ست اطباء

الجزء الثاني الجزء السادس
كلام الدكتور عمر رنّ في أوضّة الطوارئ زي الجرس.. اطلبوا استشاري جراحة أوعية دموية فوراً!.. الكلمات دي كانت إشارة إنّ كلّ اللي اتّقال قبل كده كان غلط، وإنّ البنت اللي كانوا جاهزين يخرجوها في دقائق كانت على شفا كارثة حقيقية.
ملك وقفت بجانب السرير، قلبها يدقّ بسرعة جنونية، بس ما سمحتش لنفسها تتحرّك ولا تتنحّى خطوة. كانت عينها على شاشة أجهزة المراقبة، ويدها ما فارقت كفّ نوران الصغيرة اللي كانت بتترعش من الخوف والألم معاً.
أبلة ملك.. هيمسكوا إيدي؟ همست نوران بصوت مخنوق، عيناها اللي لسه بتلمع بالدموع بتدور على وجه الممرضة اللي كانت أول واحد صدّقها.
أنا معاكي يا حبيبتي.. مش هتسيبكِ أبداً ردّت ملك بكل رقة وحنان حاولت تجمّعه في صوتها الدكاترة دلوقتي هيعرفوا إيه سبب الوجع، وهيعالجوه، وهتروحي البيت سليمة بإذن الله.
وفاء الأم وقفت جنبهم، ما بين الذهول والخوف.. كانت ماسكة الكوتشي البمبي بقبضتها لدرجة إنّ أصابعها ابيضّت، والدموع ما وقّفت بسيلان على خدّيها
يعني إيه يا دكتور؟.. يعني إيه إنّ الدم مقطوع؟! البنت كانت بتلعب.. سقطت ع الركبة بس.. إزاي يصير كده؟!
الدكتور عمر رفع راسه بوجه جدّي تماماً، ما فيهش أي تهاون زي قبل
مش عارفين بالظبط لسه يا مدام وفاء.. بس اللي حصل إنّ شيء ضغط على الشريان الرئيسي اللي بيوصل الدم للرجل كلها.. وكل ما تفردّي الرجل، الضغط يزيد، والتدفق يقلّ لحد ما ينقطع تماماً.
وهل.. هل هتبتر رجلها؟ سألت الأم بصوت مكسور بالكاد طلع من حلقها.
الدكتور سكت ثوانٍ، وهذي السكوت كانت أجابتها المرعبة..
هنحاول كل حاجة قبل ما نصل لهذه الخطوة.. بس لازم نكون صريحين.. الوقت مش في صالحنا.
ملك حست ببرودة تسري في جسدها.. يعني الكارثة ممكن تحصل
فعلاً؟ لو ما لاحظت الفرق في الحرارة.. لو سلمتهم ورقة الخروج ومشيت.. كانوا وصلوا البيت ودمّ الرجل يكون توقّف تماماً، وما كانش فيه فرصة إنقاذ أبداً!
بعد دقائق بدت كده كأنّها ساعات، دخل الدكتور سامح استشاري جراحة الأوعية الدموية.. راجل في أواخر الخمسينات، وجهه حازم، عيناه حادّة، وكل خطوة محسوبة. سمع التقرير بتركيز تام، ثم اقترب من السرير، وبدون أي كلام زائد، بدأ الفحص بنفسه. لمس القدمين، قاس النبض بالجهاز، طلب من نوران تحريك الرجل ببطء.. وفي كل مرّة كانت تحاول تفردّها شوية، كان الجهاز يظهر توقف التدفق بوضوح تام.
ممتاز.. جداً قال أخيراً بصوت ثقيل أنتِ عملتي حاجة كبيرة يا ممرضة ملك.. لو تأخّرنا ساعة تانية، كنا نتكلّم عن بتر لا مفرّ منه.
الكلام ده نزل عليهم زي صاعقة.. وفاء غطّت وشها وبدأت تبكي بصمت، وملك حست برعشة قوية تسيطر على جسدها.. كانت تعرف إنّ الخطر حقيقي، بس ما توقّعتش إنّه بهذا الحجم.
إذن إيه السبب يا دكتور؟ سأل الدكتور عمر بتركيز ما ظهرش شيء في الأشعة العادية.. لا كسر ولا ورم ظاهر.
بالظبط.. المشكلة مش في العظام ولا في الأنسجة الظاهرة ردّ الدكتور سامح وهو يشير إلى منطقة خلف الركبة هنا فيه تضيّق مفاجئ في الشريان.. وبيحصل لما الرجل تتنى يرتاح، ولما تتفردّ ينسدّ تماماً. محتاجين أشعة مقطعية بدقّة عالية فوراً عشان نعرف إيه اللي بيضغط عليه.
نُقلت نوران لقسم الأشعة.. ملك مشيت وراها معاهم، رغم إنّ ما كانش مطلوب منها تتابع، بس ما قدرتش تبعد. كانت حاسة إنّ المسؤولية دي مسؤوليتها هي كمان.
الأشعة كشفت عن شيء غريب جداً.. خلف الركبة، بين العضلات والعظام، كان هناك كتلة صغيرة جداً مش متوقعة، ما كانت تظهر في الفحوصات العادية، وبتضغط مباشرة على الشريان الرئيسي. وكل ما تغيّرت وضعية الرجل، تغيّرت درجة الضغط.. ولهذا اختفى النبض تماماً لما كانت تفردّها.
إيه دي؟ سألت وفاء وهي بتشوف الصور بيد مرتجفة ورم؟
مش بالضرورة ورم يا مدام ردّ الدكتور سامح بهدوء ممكن تكون كتلة دموية ناتجة عن الصدمة، ممكن تكون تجمّع نسيج، أو حتى جزء من العظام نزح مكانه.. محتاجين نخرجها ونفحصها عشان نتأكد. والعمليّة لازم تتم الحين.
تجهيزات غرفة العمليات تمّت في دقائق.. قبل ما تودّع نوران، مسكت إيد ملك وقالت بضعف
ما تسيبونيش.. عايزة أخرج سليمة.
هتخرجي سليمة يا نوران.. وعد مني ردّت ملك وهي بتضغط على إيد الصغيرة انتظركِ برة بكل حب.
الباب اتقفل وراها.. وملك وفاء بقيا وحيدتين في الطرقة الطويلة الباردة.. الساعات اللي جت كانت الأصعب في حياتيهما.


