بعد 6 سنين

بعد 6 سنين كاملة وأنا شغالة برّه مصر، رجعت فجأة من غير ما أقول لحد، عشان أفاجئ أمي في البيت اللي اشتريتهولها بحوالي 30 مليون جنيه.
لكن أول ما خبطت على الباب، جوز أختي هو اللي فتح لي.
بص لي من فوق لتحت، كأني واحدة غريبة جاية في وقت مش مناسب، وقال بمنتهى البرود
أقدر أساعدك؟
كان ماسك كباية ويسكي، ولابس روب حرير مفتوح من عند رقبته.
قلت له
أنا جاية أشوف ماما، الحاجة نادية.
ضحك ضحكة باردة وقال
لو جاية عشان الشغل، الخدامة في الجنينة ورا.
اتجمدت مكاني.
للحظة افتكرت إني سمعت غلط.
بس هو كمل بمنتهى اللامبالاة
خلصي بسرعة، عندنا ناس جايين الساعة سبعة.
وقفل الباب في وشي.
فضلت واقفة قدام الباب ثواني مش مستوعبة اللي حصل.
الخدامة في الجنينة.
الجملة دي فضلت تلف في دماغي.
لفيت من جنب البيت وروحت ناحية الجنينة الخلفية.
وساعتها شفتها.
أمي.
أمي اللي عندها 62 سنة.
كانت قاعدة على ركبها فوق البلاط السخن، جنبها جردل مية وصابون، وبتفرك بإيديها تراب ودهون المطبخ الخارجي.
كانت لابسة هدوم قديمة وواسعة، وإيديها حمرا من كتر الفرك.
وقفت مكاني وقلت بصوت مبحوح
ماما…
إيديها وقفت.
الفرشة وقعت من بين صوابعها جوه الجردل.
بصت وراها.
ولما شافتني، وشها اتغير.
ناتالي؟!
حاولت تقوم بسرعة، لكن ركبتها خانتها.
جريت عليها وسندتها قبل ما تقع.
حضنتني وهي بټعيط وقالت
يا حبيبتي… إنتي رجعتي؟
حضنتها جامد، لكن عيني كانت على ركبتها، وعلى إيديها اللي اتبهدلت، وعلى جسمها اللي خِسّ بشكل واضح.
بعدتها عني شوية وسألتها
إيه اللي حصل هنا؟
وطبعًا ما ردتش.
بصت في الأرض.
قلت لها
ليه بتنضفي بنفسك؟ وليه جوز أختي بيقول عليكي الخدامة؟
ساعتها اڼهارت في العياط.
قبلها بسنتين، وأنا لسه في شغلي برّه مصر، كنت اشتريت البيت ده كاش عشان أمي تعيش مرتاحة بقية عمرها وماتحتاجش تشتغل يوم واحد.
وكمان كنت بحول لها كل شهر مبلغ محترم يغطي مصاريف البيت، والأكل، والكهربا، وكل اللي تحتاجه.
أختي خلود وجوزها كريم كانوا المفروض يقعدوا في أوضة الضيوف كام أسبوع بس، لحد ما يظبطوا أمورهم.
بس الأسابيع بقت شهور… والشهور بقت سنتين.
أمي حكت لي إنهم استولوا على أوضة النوم الرئيسية، وبقوا بيتصرفوا في البيت كأنه ملكهم.
وبالضغط عليها، أخدوا منها الكروت اللي كنت بحول عليها مصاريفها.
وفي كل مرة كنت أكلمها من برّه، كانت تبتسم قدام الكاميرا وتقول
أنا كويسة يا بنتي، متقلقيش عليا.
وأنا، الغبية، كنت بصدقها.
سألتها وأنا مش قادرة أصدق
طب ليه ما قولتيليش؟
مسحت دموعها بطرف إيدها وقالت
قالولي لو اشتكيتلك، ممكن تبيعي البيت… وأنا هروح فين؟ أنا خفت.
وسكتت شوية، وبعدين قالت بصوت مكسور
أنا بس كنت عايزة أحافظ على البيت والعيلة.
بصيت للفرشة اللي كانت في الجردل.
مسكتها ورميتها بعيد.
وقلت لها بهدوء
إنتي من النهارده مش هتوطّي ركبتك على الأرض دي تاني.
رفعت عينيها وبصت لي.
يمكن لأول مرة من سنين شافت بنتها مش البنت اللي كانت بتبعت فلوس من برّه…
لكن صاحبة البيت.
مسكت إيدها ودخلنا جوه.
كانت خلود قاعدة متمددّة على الكنبة وماسكة موبايلها، وكريم واقف عند البار بيصب لنفسه كوباية تانية.
أول ما خلود رفعت عينيها وشافتني، وشها اتقلب.
ناتالي؟!
كريم اتجمد مكانه.
قالت
إنتي بتعملي إيه هنا؟! مش قولتي إنك راجعة الشهر الجاي؟
بصيت لها، وبعدها بصيت لكريم.
قلت
أنا صاحبة البيت.
السكوت نزل على المكان كله.
وبعدين كملت
ولسه سامعاك وإنت بتقول لماما الخدامة.
كريم ضحك ضحكة متوترة، وعدّل الروب بتاعه.
يا ناتالي، إنتي فهمتي الكلام غلط.
غلط إزاي؟
دي كانت هزار. وبعدين والدتك بتحب تفضل مشغولة… ده بيديها إحساس إنها مفيدة.
بصيت له كام ثانية.
وبعدين قلت
قدامك نص ساعة تجمع هدومك وتمشي.
خلود قامت من على الكنبة مرة واحدة.
نعم؟!
سمعتيني.
إنتي مين أصلًا عشان تطردينا؟! إحنا عايشين هنا بقالنا سنتين!
رديت بهدوء
وإيه يعني؟
قالت
ماما وافقت إننا نقعد هنا. البيت بقى بيتنا إحنا كمان.
كريم



