سلفتي

اتقدم خطوتين نحيتها، وبصوت ناعم ومتبدل مية وتمانين درجة عن الصوت اللي كان بيجعر بيا بيه من ثواني، ابتسم لها بوقاحة تخلع القلب وقالها: «تعالي يا عزة، تعالي شوفي بعينك الهانم اللي مش عاجبها العجب.. قال إيه زعلانة وبتعملي فيها فيلم عربي عشان الغيرة واكلاها منك ومن شطارتك! الست مش قادرة تبلع إنك بتفهمي وتدبري أحسن منها، مفروسة عشان شايلاني وشايلة عيالي وهي خايبة ما وراهاش غير اللطم والشكوى».
عزة سمعت الكلمتين وعينيها لمعت بانتصار وشماتة حاولت تداريهم بابتسامة خبيثة، ردت وهي بتمط شفايفها: «تغير مني أنا يا أبو فادي؟ وأنا مالي ومالها بس، هو عيبي إني خايفة على قرشك وعايزة ألم البيت بدل ما يضيع؟ يا حنان يا أختي العقل زينة، هو بدل ما تشكريني إني شايلاكي من السوق والبهدلة تقومي تسخني جوزك عليا؟ ما كنتش أعرف إنك شايلة في قلبك كل الصفار ده من ناحيتي!».
وقفوا هما الاتنين قصادي؛ جوزي وسلفتي اللي سارقة شقايا وكياني بتبصلي بشفقة مصطنعة..
الكلمة طلعت من بؤها وكأنها رشت بنزين على النار، وأبو فادي بدل ما ينكسف من وقفته دي، نفخ صدره وخد خطوة كمان لقدام، وبصلي بنظرة مليانة جبروت وقسوة، وشاور بصباعه في وشي وهو بيقول بأعلى صوته:
«سمعتي الأصول اللي مش طايقة تسمعيها؟ عشان تبقي عارفة بقى وتفهمي رأسك من رجليكي.. قعادك في البيت ده من اللحظة دي بأمر من عزة اللي مش عاجباكي دي! عزة لو شاورت بصباعها بس وقالت تمشي، هتمشي الليلة دي وقبل الصبح بشنطة هدومك اللي جيتي بيها، وملكيش قشة زيادة!».
بلعت ريقي بصعوبة، لساني ارتعش من الصدمة، عزة نفسها رفعت حاجبها بزهو مصطنع ونزلت عينيها في الأرض كأنها مكسوفة، وهو مكمل تقطيع في لحمي قدامها من غير ما يتهز له جفن:
«وعيالي؟ انسي إنك تاخدي حتة عيل في إيدك تذليني بيه.. عيالي لحمي ودمي هيفضلوا هنا في حضني، وعزة هي اللي هتربيهم وتطلعهم رجالة وستات بجد يعرفوا الأصول اللي أمهم معرفتش تعلمهالهم! هي اللي هتبقى أمهم ، وأنتِ ترجعي لبيت أهلك بالخيبة اللي جيتي بيها، أشوف مين بقى هيعبرك ولا هيرضى بيكي بعد ما تترمي الرمية دي!».
عزة عملت نفسها متأثرة، ومدت إيدها تطبطب على كتفه بمياصة مفضوحة، وقالت بنبرة حية: «اهدى بس يا أبو فادي، ميوصلش الأمر لكده.. إحنا برضه بنشتري العِشرة، عشان خاطر الولاد بس نسيبها، أهي قاعدة تخدمهم وتونسهم، وأنا أهو معونة ليها وللبيت».
النظرة اللي بصوهالي في اللحظة دي.. هو مستقوي بيها، وهي بتبصلي من فوق لتحت بنظرة شفقة مسمومة كأني شحاتة على بابها وبتتفضل عليا باللقمة والستر.. النظرة دي حفرت جوة روحي قبر لكل ذرة خوف كانت لسه باقية فيا. حسيت بوجع فظيع بيقيد في ضلوعي، لكن قصاده نبتت قوة عمري ما عرفت إنها عندي؛ لما عرفت إن ظهري بقى للحيط، وإن السكوت مع البني آدم ده مبقاش مجرد ذل.. ده بقى انتحار.
ابتسمت.. ابتسامة هادية طلعت من بين شفايفي على مهلها، مش ابتسامة قهرة، لأ، ابتسامة الواحدة اللي استوعبت اللعبة وعرفت إن العياط والزعيم مابيجبوش غير الخراب على دماغ صاحبه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *