا هو عبد المولى.
عبد المولى تفّ أثين الشيشة على الأرض وقال بسخرية
أهلاً بالأستاذ بتاع القاهرة.. نورت الفيوم يا ابن الغالي. بس اللي بييجي بلاد الناس، لازم يعرف أصولها.
عمر وقف بثبات والأضواء عامية عينيه
والأصول عندكم إنكم تيجوا تقتحموا بيوت الناس نص الليل يا عبد المولى؟ عاوز إيه؟
عبد المولى قرب خطوتين وضحك بصوت عالي
عاوزين مصلحتك يا بشمهندس! المعلم بدر الجبالي راجل كريم، وبيقولك بدل ما تقعد في الفقر ده والدق على الديون اللي عليك في مصر.. الشيك ده فيه 300 ألف جنيه جاهزة، تمضي على عقد بيع المزرعة وتلم هدمك وترجع مصر المرزوقة بكرة الصبح. والأرملة دي.. المعلم هيكفلها ويكتب
لها بيت صغير في القرية نسترها فيه.
عمر بصلهم وبص للشيك اللي مسكوه في وشه. المبلغ كان أكتر من ديونه بكثير، كان هيخلصه من كابوس ال 186 ألف ويتبقى معاه فلوس يبدأ بيها حياته.
بس افتكر كلام سلمى.. افتكر عينين الحاج صابر.. وافتكر عمك اللي مات وهو بيحمي البير عشان البلد ما تعطش. وافتكر أمه اللي عاشت شريفة وماتت وهي بتدعي له يسترجل.
عمر مسك الشيك من إيد





