ست اطباء

الجزء الرابع الجزء الثامن
بعد أسبوع من خروج نوران، استدعيت ملك لمكتب مدير المستشفى.. كانت متوقعة التكريم، بس ما توقعتش اللي سمعته.
المدير الدكتور جلال رحّب بها باحترام بالغ، وبجانبه الدكتور سامح والدكتور عمر،
ورجل غريب في الستينات بملامح حازمة وهادئة.
أريدكِ أن تتعرّفي على الدكتور مجدى رئيس قسم الطب الشرعي والوراثي قال المدير لديه ما قد يفاجئكِ جداً.
جلست ملك بقلق
فيه مشكلة بخصوص الحالة؟
أبداً.. الحالة ممتازة ونوران تتحسّن بسرعة ردّ الدكتور مجدى بهدوء لكن خلال مراجعة الملفات لغرض التكريم، لاحظنا تطابقاً غريباً في فصائل الدم والصفات الوراثية بينكِ وبين نوران.. فأجرينا فحصاً إضافياً دون إخبار أحد.
قلب ملك خفق بسرعة
يعني إيه؟
أنتِ خالتها.. بل أكثر من ذلك.. أنتِ شقيقتها بالدم.
الكلام ده طار بملك من مكانها.. شقيقتها؟!
مستحيل.. أنا يتيمة يا دكتور.. ما عندي إخوة ولا أخوات!
أعرف إنّكِ نشأتِ في دار أيتام منذ سن الرابعة قال الدكتور مجدى برفق والداكِ توفّيا في حادثة، واعتُبر أنّكِ الوحيدة.. لكن الحقيقة إنّ والدتك كانت حاملاً في توأم.. لم يُعرف أحد بوجود الطفلة الثانية لأنّها وُلدت بوزن ضئيل جداً وتمّ تبنيها بسرعة من عائلة وفاء وكمال دون ذكر تفاصيل الولادة في السجلات العامة.. لظروف خاصة.
دموع ملك نزلت بلا سيطرة.. كل شيء اتضح فجأة.. الحدس اللي خلاها لا تترك نوران.. الشعور الغريب إنّها تعرفها من قبل.. الرغبة في حمايتها بأي ثمن.. لم يكن مجرد شعور.. كان نداء الدم!
يعني.. نوران أختي التوأم؟ همست بصوت مكسور.
نعم.. انفصلتما في الولادة، وكل واحدة منكما عاشت في مكان مختلف، دون أن تعرف الأخرى.. حتى التقيتما هنا، في هذا المستشفى، في اللحظة الأخيرة الممكنة.
خرجت ملك من المكتب وما عرفتش تمشي.. حطّت راسها على الحائط وبكت بكل قلبها.. كل السنين اللي حست فيها بالوحدة، بالغربة، بإنّها وحيدة في الدنيا.. اتضح إنّه كان عندها شريكة حياة، توأم روحها، ما كانت تعرف بوجودها!
اتصلت بوفاء في نفس اليوم.. التقتا في بيتها، وقالت لها كل شيء. وفاء احتضنتها وبكت معاها
كنتِ دايماً أقول إنّ فيه سبب غريب لقاؤنا.. الحمد لله اللي جمعكم.
من ذلك اليوم، صارت ملك جزءاً من حياتهم.. تزور نوران كل يوم، تتابع معها جلسات العلاج الطبيعي، وتجلس معها لساعات تحكيان وتسمعان كأنّهما تعوّضان سنين البعد كلها.
نوران كانت فرحتها لا تُوصف
يعني أنتِ أختي الكبيرة؟.. كنتِ معايا طول الوقت من غير ما أعرف!
كنت قريبة منكِ دائماً يا حبيبتي.. وكنتِ بتجذبيني ليكِ بكل قلبك ردّت ملك وهي تضمّها.
مرّ شهر.. نوران بدأت تمشي بخطوات بطيئة، ثم أسرع، ثم ركضت في الحديقة أمام ملك وهي تضحك من كل قلبها.. رجعت زي ما كانت، وأحسن!
وفي يوم من الأيام، جلستا مع بعض على مقعد في حديقة المستشفى
تعرفي يا نوران.. لو كنتِ بقيتِ وحيدة في العملية.. كنتِ خفت قالت ملك بصدق.
أنا ما كنتش وحيدة ردّت نوران بابتسامة لامعة كنت حاسة إنّ حد قريب مني بيحميني.. وطلعتي أنتِ!
الحكاية اتعرفت في المستشفى، ثم في المدينة كلها.. الممرضة الشابة اللي أنقذت أختها التوأم اللي ما كانت تعرف بوجودها في اللحظة الحرجة. الناس كانت بتقول إنّها معجزة.. وملك كانت تعرف إنّه حب أخويّ قويّ بما يكفي ليعبر الحواجز والسنين.




