سلفتي سكر

في هذه اللحظة بالذات، نفضت سعاد يديها من العجين وقفت في وسط الصالة والسرور يملأ وجهها كأنه شمس أشرقت فجأة. انطلقت منها زغروطة مدوية هزت أركان البيت والشارع، زغروطة أطول وأقوى من كل ما سبق، تبعتها بدعوات حارة تخرج من أعمق نقطة في قلبها الطيب:
“لولولولولولولولولوي! ألف مبروك يا أختي يا حبيبتي! عقبال ما تطوفي حوالين الكعبة وتدعي لنا كلنا بالستر والعمار! يا بختك برضا ربنا وزيارة نبيه، ترجعي لنا بالف سلامة وغنيمة!”
اقتربت مني سعاد واحتضنتني بقوة، ودموع الفرح المتبادلة تملأ أعيننا. تذكرت على الفور يوم أن رتبت لها الثلاجة واحتضنتني قائلة إنها سترد لي الجميل حين أعود من الحجاز. رددت عليها ونفسي مليئة بالحب: “دا كله بفضل ربنا ثم نيتك الصافية يا سعاد، دعواتك وفرحتك هي اللي كانت فاتحة خير على البيت ده كله.”
خلال الأيام التي سبقت السفر، تحول البيت إلى شعلة من النشاط والبهجة استعدادًا لهذه الرحلة المباركة. كانت سعاد تتولى كل التفاصيل بنفسها؛ تشتري مستلزمات السفر، وتساعدني في تجهيز الحقائب، وتوصي الجميع بدعوات محددة أمام الروضة الشريفة. لم تترك شيئاً للصدفة، وكانت تبتكر الأفكار وتوزع الهدايا البسيطة على الجيران والمقربين لطلب العفو والدعاء.
وفي ليلة السفر، اجتمعت العائلة بأكملها في شقة حمايا؛ سلفي الكبير، وشريف وزوجته رضوى، والأبناء الكبار الذين تزينت وجوههم بالابتسامات. أقام حمايا جلسة ذكر ودعاء، وتناوب الجميع على إبداء المشاعر الطيبة وطلب الدعوات عند المشاعر المقدسة. كانت الشقة تضوع برائحة البخور والمسك، والجميع يعيش حالة من السكينة التي لم نذقها منذ زمن.
ولما حانت لحظة الخروج والتوجّه إلى المطار، وقفت سعاد عند الباب، ترتدي أجمل ثيابها، وتمسك في يدها قارورة ماء ورد رشّت منها على أيدينا وهي تقول بابتسامتها المعهودة: “مودعين برعاية الله وحفظه، لا تنسونا من صالح دعائكم هناك عند الملتزم وفي طوافكُم! وترجعوا تملوا علينا البيت بركة ونور!”
خرجنا من باب العمارة وسط دعوات الأهل والجيران، بينما كانت أصوات الزغاريد والتهاني تتردد في الشارع كله. انطلقت بنا السيارة ونحن ننظر إلى خلفنا نرى سعاد وحمايا وبقية العائلة يقفون صفاً واحدًا، يلوحون بأيديهم ووجوههم تفيض بالمحبة والرضا.




