سلفتي

الساعة مجاتش اتناشر الضهر إلا وكان القلم بيجري على دفاتر المأذون، تكة القلم على الورق كانت بتطرب وداني كأنها مزيكة نصر، وهو قاعد قصادي مدلدل راسه في الأرض، عينه مفيهاش حتى الجرأة إنه يرفعها في عيني. وقع ومضى وبصم على مؤخري وعلى نفقة العيال، وتنازل رسمي عن شقة الحضانة لحد ما أصغر عيل يبلغ أشده، كل ده وهو ساكت ومكتوم، خايف من الورقة اللي في جيبي أكتر ما خايف من ربه.
خرجت من عند المأذون وخطوتي في الشارع غير أي خطوة مشيتها في عمري كله. كانت الأرض شيلاني، والهوا اللي بيدخل صدري صافي ونضيف، مفيش فيه خنقة المطبخ ولا ريحة السم اللي كانت عزة بتبخه في كل ركن.
وصلت البيت، لقيت العمارة هادية بس عيون الجيران من ورا الشيش بتاكل السلالم. عزة كانت قافلة بابها بالضبة والمفتاح، حابسة روحها جوة بعد الفضيحة اللي أكلت وشها قدام حمايا وإخوات جوزها المرحوم، الأرملة اللي كانت سايقة الهبل على الشيطنة بقت سيرتها على كل لسان، وكبار العيلة عينهم بقت على الدفاتر وعلى كل مليم داخل وخارج من شقتها، اتجردت من الهيبة المضروبة، ورجعت لحجمها الطبيعي.. واحدة طماعة اتمسكت بإيدها متلبسة.
طلعت شقتي، دخلت ولقيت أبو فادي بيلم آخر كراكيبه في شنطة سفره، وشه مخطوف كأنه طالع من مقبرة. وقف على باب الشقة وتردد ثانية، بصلي بنظرة كلها حسرة وندم، وقال بصوت واطي مهزوز:
«هانت عليكي العشرة يا حنان؟ هان عليكي تكسريني وتطرديني من بيتي قدام الدنيا كلها عشان غلطة؟ ده أنا سترتك وعيشتك سنين!».
قربت من الباب، حطيت إيدي على الأكرة، وبصيت له من فوق لتحت بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي زمان:
«العشرة هانت يوم ما خليتني أخدم في بيتي كأني شغالة، وهانت يوم ما ركبت عزة على كتافنا وخليت ولادك يشحتوا اللقمة واللعبة من إيدها.. أنت مكسرتنيش يا أبو فادي، أنت كسرت نفسك لما فكرت إن الست الطيبة ملهاش ضهر ولا عقل. وكلمة ‘سترتك’ دي متتقالش لست شالتك وشالت قرفك، دي تتقال للي باعت لحم أخوك ورمت بلاها عليك».
وشه احتقن ومقدرش يرد، شاور بصباعه وهو خارج كأنه عايز يتوعد، بس الرعب شل لسانه لما افتكر إن خيوط رقبته كلها لسه في إيدي. خطى عتبة الباب، وبحركة واحدة سريعة، رزعت الباب في وشه وقفلت بالترباس، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها، وكان معلن نهاية كابوس قعد على نفسي سنين.



