سلفتي سكر

كان سيد يرتجف، ليس من البرد فحسب، بل من الخوف والتأنيب. أصر على الدخول والانكباب على يد حمايا يقبلها وهو يبكي: “سامحني يا حاج! سامحني يا سي شريف! أنا جيت أطهر ذمتي قبل ما أقف قدام ربنا، أنا اتضحك عليا وبعت ضميري بعرض من الدنيا، بس الأفاعي لسة ما ماتتش وراويين لكم على مصيبة جديدة!”

اجتمع الرجال حوله، وسكتت سعاد وأمسكت إيدي ونحن نستمع برعب لما يقوله سيد. اتضح أن نرمين وابن عمها، بعد خسارتهما للقضايا وتشوّه سمعتهما في المنطقة، لم يستسلما. كان غلّهما قد تحول إلى انتقام أعمى. اتفقا مع بلطجية خارجين عن القانون لتدبير حادث “حريق مفتعل” في ورشة العيلة ومخزن الأدوات الكهربائية في منتصف الليل، لدمار مصدر رزق العائلة بالكامل، مع وضع مواد خطرة ومحظورة داخل المخزن قبل إشعال النار ليتهموا حمايا وسلفي الكبير بالتجارة غير المشروعة والإهمال الجسيم!

نزل الخبر كالصاعقة على الرجال. شريف وقف غاضباً يريد الخروج بالسلاح لمواجهتهم، وسلفي الكبير شحب وجهه، وحمايا وضع يده على صدره متألماً من هول الغدر. لكن سعاد—التي لم تعرف الخوف يوماً ولم تسمح للشر أن يهزم بيتها—تقدمت خطوة بثبات كأنه الجبل.

أمسكت يد شريف وقالت بصوت كالرعد يحمل القوة والنخوة: “اهدأ يا شريف! القوة مش بالعافية والدم، القوة بالعقل والتدبير! طالما ربنا كشفهم لنا ونور بصائرنا بسيد، يبقى الحق هيركبهم ويتمحوا من الدنيا!”

التفتت سعاد لحمايا وقالت: “يا عمي، الشرطة لازم تدبر لهم كمين على حق. مش هنستناهم لما يحرقوا شقانا، إحنا هنوقعهم في الشباك اللي حفروها بإيديهم.”

تواصل حمايا وشريف مع المباحث فوراً وقدموا شهادة سيد الموثقة بالصوت والصورة، إلى جانب الاتصالات المسجلة التي حاول ابن عم نرمين بها توجيه سيد لتسهيل دخول البلطجية للمخزن. أعدت الشرطة خطة محكمة للقبض عليهم متلبسين في نفس الليلة التي تم تحديدها لتنفيذ الجريمة.

في الليلة الموعودة، كانت أعصاب البيت كله على المحك. جلسنا في الصالة ننتظر والوقت يمر كأنه دهر. سعاد كانت تتنقل بيننا، تصلي وتدعو وتطمئن رضوى المرتعبة، ولم تفقد ثقتها بالله لحظة واحدة. وقبل الفجر بساعة، اتصل شريف من أمام الورشة، ونقل الخبر السعيد: “تم القبض على البلطجية وابن عم نرمين وهم يقتحمون المخزن ومعهم جاليونات البنزين والمواد المحظورة! ونرمين تم استدعاؤها كمحرضة رئيسية والجريمة ثابتة عليهم بالصوت والصورة والتلبس!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *